المقدمة :
اعتنى أساتذة من أعلام الاستشراق فى الغرب منذ القرن الماضى بالأدب الجغرافي العربي للقرون الوسطى ، فنشروا جل نصوصه ودرسوه وأبانوا قيمته ومدى أهميته ، بعد أن أهمله العرب طيلة عديد من القرون ولم يخصصوا له مكانا فى موسوعاتهم الأدبية.
وما تعليل كبير اهتمام المستشرقين بهذا اللون الادبى إلا بتفطنهم لثراء نصوصه التى يكتشف فيها الباحثون الخبراء بشؤون العالم الاسلامى فى القرون الوسطى معينا من المعلومات الدقيقة التاريخية والجنسية والاثرية والاقتصادية والسياسية والدينية وغيرها مما يندر وجوده بمثل تلك الدقة فى مصادر أخرى . ويشتمل أدب الجغرافيا الوصفية على أنماط مختلفة منها وخاصة الموسوعات المعدة لكتاب الدواوين ( Compendia ) وكتب " المسالك والممالك ( ltineraires ) التى ينتمي جل مؤلفيها الى الشيعة وبعضهم من الدعاة فيما يظن أمثال المقدسى مؤلف كتاب " احسن التقاسيم فى معرفة الأقاليم " وابن حوقل صاحب كتاب " المسالك والممالك " ويعرف أيضا بكتاب " صورة الأرض " ومنها تقارير السفارات ووصف الرحلات.
وقد اخترت تحليل رسالة ابن فضلان لأبرز أهميتها وأبين أنها تمثل لونا وسطا بين نمط أدبى جغرافي نجده عند مؤلفين أمثال ابن حوقل والمقدسي والبكرى وبين نمط آخر من الجغرافيا الوصفية وهو أدب الرحلات الذى يمثله بن جبير أحسن تمثيل . فكيف وقع هذا التحول من التقرير الى الحكاية؟
والى اي حد تعتبر رسالة ابن فضلان وصف رحلة وقصة شبيهة باليوميات اكثر من أن تعتبر مجرد تقرير رسمى ؟ ذلك هو موضوع بحثى بالاضافة الى اعتنائى بمراكز الاهتمام الأخرى فى رسالة ابن فضلان.
وينبغى قبل شروعي في دارسة الرسالة أن أعرض بايجاز حالة نصها كما وصلنا ، وأن أعرف بكتابته وظروف أهداف السفارة التى شارك فيها مشاركة إيجابية وأضبط المسالك المتبعة والشعوب المزورة.
1 ( حالة النص :
كيف وصلتنا رسالة ابن فضلان ؟ لم تعرف هذه الرسالة لمدة طويله الا من الشذرات القليلة المدونة في المعجم الجغرافي لياقوت ، وهى التى نشرها المستشرق الروسي " فراهن " ودرسها منذ سنة 1823 . وبعد قرن اى فى سنة 1923اكتشف احمد زكى فالدى فى ايران بمشهد نصا اطول لتلك الرسالة ، فنشره وترجمه الى الألمانية وقدم له وعلق عليه فى سنه 1939 ، فى نفس تلك السنة ظهرت بليننغراد طبعة مصورة لذلك النص ملحقة بترجمة روسية وتحقيقات قام بها " كوفلفسكى " تحت اشراف " كرشكفسكى ".
ثم تعاقبت الطبعات والترجمات لذلك النص وقد ذكر " ماريوس كانار " حلها فى مقدمة ترجمته الفرنسية الجيدة التى ظهرت فى " حوليات " معهد الدراسات الشرقية بالجزائر سنة 1958 .
وفي السنة الموالية ظهرت بدمشق طبعة أخرى علمية لذلك النص حققها الدكتور سامي الدهان.
غير أننا لا نملك النص الكامل لرسالة ابن فضلان فيعسر علينا الالمام التام بلونها الجغرافي الجديد لما في النص الموجود بين أيدينا من نقص اذ سلم من عبث الزمان نصفه فحسب أعني القسم الذي حكى فيه ابن فضلان تفاصيل رحلة سفارته من بغداد الى بلاد البلغار ذهابا دون الاياب.
2 ( المؤلف :
شخصية ابن فضلان يحيط بها كثير من الغموض فلم يكن السفير بل كاتب السفارة بيد انه يحتل مكان الصدارة فى الحكاية ويبدو انه قد لعب الدور الرئيسى اذ كلفه الخليفة خاصة بتركيز الاسلام والمذهب الشافعي المتبع ببغداد آنذاك في بلاد البلغار والاشراف على أعمال الفقيه والمعلم اللذين رافقا السفارة وهو الذى افادنا بتلك الارشادات.
