كنت أجبتك - ارشدك الله - عن سؤالك حول موضوع الدوبيت فافضيت اليك بحقيقته ووجه الرأى فيه . وها أنا أجيبك اليوم عن سؤالك حول موضوع الخرم والخزم فى الشعر العربى وما تعريفهما وكيف تفسيرهما وأى مذهب من التعسف والمجازفة يذهب الباحثون والعروضيون فى فهمهما والفول بوجودهما .
1 . الخرم :
الخرم فى اللغة من قولهم : " ما خرمت منه شيئا " اى ما نقصت منه شيئا ، فهو يحمل معنى النقص . وفي اصطلاح العروضيين وكما يعرفه ابن رشيق هو : " ذهاب أول حركة من وتد الجزء الاول من البيت . وأكثر ما يقع ذلك فى البيت الاول " وهو كالذى فى هذا البيت لهدبة بن خشرم :
إنى من قضاعة من يكدها أكده وهى مني فى أمان (1)
وهو من الوافر والتفعيلة الاولى ( إنى من ) ( فاعلتن ) بسكون اللام وأسقط المقطع الاول ( م ) من ( مفاعلتن ) .
ذلك الخرم كما يفهمه العروضيون ، وهو فهم خاطئ لان قولهم " ذهاب " كما يقول ابن رشيق وقولهم : " سقوط " كما يقول ابن عبد ربه يدل على استخفافهم بشأن الكميات الايقاعية وجهلهم بمفهومها . وهى نظرة بدائية
بعيدة كل البعد عن الاصالة العلمية والمعرفة الفنية الفعلية والعملية بأمور الايقاع لأن الايقاع كميات ثابتة لا تنقص ولا تزيد . ولا تنقص الا فى إطار الاسكات وهو ما ثبت واستقر فى مواطنه المعروفة وباجماع الشعراء كلهم عليه .
وأما قولهم : " أول حركة من وتد الجزء الاول من البيت " والجزء هو التفعيلة ففيه تمويه ومغالطة لانهم بذلك يبرزون الامر وكأنه قضية فنية فى ميزان الشعر العربى لها صلة بالاوتاد والتفاعيل وبأصل الايقاع ومن صنع الشعراء انفسهم
والخرم كما أفهمه أنا مشكلة لا يد للشعراء فيها وانما اختلقها العروضيون وافتعلوها افتعالا لا عن نية الاساءة الى الشعر وأوزانه ولكن عن تضاؤل منهم وقصر باع وتورط فى أمور تمتنع عليهم لدقتها وتجل عن ادراكهم . ولو دعيت الى تعريف الخرم لقلت : " هو حذف حرف العطف الواقع فى بداية البيت الاول - لا أقصد المطلع - من قطعة مقتطفة من قصيدة بغية الاستشهاد بها أو قصد ادراجها فى تصنيف ككتاب الاغانى أو ديوان الحماسة أو ما أشبه ذلك لعزلها عما يسبقها من الكلام بحذف حرف العطف الذى يربطها بما قبلها جريا على سنة كانت دارجة عند القدماء " .
وقلت : " حذف حرف العطف " . ولم أقل : " حركة من وتد " للاشعار بأن المسألة لا تتصل بالميزان فى جوهره وأصل تركيبه ولا بالشعر عند تآليفه ولا بالشاعر عند نظمه وأنه لا يزيد على أنه تصرف حادث بعد ذلك على يد الرواة والمصنفين والنساخ . واحترست فى قولى : " لا اقصد المطلع " ، وهى جزئية هامة اذا كان المقطع المحذوف حرف عطف . ولو كان الباحثون والعروضيون على شىء لتساءلوا عن سبب ذلك ؛ ولو فعلوا لتوصلوا بيسير جهد يبذلونه الى معرفة الحقيقة وهى قريبة ميسورة المنال .
