الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

رسالة الشباب العربى اليوم ،

Share

الرسالة فى الامم دائما لشبابها ، واقصد بالشباب زمن النشاط الجسمي والعقلي من غرر اهتمام كبير بتقدم السن . على ان ارتفاع السن يضعف الكفاح احيانا ولكنه لا يؤثر فى الحمية ولا يبدل العقيدة . هذا إذا نظرنا في ذلك الى الذين حملوا الرسالة طوعا وأخذوا على انفسهم أداءها والوفاء لها يقينا واحتسابا ، اما الذين تهب عليه رياح الرغبة والرهبة فيتخلون عن رسالتهم كثيرا او قليلا ، او يلبسونها ثوبا جديدا أو يجعلون لها تعريفا مستأنفا فاولئك ليسوا رجال رسالة بالمعنى الذي نقصده في تاريخ نهضات الامم .

والرسالة الملقاة على عواتق الشبان اليوم أخف من تلك التي بهضت كواهل ابنائنا واجدادنا . لقد كان على ذوى الرسالة من اسلافنا ، فى العصر الحديث ، ان يفعلوا كل شئ : كان عليهم أن ينفخوا روح الحمية في المجموع الذي لم يكن قد استيقظ استيقاظا تاما للحياة الكريمة بعد ، لقد كان عليهم ان ياتوا بالسلاح ويضعوه في ايدي أنصارهم ، وكان عليهم أن يحاربوا في كل ميدان ، كما كان عليهم ان ينشروا العلم يبن الاميين والوعى بين الغافلين وأن يدلوا بعض اقسام الامة على بعد . واعتقد ان اسلافنا الاقرين من امثال الامير عبد القادر وجمال الدين الافغاني ومصطفى كامل - وانا أعد منهم هنا ولا اعددهم - قد ادوا جانبا كبيرا من الرسالة التي اخذوا انفسهم بادائها . ان العالم العربي اليوم عالم يعى نفسه ، انه اليوم عالم يعرف مغربه عن مشرقه ويعرف مشرقه عن مغربه قدر كبيرا من الأحوال السياسية والأدبية ومن الاحوال الاجتماعة الخالصة . وكذلك نجد كل شعب من الشعوب العربية يعي حاضره وعيا أكبر من ذلك الذى كان بالامس . وكذلك ملوك العرب ورؤساؤهم اقرب اليوم الى شعوبهم مما كانوا بالامس القريب . كل هذه احوال تجعل حمل الرسالة اليوم أهون كثيرا على الشبان .

فما الجانب الباقي من الرسالة التى يتوجب على الشبان اليوم أن يؤدوه ؟

ان اعظم ما وصل الله العرب اليوم فى وعيهم اعتقادهم الراسخ ان بلادهم لا تزال بلادا واحدة وان امتهم لا تزال امة واحدة على الرغم من تقسم تلك الامة شعوبا من الناحية السياسية وتقسم تلك البلاد دولا وحكومات . فواجب الشبان اذن ان يحفظوا هذه العقيدة ثابتة بينة واضحة المعالم . لقد جهد الاستعمار فى ما مضى ان يقضى على هذه العقددة فخلق الدول والدويلات واقام بينها الحدود والقيدود والسدود ثم عطف الى اللغة فدعا الى اللهجات العامية ونشر الدعوة الى الثقافات المحلية واطمع الاقطاعيين بالمناصب والاموال وعمل على ابراز الخصائص الفردية وحاول صبغ العرب بالحضارة الغربية حتى تختلف مظاهر البلاد العربية فتختلف قلوب اهلها ، ويجعل من بلاد العرب بلقانا فيه سورية ولبنان وجبل الدروز ودويلة حلب ودويلة العلويين وفلسطن وشرق الاردن وطرابلس وبرقة ظانا انها تصبح كالسرب والجبل الاسود واليونان وبلغاريا والروملي في ما مضى .