وفي الامكان إدراك نفسيته بارسال أنوار كاشفة على شخصيته الغامضة من خلال النص ويفيدنا هذا النص أن ابن فضلان رجل يمتاز بكبير جد ويبتعد عن المزاح ويكشف عن ورعه وتمسكه بدينه حسب ما يظهر فى أحكامه على الطقوس الغريبة التى شاهدها عند الشعوب المزورة . وهو إذ ينفر منها - تكيفه بعقيدته الاسلامية فيتقزز من العادات المنافية للأخلاق الاسلاميه ككشف العورة والاتصال الجنسي المفضوح عند القبائل والشعوب الأجنبية التى كانت تعيش على الفطرة حياة بدائية . والكاتب أيضا طلعة شغوف بملاحظة كل دقيق وغريب ولا عجب أن يكون كذلك لأنه مكلف بكتابة تقرير مفصل عن الرحلة .
3 ) ظروف السفارة وأعضاء الوفد :
ذكر ابن فضلان ظروف السفارة فى مستهل تقريره فأخبرنا أنها ارسلت نلبية لدعوة صادرة في كتاب من ملك صقالبة حوض الفولفا " المش بن يلطوار " الي امير المؤمنين المقتدر العباسى" يسأله فيه البعثة اليه ممن يفقهه فى الدين ويعرفه شرائع الاسلام ويبنى له مسجدا وينصب له منبرا ليقيم عليه الدعوة له فى بلده وجميع مملكته ويسأله بناء حصن يتحصن فيه من الملوك المخالفين له " ( 1 ) وهم ملوك الخزر اليهود.
وكان الوفد الرسمي يتركب من اربعة افراد هم سوسن الرسي مولى نذير الحرمي وهو رئيس الوفد وابن فضلان الكاتب الذى لعب فيما يظهر دورا رئيسيا فى البعثة كما يبينه قوله " فسلمت اليه ( اى الى ملك البلغار ) الهدايا له ولامرأته ولاولاده واخوته وقواده وادوية كان كتب الى " نذير " بطلبها " ( ص 69 ) وثالث ورابع الاعضاء الاربعة فى الوفد الرسمي هما تكين التركي وبارس الصقلبي . اما دليل البعثة فهو عبد الله ابن باشتو الخزري الرسول الى المقتدر من صاحب الصقالبة .
وانضم الى البعثة فقيه ومعلم وغلمان.
4 ) المسافة والمسالك المتبعة والشعوب المزورة :
يزخر النص بالمعلومات عن المسالك التى اتبعتها السفارة . فقد انطلقت من بغداد يوم الحادي عشر من صفر سنة 309 ه الموافق لليوم الواحد
والعشرين من حزيران سنة 921 م ، واتجهت صوب بخارى فى خوارزم وهي اوزبيكستان الحالية وتوقفت في مراكز عديدة وخاصة فى همذان والرى قرب طهران الحالية وفي نيسابور.
والتقى ابن فضلان فى بخارى بالجيهانى الوزير السامانى والعالم الجغرافى الشهير وكان ذلك اللقاء فى سبتمبر من سنة 921 م.
وسارت السفارة مع نهر جيحون ، فوصلت الى جرجانيا فى خوارزم قرب بحر ارال والقزوين وحلت يقباب قبائل الغز ثم تقدمت نحو الشمال فى اتجاه محلات قبائل البجناك الرحل حتى بلغت حوض الفولقا فنزلت عند قبيلة تسمى البشغرد ثم عبرت الفولفا ووصلت أخيرا الى بلد ملك البلغار فى اليوم الثاني عشر من المحرم سنة 310 ه الموافق للثانى عشر من مايو سنه 922 . بعد أن مضي على انطلاقها من بغداد قرابة أحد عشر شهرا . وفي طول تلك المدة دليل على صعوبة السفر في عصر ابن فضلان ولكن ذلك لم يكن عائقا لخلفاء بني العباس عن ربط الصلات بملوك الأقطار البعيدة.
ويذكر باقوت في معجمه أن ابن فضلان حكى جميع ما رأى اثناء رحلته ذهابا وإيابا غير أننا لم نعثر على القسم الثاني من الرحلة حيث يصف الكاتب رجوعه من بلد البلغار الى بغداد وقصارى ما نعلم هو ان السفارة عادت الى عاصمة العباسيين فى ربيع سنة 923 م .
وقد مرت السفارة ببلاد فارس وبخوارزم وتركمانيا أو تركستان الحالية وكازكستان وناحية من اوزسيكستان وروسيا . وجميع تلك البلدان كانت تسمى يومئذ عند الجغرافيين العرب بلاد ما وراء النهر.
