الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

رسالة الشعر من أجل تحديد لدور الشاعر

Share

إن الشعر - كوسيلة تبليغ جماهرية فى المبدأ ، وغير جماهرية فى الواقع المعاش - كان دوما موضوع مناقشات حارة .

إن الشعراء ودارسي الشعر والنقاد قد حاولوا دائما تحديد مفهومه ، وتبيان أهميته وصالحيته ، ولفت انتباه الجماهير اليه ، لكنهم قد بقوا فى غالب الاحيان فى قطيعة مؤسفة مع هذه الجماهير التى لا تعقد قيمة كبيرة لهذا الفن ، وذلك لأسباب عدة ، من بينها : خاصية اللغة الشعرية ، وصعوبة الحياة التى تدفع الرجل العادى الى عدم البحث إلا عن المصلحة الملموسة وأن يبقى سطحي النظرة للوجود ، ثم غياب الذوق الفني الممسوح بحدة المشاكل المادية التى يتعرض اليها الانسان فى مجتمعنا باستمرار ...

وفي هذا المقال ، سنحاول بسط مختلف المواقف تجاه الفن الشعرى ، وتحديد المهمة المناطة بعهدة الشاعر ، لوضع النقط على الحروف وتبديد الضبابية التى تكسو رؤية بعض الناس .

- الشاعر رجل خارج عن الحلقة :

يفكر كثير من الناس في أن الشعر هو نتاج الفراغ،وأن الشاعر ليس إلا رجلا قلقا تخلخله بعض المشاكل النفسية ، فهرع الى الشعر لنسيان واقعه المريض والتنفيس عن كربه ، لسيما وأن الشعر يعتمد أساسا الخيال والحلم المتطرف...

ويرى بعض المحللون النفسيون للادب أن الشعر هو شكل من أشكال ما يسمونه La Sublimation أى تقنين الطاقة الجنسية المكبوتة فى اتجاه خلقي .

( la Canalisation de I'energie exuelle euffee en une energie creatrice )

بايجاز ، إن الشعر فى اعتبار الكثير ، هو تنفيذ غرامي . عاطفى ، وجنسى ، يحقق لمنتجه النشوة واللذة الوقتية . إذن ، فان الشاعر يكتب لنفسه ، يكتب مدفوعا بعواطف شخصية لاشباع عواطف شخصية ؛ فهو الغائب فى عالم الآخرين ، والماسح للآخرين من عالمه الفردى ، والمنعزل فى برجه العاجى مع مشاكله وتخميناته ، وحالاته النفسية الخاصة ، التى لا يمكن أن تستقطب اهتمام الآخرين ... هؤلاء الذين لا يسعون إلا إلى سعادة مادية جافة لا تتجاوز المتطلبات الاولية للجسم ... وماذا ترى هم يصنعون بحبه أو بغضه ، بالله أو براحته . بحزنه أو بفرحه ، بعشقه للطبيعة أو بثورته عليها ؟؟؟ ماذا ترى هم يصنعون بهيامه بامرأة أو بأخرى ، بقلقه الوجودى ، وبتصوراته ...

المسكين ! يقول بعضهم - إنه يخطب فى الصحراء !...

- الشاعر افرازة حقيقية للمجموعة :

غير أننا نعتقد أن مجرد قراءة بعض القصائد ، تفند تفنيدا كاملا هذه الافكار المسطحة . وتبين لنا أنه من الحيف والاعتباطية بمكان كبير التفكير بأن الشاعر ليس إلا رجلا ينخره القلق ، قد تفرد بنفسه في زاوية نائية عن العالم وعن مشاكله .

إن هذه النظرة " القطية " ، من شأنها جحود الخصال الرفيعة للشاعر ، والحكم عليه بالاعدام جزافا . لا ! إن الشاعر لا يكتب لنفسه فحسب ، ولا يترجم فقط عن آلامه الخاصة لأنه قبل أن يكون شاعرا ، هو رجل اجتماعي بالطبع ، أفرزت عقليته ونفسيته الثقافة والحضارة ، والمحيط الاقتصادى والاجتماعى الذى يحف به ، فهو- فى رأينا - لا يستطيع أن يكون مختلفا تمام الاختلاف عن الآخرين لكى تكون له مشاعر خاصة جدا ، أو رؤية شاذة . فهو إذن عندما يكتب لا يعبر فحسب عن حقيقته هو ، بل عن حقيقة من يتعايشون معه ، أو على الأقل من ينتسبون الى انتمائه الاجتماعى .