ذلك كل ما يقع فيه الخرم أو جله ؛ فيكون أصل البيت كما جرى على لسان الشاعر :
وإني من قضاعة من يكدها أكده وهى مني فى أمان
بواو الاستئناف . وتكون التفعيلة الاولى ( وإنى من : مفاعلتن ) .
وأما ما عدا ذلك فهو من تحريف الرواة والمصنفين والنساخ وقصور الكتابة عن أداء وظيفتها فى عصور كانت فيها وليدة تتعثر فى خطاها . وذلك كالذى فى هذا البيت الاول لكثير :
الحق إن دار الرباب تباعدت أو انبت حبل ان قلبك طائر
زع النفس واستبق الحياء فانما تباعد أو تدني الرباب المقادر
وهبها كشئ لم يكن أو كنازح به الدار أو من غيبته المقابر(2)
كذلك ورد البيت الاول فى الاغانى بالهمزة القطعية فى ( الحق ) وبان الشرطية على إثرها .
وإذا قبلنا بهذا الشطر على ما هو عليه لم يكن ذلك ممكنا الا على أساس الخرم فى الجزء الاول من الطويل ( عولن ) ( ألحق ) بسكون القاف بدلا من فعولن . ولا يخفى ما فى ذلك من التعسف على الشعر إيقاعا ومعنى . وأن الصواب الذى جرى على لسان الشاعر هو أن يقول : ( أ ألحق ) ( فعولن ) بهمزتين مخففة ثانيتهما مدغمة فى الاولى التى للاستفهام ( أ ال ) ( فعو ) . وأن المسؤول عن هذا هو سوء سماع الراوى أو سوء نطقه أو سوء رسم الناسخ . وذلك ومثله هو الذى جعل العروضيين يقولون بوجود الخرم .
ولو مرضنا أن خرما يكون فانه لا ينبغى أن يكون فى هذا الصدر بالذات لانه يحوله الى شطر من الكامل يدس ضمن قصيد كله من الطويل ؛ وهو ما لا يكون اطلاقا الا فى مثل هذه الحالات . انظر ما طرأ على ذلك الشطر من الاختلال بذلك التهاون البسيط . وليس الايقاع وحده ما لحقه الضيم بذلك التحريف بل وحتى المعنى اذ ليس الخبر كالانشاء . ويزداد المعنى اختلالا بكسر همزة ( إن ) الواردة بعد ( أ الحق ) والتى رسمت فى كتاب الاغانى على أنها الشرطية وما هى بتلك ولكنها المؤولة بالمصدر مخففة على أن يكون المؤول مجرورا بلام التعليل محذوفة أو بالاضافة الى ( من أجل ) محذوفة أيضا وهو ما يستقيم به المعنى . فيكون معنى البيت : ( أصحيح أن قلبك قد طار إشفاقا وفزعا لبين الرباب وانصرام حبلها ؟ ) بمعنى الانكار والتعجب نهوينا للخطب وتحقيرا لشأنه وأنه ليس فى الامر ما يدعو الى هذا الجزع كله . وهو ما تؤيده بقية الكلام .
وكقول ابن الدمينة تركيبا ومعنى :
أأن هتفت ورقاء فى رونق الضحى على فنن غض النبات من الرند
بكبت كما يبكي الوليد ولم تكن جليدا وأبديت الذى لم تكن تبدي ! (3)
والمعنى : ( ألأن حمامة هتفت تبكي بكاء الوليد الذى أعياه مطلوبه ! ويبلغ منك الضعف والجزع درجة لا تقوى معها على امتلاك مشاعرك ! ) والاستفهام دائما للتعجب والانكار تهوينا للخطب .
وكقول الاسود بن عبد يغوث
أتبكي أن يضل لها بعير ويمنعها من النوم السهود !
فلا تبكي على بكر ولكن على بدر تقاصرت الجدود
ألا قد ساد بعدهم رجال ولولا يوم بدر لم يسودوا (4)
والمعنى : ( أمن أجل بعير أضلته تبكي ويحالفها السهاد ! وهل فى ذلك ما يدعو الى استنزاف الدموع ؟ ألا من كان باكيا فليبك قتلى بدر . أولائك نكبهم الحظ وعضهم الدهر وكان رزؤهم كبيرا ) .