والشعوب التى زارها ابن فضلان فى السفارة الخوارزميون والقبائل الغزية وهم أتراك رحل والبشغرد والصقالبة وهذا الاسم كان يطلقه الرحالون العرب على الشعوب المقيمة فى الشمال الشرقى من اروبا ويطلقونه بخاصة على البلغار القاطنين بحوض الفولفا وعلى الروس.
11 - دراسة الرسالة من ناحية التقرير الرسمى وحكاية الرحلة : 1 ) التقرير :
ما هو اللون الأدبي لهذه الرسالة ؟ إنها دون شك تقرير كلف ابن فضلان المبعوث في سفارة من قبل الخليفة المقدر ووزيره حامد بن العباس بكتابته ليسجل فيه ما يلاحظه أثناء مهمته . وإذا كان الامر على ما ذكرنا فهذه الرسالة تعتبر وثيقة رسمية مفيدة للخليفة العباسي ولادارته المركزية ويتميز هذا التقرير الذى أملته مصلحة الدولة بطريقة العرض وبما تضمنه من ارشادات هامة . فلندرس هذين الجانبين.
أ ) المنهج :
بين الاستاذ بلاشير فى كتابه " الجغرافيون العرب " أن ادب الجغرافيا الوصفية أملته مصلحة الدولة منذ بداية خلافة بني العباس سنة 132 ه /750 م عندما شعر الخلفاء بالحاجة لمراقبة جميع انحاء مملكتهم الواسعة وللاطلاع على الاقاليم المجاورة لها . فأمروا أهل الاختصاص بجمع الأخبار المتنوعة التى تمكن السلطة المركزية من معرفة ما يقع فى المملكة وكانت هذه الاسباب العملية فى أصل ظهور الأدب الجغرافي في صيغة تقارير اتخذت أشكالا مختلفة مع الأيام وطبقا لطباع المهتمين بذلك الأدب.
وهكذا نتبين نوعين رئيسيين متباينين فى الأدب الجغرافى وهما الموسوعات المؤلفة لكتاب الدواوين كما يمثلها قدامة بن جعفر فى " كتاب الخراج" وكتب " المسالك والممالك " كما يمثلها ابن حوقل مؤلف " صورة الارض " .
وتعتبر رسالة ابن فضلان أيضا تقريرا أملته مصلحة الدولة فأشبه ذينك النوعين من المصنفات بعض الشبه . بيد أن ما يميز مؤلفي الموسوعات وكتب المسالك عن ابن فضلان هو أن بعضهم على غراره سافروا الى جل البلدان التى وصفوها في كتبهم وسجلوا في تقاريرهم ملاحظات مباشرة وأحداثا عاشوها بينما اقتصر صنف آخر من الحضريين الذين لم يزوروا الاقاليم الموصوفة مثل البكرى الأندلسي على اغتراف المعلومات من كتب من سبقهم واعتمدوا في مؤلفاتهم تقارير رسمية وروايات الملاحين والمسافرين التجار.
ولم يلتجيء الفريقان الى المزاح خلاف الجاحظ وابن الفقيه فى اعتمادهما طريقة مزج الجد بالهزل فى كتابين يحملان نفس العنوان وهو " عجائب البلدان " . ففي نية الكتاب من الفريقين - وهم يكتبون للخليفة ولادارته المركزية تقارير عن حالة المملكة الاسلامية أو القسم الموصوف من العالم أن يقدموا عملا علميا مفيدا . وكان القصد كذلك فى رسالة ابن فضلان الحريص مثل حوقل على تسجيل الواقع وما شاهده بنفسه ، فهو لا ينقل فى تقريره الأخبار المروية الا قليلا وعندما تفرضها لرغبة فيها التعليمات الرسمية وفى تلك الحالة يحترز المقرر ويتوقف ليتثبت فى صحة الروايات ويسأل عنها الثقات.
فرسالة ابن فضلان هي من هذه الناحية تقرير عام ومؤلف جامع فى وصف رحلة سفارة ومهمة رسمية وإن ما ورد فيها من إرشادات دقيقة مفيدة للادارة المركزية ببغداد يتعلق بمناخ البلدان المعبورة وبالمسافات والمراحل وبالمسالك ووسائل النقل وبالاتجاهات السياسية والدينية السائدة عند الشعوب المزورة وبأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية وبتصوير المجموعات البشرية خلقا وخلقا وبوصف العادات الغريبة ، وفيما يلى عرض لأهمها.