غير ان العرب ظلوا يعتقدون رغم هذا التجزء انهم امة واحدة ويدا واحدة وبلادا واحدة ، وسرعان ما عادت دويلة سورية ودويلة حلب ودويلة جبل الدروز ودويلة العلويين دولة واحدة هى الجمهورية السورية ، كما ان عددا من دويلات البلقان عادت فاتحدت .

إن عناصر الحياة فى الامة العربية كثيرة قوية ، من أجل ذلك لا ترانا نخشى عليها العوامل الخارجية ، فلا الاستعمار فى ابشع صوره استطاع ان يضعف وحدة الجزائر أو يقضي على شعورها بالصلة الوثيقة بينها وبين سائر البلاد العربية على الرغم من المائة والثلاثين عاما من استحكام النير الفرنسى ، ولا استبداد أوربة بقناة السويس سبعين عاما أنسي العرب أن تلك القناة مصرية كبورسعيد والاسكندرية والفيوم ، وان مصر نفسها عربية كالحجاز والعراق والشام وتونس . لقد امتحننا الاستعمار بكل محنة وجرب فينا كل وسيلة ولجأ بنا الى كل حبلة وأبرق لنا وارعد ، فما أضعفتنا محنة ولا صحت فينا تجربة ولا نفعت فينا حيلة ولا استمالنا برقه الخلب ولا افزعتنا رعوده.

فليس على الشبان العرب اليوم إلا ان يحفظوا هذه العناصر في حياة أمتنا نشيطة بامور منها على سبيل المثال :

(١) الحفاظ على اللغة الفصحى لا على انها أداة للتفاهم فيما بين العرب فقط ، بل على انها مظهر للوحدة العربية وجزء من الحياة العربية نفسها ، وسبب من اسباب خلود الامة العربية اجتماعيا وثقافيا .

(٢) ترك الزواج بالاجنبيات فان الزواج بالاجنبيات - وانا اعلم ان فيهن صالحات وفيات لبيئاتهن الجديدة - يضعف العصبية الخيرة ويخلخل الاسرة ويطغى بعامل الخؤولة على الحياة القومية .

(٣) الاكتفاء من الحضارة الغربية (الاجنبية) بالناحية المادية من العلوم الطبيعية والاختراع والرفه المادي من غير ان نتاثر في تفكيرنا بالاتجاه الغربي في النظر الى المثل العليا فنضيع اهدافنا ثم تذوب ثقافتنا في ثقافتهم وشخصيتنا في شخصيتهم ووجودنا فى وجودهم .

(٤) ان الاسلام ليس دينا كسائر الاديان ولكنه حركة اجتماعية واسعة تشمل الاعتقاد والدولة والنظم الاجتماعة والاخلاق . ولقد خلق الاسلام العرب خلقا جديدا وحفظ عليهم وحدتهم ، بل زاد تلك الوحدة قوة وكان السور المنيع الذي دفع عنا الاستعمار . من اجل ذلك كان التنكر للاسلام فى بعض الحركات المعاصرة خطرا كبيرا على اهدافنا القصوى ومنفذا هينا الى تفكيك وحدتنا . ولقد حرص المبشرون فى كل قطر منذ قرنين او اكثر على صرفنا عن الاسلام باطنا او ظاهرا او على التنكر له على الاقل فلم يفلحوا الا قليلا بين ناشئة عصفت في نفوسها عاصفة الانطلاق من كل قيد فظنت ان التنكر للدين يدنيها من القومية .

تلك هي الرسالة التى حمل اسلافنا الابعدون والاقربون جانبا منها ، فعلينا ان نحمل بعدهم جانبها الآخر ونؤديه الى من بعدنا كما ادى اسلافنا الينا الجانب الذي اخذوا على عواتقهم تحقيقه . ثم علينا ان نوقن ان حمل الرسالة اليوم اهون مما كان عليه قبل خمسين عاما مثلا .

بيروت

اشترك في نشرتنا البريدية