هذا ، وليس للخرم فى نفسه - إن قال به قائل - عظيم خطر ، ولكن الخطر كل الخطر أن يحتج به أصحاب النظريات الواهية ليوطنوا لنظريات مهترئة لا سند لها الا ما يتوشحون به من الالقاب ولا حجة لها الا ما لهم من الهوية والانتساب وذلك كستانيسلاس فويار Guyard ؛ وقد فعل أو كالذى قد يحتج به كمال أبوديب من قول امرئ القيس :
شحت دموعى فى الرداء كأنها كلى من شعيب بين سح وتهتان
كذلك بالشين فى ( شحت ) والصواب ( سحت ) ليستقيم المعنى . والخرم فى صدر البيت يحوله من الطويل الى الكامل وهو ما يوافق هوى الدكتور اذ يزور به حجة أخرى يضمها الى حججه السابقة التى لفقها من ألف خرقة وخرقة للقدح فى النظرية الكمية والتمهيد لنظريته فى النبر . ذلك أنه لم يقتصر
لتحقيق غايته وبلوغ هدفه على الخرم وحده بل راح يتسقط الابيات المشوشة المشوهة وكل شاذ لا يعرف مأتاه .
وأما قوله : إن أذن المتلقى قد قبلت ذلك التشويش ولم تنفر منه فمن يضمن له ان الكتابة قد اضطعت بتجسيم الدقائق الايقاعية كما وردت على أذن المتلقى وهى إنما وضعت لتدوين النثر ؟ وتلك هى النقطة التى لم يتفطن الدكتور الى خطورتها . ولذلك أحيله على رسالة المقروء والمنطوق (5) فليرجع اليها ليعلم وهن السند الذى اعتمد عليه .
ولئن كنت اشترطت فى صاحب البحث أن يكون ممن مارس الشعر فلأن ذلك ما يمنحه القدرة على التمييز بين ما يكون فى الشعر وما لا يكون ، وبين ما يمكن لمثله أن يجري على لسان شاعر وما لا يمكن أن تجري بمثله من الاغاليط والاوهام الا أقلام المدونين والمصنفين والنساخ . فيقوم له ذلك مقام الغربال الذى ييسر له عملية الاحصاء ويدقق له عمية التصنيف ويضمن له ان لا تختلط الحقيقة عنده بالزيف ولا يزن الفاسد الردئ بميزان الجيد الرفيع .
11 . الخزم
والخزم فى اللغة من قولهم : " خزم البعير " أى جعل فى جانب منخره الخزام وهو حلقة يشد فيها الزمام . فهو على عكس الخرم يحمل معنى الزيادة . وفى اصطلاح العروضين ، هو زيادة حرف أو أكثر فى صدر الشطر الاول من البيت الشعرى وينعت بأنه علة غير لازمة . وهو كالذى فى مطلع دالية النابغة المشهورة :
أمن آل مية رائح أو مغتد عجلان ذا زاد وغير مزود
والخزم فيه يتمثل فى زيادة الهمزة ( أ ) فى أول البيت الذى ينبغى أن يكون إيقاعيا كالآتى :
من آل مية رائح أو مغتد عجلان ذا زاد وغير مزود
فهو من الكامل والدورة الاولى منه ( من آل مي ) تطابق فى الوزن ( متفاعلن ) بسكون التاء . واذذاك تكون الهمزة فائضة عن حجم الدورة وبالتالى فائضة عن حجم البيت .
ذلك الخزم كما هو فى فهم العروضيين . وجدير بالملاحظة أنه فهم خاطئ اذ لا وجود للخزم فى الشعر ولا وجود له الا فى أذهان العروضيين الذين تكسرت معاولهم على صخرة الايقاع فتشاغلوا بأمور افتعلوها افتعالا فهى من محض ابتداعهم ؛ ومن ذلك مسألة الخزم هذه . وهم لم يفتعلوها بنية الاساءة الى المعرفة ولكن عن تقاصر منهم عن منال شئ لو دققوا فيه النظر لكان يسير المنال .