ب ) تحليل التقرير : - المسالك ووسائل النقل :
تحتل المسالك مكانا هاما في التقرير ويصفها ابن فضلان بكامل الدقه مسلكا بعد مسلك طوال المسافة من بغداد الى " اتل " فى حوض الفولفا ولا يهمل ذكر المراحل التى على الطريق والمسافات بينها كما يفعل اصحاب الموسوعات الغرافية المعدة لكتاب الدواوين ومؤلفو كتب المسالك ويظهر فى أسلوبه أحيانا حفاف أسلوب تلك الكتب عند تعداد المراحل فلا تجد اثرا لمشاعره وارتساماته كما فى قوله "وسرنا من بلد هؤلاء ( يعنى الباشغرد) فعبرنا " نهر جرمشان " ثم نهر " اورن " ثم نهر " بايناح " تم نهر " وتيغ " ثم نهر " نياسنه " ثم نهر " جاوشيز " . وبين النهر والنهر - مما ذكرنا_ اليومان والثلاثة والاربعة وأقل من ذلك وأكثر . ( ص 110 ) والانهار المذكورة ههنا هي فروع الضفة اليسرى للفولقا.
غير ان النزعة الغالبة على أسلوبه فى ذكر المسالك والمراحل والمسافات هي القصصية فيكون الوصف حيا دقيقا واضحا ثريا بالمعلومات كما فى العينه التالية : " ورحلنا من الجرجانية يوم الاثنين للليلتين خلتا من ذى القعدة سنة تسع وثلاثمائة فنزلنا رباطا يقال له " زمجان " وهو بباب الترك ، ثم رحلنا من الغد فنزلنا منزلا يقال له " جيت " وجاءنا الثلج حتى مشت الجمال الى ركبها فيه . فأقمنا بهذا المنزل يومين.
ثم أوغلنا في بلد الترك لانلوى على شئ ولا يلقانا أحد فى برية قفر بغير جبل ، فسرنا فيها عشرة أيام ، ولقد لقينا من الضر والجهد والبرد الشديد وتواصل الثلوج الذي كان برد " خوارزم " عنده مثل أيام الصيف ونسينا كل ما مر بنا وأشرفنا على تلف الأنفس ( ص 66 ) .
- وسائل النقل :
ان أهم وسائل النقل التى استعملتها السفارة هى السبل المائية والابل واستعملت قافلة السفارة أيضا الخيل والبغال والحمير والعجل أى العربات. وتجمد الأنهار في بعض المراحل فتعبر القافلة على الجليد كما يبينة النص التالي :
رفأقمنا بالحرجانية أياما وجمد نهر جيحون من أوله الى اخره . وكان سمك الجمد سبعة عشر شبرا ، وكانت الخيل والبغال والحمير والعجل تجتاز عليه كما تجتاز على الطرق ، وهو ثابت لا يتخلخل فأقام على ذلك ثلاثة أشهر " . ( ص 83 ) .
وفي تقرير ابن فضلان عديد من المعلومات عن أنهار الأقاليم الشماليه وعن السبل الصحراوية ، وتضطر قافلة السفارة أحيانا فى مرحلة واحدة الى استعمال الابل والجعفريات التى يسميها ابن فضلان " سفرا من جلود الجمال" كما تبينه الفقرة التالية الدالة على تفاصل السفر والعبور:
" ورحلنا حتى صرنا الى " نهر يعندى" فأخرج الناس سفرهم وهى من جلود الجمال فبسطوها وأخذوا بالأثاث من الجمال التركية لانها مدورة فجعلوها فى جوفها حتى تمتد ثم حشوها بالثياب والمتاع فاذا امتلأت جلس فى كل سفرة جماعة من خمسة وستة وأربعة وأقل وأكثر ، ويأخذون بأيديهم خشب الخدنك فيجعلونه كالمجاديف ولا يزالون يجدفون والماء يحملها حتى نعبر . فأما الدواب والجمال فانه يصاح بها فتعبر سباحة ، ولا بد أن تعبر جماعة من المقاتلة ومعهم السلاح قبل أن يعبر شئ من القافلة ليكونوا طليعة الناس خفية من " الباشغرد " أن يكبسوا وهم يعبرون " . ( ص 105-104 ).
- الجغرافيا الطبيعية :
ويزخر التقرير بشهادات لابن فضلان تعتبر من معطيات الجغرافيا الطبيعية . ومن المفيد ان نلاحظ ان هذا المسافر الذى لم يألف قساوة مناخ البلدان الباردة وشدة قر الشتاء فى بلاد الصقالبة وفى أوطان الأتراك الغزية والبجناك والبشغرد قد سجل فى تقريره ملاحظات دقيقة عن الأخطار التى يواجهها رجل قادم من إقليم حار ومتوغل فى شمال شرقي أروبا وفى البلدان الاسيوية فى فصل الشتاء . ولا أدل على ذلك من الوصف التالي لمناخ خوارزم : " فأقمنا بالجرجانية أياما . . فرأينا بلدا ما ظننا الا ان بابا من الزمهرير قد فتح عليا منه ولا يسقط فيه الثلج الا ومعه ريح عاصف شديدة " . ( ص 83 ) .
وإن مشهدا لنهر متجمد هو نهر جيحون ليلفت نظر ابن فضلان إذ لم يعهده من قبل فيطيل وصفه ( ص 83 ) . ومثل هذا المناخ يستوجب اتقاء البرد بالنار ومن حسن حظ الناس كما يلاحظ ابن فضلان - " أن الله تعالى قد لطف بهم فى الحطب وأرخصه عليهم " ) ص( 83 ) وتلزم فى تلك الأقاليم الباردة ثياب سفر خاصة تضمن الدفء لمجابهة البرد بدرجاته النازلة تحت الصفر ويقوم ابن فضلان بتعداد تلك الثياب بكامل الدقة فى قوله : " كان كل رجل منا عليه قرطق وفوقه خفتان وفوقه بوستيز وفوقه لبادة وبرنس لا تبدو منه الا عيناه وسراويل طاق وآخر مبطن وران وخف كيمخت وفوق الخف خف آخر ، فكان الواحد منا اذا ركب الجمل لم يقدر أن يتحرك لما عليه من الثياب ". ( ص 87-86 ) .
وكما أن لثياب السفر أهمية كبرى فى تلك الأقاليم فى الشتاء كذلك للزاد أهمية بالغة نظرا لقساوة الطقس وامتداد مدة السفر ، وها هو ابن فضلان يفيدك بذلك في معرض حديثه عن ظروف احدى المراحل : " وتزودنا الخبز والجاورس والنمكسوذ ( وهو لحم مجفف مالح ) لثلاثة أشهر " ( ص 86 ).
وما أكثر ما يتبين القارىء الفطن فى المعطيات الجغرافية الوصفية الواردة فى هذا التقرير غاية انتفاعية . فالجهة الملاصقة لصحراء قشمهان مثلا هي من الأهمية بمكان لانها مدخل القفر وفيها تتزود القافلة وتحط الرحال للراحة ولذلك يذكر ابن فضلان مراحلها بدقة كما يلى : " ثم رحلنا الى " سرخس" ثم " مرو " ثم منها الى " قشمهان " وهي طرف مفازة " امل " فاقمنا بها ثلاثة أيام نريح الجمال لدخول المفازة " ( ص 75 )
والمدن الاسلامية التى تمر بها السفارة لم توصف فى التقرير ولا يستغرب ذلك من بغداد عرف تلك المدن أو سمع عنها الكثير ؟ ولكن عاصمه مملكة الخزر المتهودين على حوض الفلا تستحق فى نظر ابن فضلان بصفته مسلما من القرون الوسطى تعريفا ، فيصفها فى هذه العينة : " ولملك الخزر مدينة بعظيمة على نهر " إتل " وهو جانبان ، فى أحد الجانبين المسلمون وفي الجانب الآخر الملك واصحابه . وعلى المسلمين رجل من غلمان الملك يقال له خز وهو مسلم . وأحكام المسلمين المقيمين فى بلد الخزر والمختلفين اليهم فى التجارات مردودة الى ذلك الغلام المسلم لا ينظر فى أمورهم ولا يقضى بينهم غيره ." ( ص 172 )
يبين أيضا أن مجارى المياه فى تلك الأقاليم المزورة سبل جيدة للمواصلات .