والخزم فى حد ذاته - كالخرم - لا خطر له إن قال به قائل ولكن الخطر أن يحتج به الباحثون احتجاجهم بالخرم توطئة لنظريات مهترئة ما كان لمثلها أن يقوم لولا استنادها الى مثل هذه الاغاليط والاوهام . ومن ذلك نظرية كمال أبو ديب التى ينكر فيها أساس الكمية فى إيقاع الشعر العربى . وما كان ذلك ليتماسك له أو يقوم لولا وجود ظواهر غريبة وشاذة فى الشعر العربى منها ظاهرة الخزم . لانه اذا صح أن :
( من آل مي ) = ( أمن آل مي )
إيفاعيا فان ذلك مما يبطل دور الكم فى إيقاع الشعر العربى لأن :
صورة
كميا . ويحتج كمال أبو ديب على ذلك بقوله : " يتأكد اذن أن النبر هو الفاعلية التى تعطى الكتلة الوزنية طبيعتها الايقاعية وتحدد وحداتها المكونة ، ويبدو من الطبيعى القول . . . إن النبر فاعلية تتجاوز التشكيل الكمي للكتلة الوزنية وأن الكم يمكن أن يهمل لكن النبر لا يمكن أن يهمل . وستظهر هذه الدراسة أن هذا المبدأ هو المفسر الاكثر معقولية لظواهر فى العروض العربى يستحيل فهمها دون تطبيقه " (6) . وقد أصدر هذا الحكم فى مساق الحديث عن الخزم وعن بيت النابغة بالذات .
فاذا كان الامر كذلك فلا بد من سد الطريق فى وجهه بنفي الخزم وإبطال القول به فى الشعر العربى . ومن الشيق ان كمال أبو ديب قد اهتدى الى تفسير هذه الظاهرة فى بيت النابغة ؛ وهو ما ورد فى ( صفحة 258 ) ، ولكنه لم يعطه كبير وزن لانه لا يخدم نظريته فى إبطال دور الكم ؛ بل مر عليه بسرعة كالمتردد وغير الواثق اذ يعبر عن رغبته فى استفتاء القراء العرب فى شأنه . وينسى أن الاستفتاء لا يكون فى ما ثبت واستقر وأن الفتوى لا تكون فى ما نصه صريح .
والتفسير الوحيد لبيت النابغة هو أنه قرئ بتحريك النون فى ( أمن ال مي ) بالفتح وإدغام الهمزة فيها مخففة ( أمنال مي ) ( متفاعلن ) واهو ما يحقق التعادل الكمي الزمني بين عامة الدورات الايقاعية فى البيت المذكور :
صورة
وهو ما يدخل فى باب تخفيف الهمزة من الضرورات الشعرية وهو مبدأ ثابت لا يحتاج فيه الى استفتاء لانه لا يفتى ومالك فى المدينة . والمدينة فى المقام الذى نحن فيه هى ديوان الشعر العربى . ومالك هو عامة الشعراء الذين أقروا هذا المبدأ وتمسكوا به وهم كثيرون لا يدخل عددهم تحت الحصر . وإذن ما شأننا وشأن القراء فى استفتائهم فى هذا الموضوع ؟ ومن ذلك قول الشاعر :
يقول العدا - لا بارك الله فى العدا - قد اقصر عن ليلى ورثت حبائله (7)
وتقرأ ( قد قصر ) بفتح الدال وادغام الهمزة فيها ليستقيم الوزن . ومنه أيضا قول الشاعر :
فقالت : وما همت رجع جوابنا بل انت أبيت الدهر إلا تضرعا