الإقتصاد :
يظهر ابن فضلان اهتماما بالأوضاع الاقتصادية فى البلدان التى زارها اذ يسحل في تقريره معلومات ذات اهمية كبيرة للادارة العباسية المركزية فيما يخص التجارة والصناعة التقليدية عند البلغار والخزر والروس . فلم يكن التجار وحدهم يختلفون على بلاد البلغار حسب ما ورد فى التقرير بل كان اصحاب الحرف يؤمونها ايضا قادمين من آسيا الشمالية ، ففي بلاط ملك البلغار كان يعيش مثلا - خياط بغدادى - لم يبخل عن مد ابن فضلان بارشادات عن البلاد ولعله كان عين الخليفة العباسى هناك : ويفيدنا الكاتب أن الجلود الصادرة من البلغار كانت نافقة مطلوبة لشهرتها ( ص 128 ) وان الحنطة والشعير كثير وكذلك التفاح والبندق( ص 129-128 ) وأن البلغار
يقيمون مقام الزيت والشيرح دهن السمك ( ص 130-129 ) وأن عسلهم وخشبهم كثير ( ص 134 )
التجارة :
كانت التجارة فى حوض الفولفا بايدى الخزر والروس وكانت تجارة الرقيق بصفة خاصة نافقة يتعاطاها الروس وفي " البلغار تجار كثيرون يخرجون الى أرض الترك فيجلبون الغنم والى بلد يقال له " ويسو " فيجلبون السمور والثعلب والأسود . " ( ص 134 ) أما الخزر فقد امتدت مملكتهم وازدهرت فى القرن الرابع الهجرى . ويشير أمير خوازرم الى تجارة الحديد فى بلاد الخزر وروسيا . وفي الرسالة معلومات طريفة عن النقود المستعملة فى الاقطار التى زارها كما فى قوله : " ورأيت الدراهم ببخارى ألوانا شتى منها دراهم يقال لها الغطريفية وهي نحاس وشبه وصفر يؤخذ منها عدد بلا وزن مائة منها بدرهم فضة ... ولهم دراهم آخر صفر . . . اربعون منها بدانق . ولهم أيضا دراهم صفر يقال لها السمرقندية ستة منها بدانق " . ( ص 79 )، وعن دراهم خوارزم يقول : " ورأيت دراهم خوارزم مزيفة ورصاصا وزيوفا وصفرا ويسمون الدراهم " طازجة " ووزنه أربعة دوانيق ونصف ". ( ص 82 )
علم الأجناس " والعادات :
ويحتوى التقرير من جهة اخرى على مادة إتنوقرافية ( من علم الأجناس ) ذات أهمية كبيرة وهى ثرية متنوعة متعلقة بعديد من القبائل التركية الرحل التى تعيش فى آسيا الوسطى وبشعوب كانت تلعب زمنئذ دورا حاسما فى تاريخ أوربا الشرقية مثل البلغار والروس والخرز . تاريخ أروبا الشرقية مثل البلغار والروس والخزر
ويعتبر ابن فضلان عالما من علماء الأجناس قبل ظهور ذلك العلم وتمتاز ملاحظاته للبشر بالدقة والانتقاء وفي لوحاته النثرية رسم لنماذج بشرية منها صورة للرحل التركي في خلقه وخلقه ، وهو " دميم الخلقة رث الهيئة قمي المنظر خسيس المخبر . " ( ص 98 ) ومنها صورة للبجناك وهم " سمر شديدو السمرة محلقو للحى فقراء خلاف الغزية . " ( ص 106 ) ومنها صورة للروس وقد شهد ابن فضلان على أنه لم ير " أتم أبدانا منهم كأنهم النخل شقر حمر لا يلبسون القراطق ولا الخفاتين ولكن يلبس الرجل منهم كساء يشتمل به على أحد شقيه ويخرج إحدى يديه منه ومع كل واحد منهم فأس وسف وسكين لا يفارقه جميع ما ذكرنا وسيوفهم صفائح مشطبة أفرنجية . ومن حد ظفر الواحد منهم الى عنقه مخضر شجر وصور وغير
ذلك Tatouage ( ص 150-149 ) ومنها صورة الخوارزميين وهم عند ابن فضلان " أوحش الناس كلاما وطبعا ، كلامهم أشبه شئ بصياح الزرازير ." ( ص 82 ) والكردالية " كلامهم أشبه شئ بنقيق الضفادع وهم يتبرؤون من امير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه فى دبر كل صلاة . " ( ص 82) والباشغرد " شر الأتراك وأقذرهم وأشدهم إقبالا على القتل. . . وهم يحلقون لحاهم ويأكلون القمل . . . "
وتشهد هذه المعلومات على عادات وأخلاق الشعوب التركية والصقلبية وعلى وضعها الحضاري المتخلف عن حضارة العراق زمنئذ وقد بلغت حضارته أوجها فى القرن الرابع الهجرى . وتكشف تلك المعلومات أيضا عن ضعيف أثر الحضارة العربية الاسلامية زمنئذ فى الأقاليم المزارة البعيدة عن عاصمة العباسين قبيل وزمن زيارة السفارة لتلك الاقطار ؟
اللغات :
ويكتشف الباحث في تقرير ابن فضلان معلومات كثيرة عن لغات الشعوب التى زارها وفي النماذج السابقة إشارات مفيدة الى بعضها.
المساكن :
ولا تعدم إرشادات ابن فضلان الخاصة بمساكن الأجناس البشرية التى عرفها أثناء رحلته فائدة . فالأتراك كان جلهم رحلا يعيشون فى القباب ( ص 85 ) وكذلك البلغار فانهم شابهوا الترك فى بيوتهم لأنهم شبه رحل لم يشيدوا البنيان ولم يسكنوا المدن فى القرن الرابع " وكلهم فى قباب الا أن قبة الملك كبيرة جدا تسع ألف نفس وأكثر مفروشة بالفرش الأرمنى وله في وسطها سرير مغشى بالدجاج الرومى . " ( ص 130 )
أما الروس فانهم " يجيئون بن بلدهم فيرسون سفنهم باتل وهو نهر كبير ويبنون على شطه بيوتا كبارا من خشب ويجتمع على البيت الواحد العشرة والعشرون والأقل والأكثر . ولكل واحد سرير يجلس عليه ومعه الجوارى . . . " ( ص 151 )
وأما الخزر_ وهم أرقي في التمدن من البلغار والروس زمنئذ - فانهم شيدوا بيوتهم من حجر وبنوا مدينة عظيمة اتخذوها عاصمة مملكتهم على نهر إتل اى على الفولفا . ( ص 172 )
القذارة :
وثمت ظاهرة أخرى من عادات الشعوب التركية والصقلبية صدمت حساسية بن فضلان الدينية فلاحظها بكل حذق ودقة فى غير ما موضع من تقريره وهي القذارة . فالأتراك الغزية " لا يستنجون من غائط ولا بول ولا يغتسلون من جنابة ولا غير ذلك . وليس بينهم وبين الماء عمل خاصة فى الشتاء ." ( ص 92 ) ، والباشغرد " شر الأتراك وأقذرهم . . . يأكلون القمل يتتبع الواحد منهم درز قرطقة فيقرض القمل باسنانه " . ( ص 108-107 ) وعاين ابن فضلان غلاما من الأتراك الغزية كان مع القافلة يخدم وفد السفارة قد وجد قملة فى ثوبه فقعصها بظفره ثم لحسها وقال لما رآه " جيد " ( ص 108 )
وأما الروس فقد كانوا أكثر قذارة من تلك الأجناس ولا أدل على ذلك من شهادة ابن فضلان عليهم فى قوله : " هم أقذر خلق الله لا يستنجون مر غائط ولا بول ولا يغتسلون من جنابة ولا يغسلون أيديهم من الطعام بل هم كالحمير الضالة . . . " ( ص 151 ) وقال عنهم فى فقرة أخرى : " ولا بدلهم فى كل يوم من غسل وجوههم ورؤوسهم باقذر ماء يكون وأطفسه وذلك ان الجارية توا فى كل يوم بالغداة ومعها قصعة كبيرة فيها ماء فتدفعها الى مولاها فيغسل فيها يديه ووجهه وشعر رأسه فيغسله ويسرحه بالمشط فى القصعة ثم يمتخط ويبصق فيها ولا يدع شيئا من القذر الا فعله فى ذلك الماء . فاذا فرغ مما يحتاج اليه حملت الجارية القصعة الى الذى الى جانبه ففعل مثل فعل صاحبه ولا تزال ترفعها من واحد الى واحد حتى تديرها على جميع من في البيت وكل واحد منهم يمتخط ويبصق فيها ويغسل وجهه وشعره فيها ٠ " ( 152 )
الضيافة واللصوصية :
لاحظ ابن فضلان كرم بعض الشعوب التي بها كما لاحظ صعلكة بعض القبائل فى أقاليم بعيدة عن عاصمة الاسلام كان عديد من طرقها غير امن ومن غريب الأمور جمع الأتراك الغزية بين الكرم والسلب . ( ص 72-70 )
العقاب على السرقة :
يعاقب على السرقة بالقتل عند البلغار ف " يقتلون السارق كما يقتلون الزانى . " (ص 134 )
العراء والزنا واللواط :
والعراء ظاهرة اخرى من العادات التى تثير اهتمام ابن فضلان بصفته مسلما
من مسلم القرون الوسطى ، فيرفضه ويعبر عن تضايقة منه سيما اذا كان يعاين امرأة غزية لا تستر شيئا من بدنها عن أحد من الناس ، فانظر كيف الكاتب عن حياته الاسلامي في حكاية ما جرى يوما بمحضره : " لقد نزلنا على رجل منهم فجلسنا وامرأة الرجل معنا فبينا هى تحدثنا اد كشفت فرجها وحكته ونحن ننظر اليها فسترنا وجوهنا وقلنا " أستغفر الله " وضحك زوجها قال للترجمان قل لهم تكشفه بحضرتهم فترونه وتصونة فلا يوصل اليه هو خير من أن تغطيه وتمكن منه . " (ص 92 )
ولا يتجح ابن فضلان الفقيه المبشر فى تعليم البلغار الحياء وفي حملهم بها ستر عوراتهم اذ يستحم نساؤهم ورجالهم عراة : فاقرا اعترافه : " ومازلت اجتهد أن يستتر النساء من الرجال فى السباحة فما استوى لى ذلك ." ص(134 ) لكن الأتراك الغزية والبلغار يتجنبون الزنا " ويقتلون السارق كما يقتلون الزاني " و " لبس يعرفون الزنا ومن ظهروا منه على شئ من له شقوه بنصفين . وذلك أنهم يجمعون بين أغصان شجرتين ثم يشدونه والأغصان ويرسلون الشجرتين فيشنق الذى شد إليها " . ( ص 93 ) .