فقلت لها : ما كنت أول ذى هوى تحمل حملا فادحا فتوجعا (8)
وتقرأ ( بلئت ) بتحريك اللام بالفتح وادغام الهمزة فيها ليستقيم الوزن . وقول الشاعر :
تبعت الهوى يا طيب حتى كأننى من اجلك مضروس الجرير قؤود (9)
وتقرأ ( منجلك ) بتحريك النون بالفتح وادغام الهمزة فيها ليستقيم الوزن . ومنه قول جميل :
اذا فكرت قالت : قد أدركت حبه وما ضرنى بخلي فكيف أجود ؟
وتقرأ ( قددركت ) بتحريك الدال وادغام الهمزة فيها ليستقيم الوزن وكقول أرطاة بن سمية المري :
هل انت ابن ليلى إن نظرتك رائح مع الركب أو غاد غداة غد معي ؟ (10)
وتقرأ ( هلنت ) بتحريك اللام وادغام الهمزة فيها ليستقيم الوزن . وكقول الشاعر :
من اجل أبى بكر جلت عن بلادها أمية والايام ذات تصارف (11)
وتقرأ ( منجل ) بتحريك النون بالفتح وادغام الهمزة فيها ليستقيم الوزن . وكقول المجنون :
أأقطع حبل الوصل فالموت دونه أم اشرب رنقا منكم ليس يشرب
أم اهرب حتى لا أرى لى مجاورا أم اصنع ماذا ؟ أم أبوح فأغلب (12)
وتقرأ ( أمشرب ) و ( أمهرب ) و ( أمصنع ) ليستقيم الوزن و ( أم أبوح ) بالهمزة القطعية إذ يستقيم الوزن لذلك بلا تخفيف .
ذلك وغيره كثير كثير مبثوث فى بطون الدواوين وهو يجرى كل مجرى ( لون ) فى ( لو أن ) كما فى قول أبى الطيب المتنبى :
ولو ان الحياة تبقى لحي لعددنا أضلنا الشجعانا
هذا ولعل خير شاهد يدلى هنا هو فول النميرى
أنا ابن الرابعين من ال عمرو وفرسان المنابر من جناب (13)
وتقرأ ( منال عمرو ) بالضبط كالذى فى قول النابغة . فاذا كان الامر كذلك فاننا نكون ازاء حقيقة ثابتة فى الشعر العربى راسخة رسوخ الجبال لا يصلح مثلها أن يكون موضع استفتاء . فاذا كان الامر كذلك وكان بيت النابغة أمثل الشواهد عند العروضيين على الخزم ، فلن يكون الخزم اذن الا وهما عشش فى عقولهم دهورا خصوصا اذا تذكرنا أن عدد الشواهد كلها لا يبلغ عدد الاصابع وأنها لم تستق فى مجملها من اصفى الموارد كالمعلقات أو المفضليات أو الهاشميات أو النقائض أو الخمريات أو الزهديات أو السيفيات أو الروميات أو ما أشبه ذلك فلا مرد لها الا الى تهاون المصنفين والنساخ وقلة انتباههم كالذى فى قول الخنساء :
قذى بعينك أم بالعين عوار أم ذرفت اذ خلت من أهلها الدار ؟
الذى قد يثبتون همزة الاستفهام فى أوله ( أقذى ) ولا يفعل ذلك الا غريب عن الشعر أجنبى عنه اذ تفوته ثلاثة أشياء فى منتهى البساطة : - أولها : أنه يجوز نحويا حذف همزة الاستفهام لوجود قرينة تدل عليها وهى ( أم ) . - والثانى : أن الوزن يختل بزيادة الهمزة .