وليس الأمر كذلك عند الروس لأن تجارهم لا يتحرجون من جماع الجوارى رفاق ينظرون اليهم ، " فينكح الواحد جاريته ورفيقه ينظر اليه . وربما اجتمعت الجماعة منهم على هذه الحال بعضهم بحذاء بعض وربما يدخل التاجر عليهم ليشترى من بعضهم جارية فيصادفه ينكحها فلا يزول عنها حتى يقضى أربه . " ( ص 151 )
وبصفته فقيها مكلفا ينشر الاسلام وتبليغ تعاليمه السماويه وأخلاقه السمحة لتلك الشعوب التركية والصقلية فان ابن فضلان يتقزز من عاداتها البدائية المتهورة وينفر من العراء المفضوح ويستغفر الله ويجتهد أن يتعلم النساء التستر من الرجال والقوم بعامة الحياء وتجنب الفحشاء.
ويلفت نظره ميل الخوارزميين الى اللواط فلا يفوته ملاحظة ذلك فى تقريره فيقول " وأمر اللواط عندهم عظيم جدا. . . ومن لاط قتل . " ( ص 96 )
الزواج :
يحتل موضوع الزواج مكانا هاما في التقرير وكذلك النظام الاجتماعى ، اليك مثلا من عادات الزواج عند الأتراك الغزية : " ورسوم تزويجهم وهم ان يخطب الواحد منهم الى الآخر بعض حرمه اما ابنته أو أخته أو بعض من
يملك أمره على كذا وكذا ثوب خوارزمي فاذا وافقه حملها اليه وربما كان حمالا أو دوابا أو غير ذلك . وليس يصل الواحد الى امرأته حتى يوفى الصداق الذي وافق وليها عليه فاذا وفاه اياه جاء غير محتشم حتى يدخل الى المنزل الذي هو فيه فيأخذها بحضرة أبيها وأمها واخوتها فلا يمنعون من ذلك .
واذا مات الرجل وله زوجة وأولاد تزوج الأكبر من ولده بامرأته اذا لم تكن أمه . ( ص 93 )
وانك لتجد تفاصيل أخرى مفيدة عن الحياة الزوجية لملك الخزر فى الفقرة التالية : " ورسم ملك الخزر أن يكون له خمس وعشرون امرأة كل امرأة منهن ابنة ملك من الملوك الذين يحاذونه يأخذها طوعا أو كرها وله من الجوارى السرارى لفراشه ستون ما منهن الا فائقة الجمال وكل واحدة من الحرائر والسرارى فى قصر مفرد لها قبة مغشاة بالساج وحول كل قبة مضرب ولكل واحدة منهن خادم يحجبها فاذا أراد أن يطأ بعضهن بعث الى الخادم الذي يححبها فيوافى بها في أسرع من لمح البصر حتى يجعلها فى فراشه . ويقف الخادم على باب قبة الملك فاذا وطئها أخذ بيدها وانصرف ولم يتركها بعد ذلك لحظة واحدة . " ( ص 171 )
علاج المرضى :
لما كانت الادوية قليلة أو غير موجودة البتة فى تلك الاقاليم النائية عصرئذ كان المرضى يتركون بلا علاج يواجهون عللهم وأجلهم وكانوا يعزلون فى قباب عند الأتراك الغزية والباشغرد والبلغار فلا يقربهم الأصحاء ولا يزورونهم حتى يصحوا أو يموتوا . فعن البلغار ذكر ابن فضلان أن الرجل منهم " إذا مرض وكان له جوار وعبيد خدموه ولم يقربه أحد من أهل بيته ويضربون له خيمة ناحية من البيوت فلا يزال فيها الى أن يموت أو يبرأ وان كان عبدا أو فقيرا رموا به فى الصحراء وارتحلوا عنه " ( ص 99 ) .
وعن معاملة الروس لمرضاهم ذكر الكاتب أن الواحد منهم اذا مرض " ضربوا له خيمة عنهم وطرحوه فيها وجعلوا معه شيئا من الخبز والماء ولا يقربونه ولا يكلمونه بل لا يتعاهدونه فى كل ايام مرضه لا سيما ان كان ضعيفا أو مملوكا فان برىء وقام رجع اليهم وان مات أحرقوه . فان كان مملوكا تركوه على حاله تأكله الكلاب وجوارح الطير . " ( ص 154 ) ( يتبع )