- والثالث : أنه لو كان المعنى يختل بحذف الهمزة لالتمسنا فى ذلك العذر من مخالفة الوزن . وأما والمعنى واللفظ يستقيمان كلاهما بذكر الهمزة أو حذفها فلا تكون مخالفة الوزن والاخلال به الا عبثا لا يقدم عليه شاعر متشبع بأصول فنه . مع أننا لم نسمع قط أن إخلالا أتى فى الوزن لضرورة اللغة أو لضرورة النحو أو لضرورة الصرف . وما أكثر ما سمعنا ورأينا أن إخلالا أتى فى اللغة والنحو والصرف لضرورة الوزن . وذلك كتخفيف الهمزة وصرف ما لاينصرف وما الى ذلك . ولم يكن كل ذلك الا حفاظا على الكميات الزمنية للحركة الايقاعية . فليعتبر بذلك الدكتور وليتعظ به ليعلم دور الكمية الزمنية فى ايقاع الشعر العربى . لانه لولا وجود فاعلية كمية زمنية فيه لما دعت الضرورة الى مخالفة الاصل فى صرف ما لاينصرف ومد المقصور وقصر الممدود وتخفيف الهمزة الذى يتصل بموضوعنا مباشرة
وغير ذلك كثير كثير . وأما قوله : " إن الاذن العربية الحساسة قد تشربت الخزم " (14) فما بالها لم تتشربه الا فى هذه الحالات المشبوهة التى تعد على الاصابع ، ولم تتشربه فى شعر أبى الطيب أو أبى فراس أو البحترى أو أبى تمام أو ابن الرومى أو أبى نواس أو بشار أو أبى العتاهية ولا فى شعر الفرزدق أو جرير أو الأخطل ولا حتى فى المعلقات الجاهلية .
ولعمرى فانى لا أجد ما أعلق به على نظرية ترسى قواعدها على ظواهر شاذة لا أثر لمثلها فى شعر هؤلاء الفحول . لانه اذا صح أن الوجه فى البحث عن ظواهر إيقاع الشعر العربى هو الرجوع الى المصادر فانى لا اعلم بوجود مصادر هى أحق بالرجوع اليها من شعر هؤلاء . ولقد أتى نقص النظريات الحديثة ، سواء كان أصحابها عربا أو مستشرقين ، إنما أتى من قبل أن أصحابها يرجعون الى جميع المصادر النظرية القديمة والحديثة وينسون المصدر الذى لا مصدر سواه وهو شعر هؤلاء الفحول . ولو فعلوا واغترفوا من البحر مباشرة لعدموا فيه ظاهرة الخزم ولرفضوا أن يخوضوا فيها خوض القدماء فتسنى لهم أن يشتغلوا بأمور قد تكون أجدى منها عليهم بكثير .
فليس الخزم إذن بظاهرة إيقاعية فى الشعر العربى ؛ وما هو الا قضية عروضية مفتعلة . وإنى لأتعجب من الباحثين فى عصرنا كيف يقرونه ويقولون بوجوده ، ويزداد تعجبى كلما تذكرت أن كمال أبو ديب يبطل دور الكم فى مئات الألوف من الدورات الايقاعية المتساوية كلها مع بعضها البعض فى الكامل بسبب دورة ملعونة واحدة . لان الدورة الايقاعية التى فى صدر مطلع دالية النابغة ( أمن آل مية ) هى واحدة من ست دورات يشتمل عليها البيت . وذلك البيت هو واحد من تسعة وأربعين بيتا تشتمل على مائتين وأربع وتسعين دورة ايقاعية كلها متساوية مع بعضها البعض فى القيمة الزمنية بما فيها الدورة المعنية عندما تقرأ كما يريد ديوان الشعر العربى أن تقرأ ( أمنال مي ) ولا تشذ عنها الا دورة واحدة وهى تلك التى هى موضوع بحثنا عندما تقرأ كما يريد العروضيون ( أمن آل مي ) .
فهل يقدم كمال أبو ديب على إبطال دور الكم فى إيقاع مائتين وثلاث وتسعين دورة بسبب دورة ؟ وذلك هو المنطق الذى لا نفهمه . ألا وإنه اذا كان ولا بد من إبطال شئ فان الاولى والأنسب أن نبطل نظريته التى تعتمد مثل هذا المنطق الغريب .