إنه كما يقول الشاعر الفرنسي فيكتور هيفو : " الصدى الرنان للانسانية "

- الشاعر صوت الانسان :

إننا في كتابات الشاعر ، نكتشف مختلف أوجه الوجود . إن الآلام التي يعبر عنها هى فى حتام الامر آلامنا - الحب ، القلق الوجودى ، الحيرة

الميتافيزيقية ، الثورة ضد القدر أو ما يحل محله كالاستعمار أو الاستغلال ، الأمل والحلم المستمر بعالم أفضل ، أو بمستقبل أفضل ، أو بحتمية أفضل . هى مشاعر نتقاسمها كلنا . وعندما تتاح الينا قراءة قصيدة تثير احدى هذه المشاعر ، ننفعل معها جد الانفعال .

فان يقول الشاعر الفرنسي " لمرتين " مثلا : LAMARTINE                " لنحب إذن ! لنحب إذن ! من الزمن الهارب "                " لنسرع ، ونتمتع ! "                " الانسان ليس له ميناء ، الزمن ليست له ضفة "                " إنه يسيل ، ونحن نمر "

فذلك ليس مجرد تعبير عن شعور شخصى ، لأننا تستشف فى هذه الأبيات دعوة واضحة الى المتعة ، الى الحب ( بمفهومه العام والعميق ) موجهة الى الجميع ، وليس فحسب الى الشاعر ، لأن سيلان الزمن وتصاعده نحو الموت ، وسعى الانسان للتغلب عليه بالمتعة والحب ، هو مشكلة تهم الانسانية جمعاء ، وذلك لأنها كلها هدف هذا الزمن آكل الحياة حسب تعبير " بودلير " BAUDELAIRE .

وأن يقول أيضا الشاعر الفرنسي " أبولينير " APOLLINARE *           " تمر الأيام ، وتمر الأسابيع "           " لا الزمن الماضي "           " ولا الحب ، يعودان "           " تحت قنطرة ميرابويسيل " السان " "

ففي ذلك ، لا فقط ، أسف على حب ضائع ، أو على زمن حلو مر مثلما تمر مياه نهر " السان " وإنما أيضا تذكير للناس بأن كل شئ يمر ، وبأن كل شئ يمسح ، وبأن هذه الحياة ليست إلا سقوطا عموديا ، فيجب إذن الاغتنام منها قبل أن تنهار فى غياهب العدم الأخرس .

- الشاعر نفوذ على نفس القارىء : يقول الناقد " روجى كيووى " فى كتابه " الفن الشعرى " :              " ان الشعر يسعى لتوليد انفعالات بوسيلة كلمات "

إن تأثيره - حسب رأيه - شبيه بتأثير السحر - : " نفوذ على قلب وخيال القارىء "

إنه يفتح اليه آفاق الحلم . والبحث عن الكمال ، والهروب الخيالي من العالم المادى ، الصلب الحيوانى ، والسافل ...

إن الشاعر ، مثل الساحر ، يجذب القارىء ، ويمارس حتى على جسمه سلطة النسق . وبالتالى يصل الى :

" تهدئته ، وانفعال وتسهيل الراحة اليه " .

لان - يقول ( روجى كيوى ) :

" اتباع نسق هو منبع للراحة والانتشاء " (1)

وهل من السهل الوصول الى ممارسة نفوذ على عقل ، وقلب ، وجسم القارىء . بنسج الكلمات والنسق ؟ !!

- الشاعر يخلق الأشياء من جديد :

إن الشاعر بأبياته ، يخلق من جديد عالم الاشياء ، يكسيه معنى آخر ، ودلاليه أخرى ، ويجمله ، فيسمح بذلك للقارئ دخول عالم جديد ، يحمله في عمقه باستمرار ...

هذا العالم الذى لا يشمل حسب تصوير - بودلير - إلا : " كمالا ، وصمتا ، ونشوة " (2)

وأين الانسان يمكن أن ينسى عبثية وضعيته الانسانية المميزة بالموت الحتمى والمرير الذى يشل حلمه بالأبدية ويهدر آماله في الخلود .

والآن ، هل نستطيع مواصلة استنقاص من شأن رسالة الشاعر والتفكير فى عدم جدواه للعالم ؟ !

لا بطبيعة الحال ، خصوصا وأن الشاعر يمكن أن يكون مناضلا ومثيرا هاما لرفض التدهور فى المجتمع ...

- الشاعر موقظ للوعى الخامد :

إن الموقف الذي نتبناه ، ونفضله على غيره فى هذا المضمار ، هو أن الشاعر جرس فى دماغ النائمين ، إنه ايقاظ للوعى المتثائب ، أو المخدر ، أو المختنق ... إنه حارس نبيه للعدالة ، والحرية ، والحب .

فعندما تتألم الشعوب من قهر أو من آخر ، فانه مطالب بالتعبير عن هذا القهر ، وتعرية العوامل الحقيقية للقمع ، أو للظلم ، أو للاغتراب الاجتماعى ، وإنه الاول طبعا فى محاربة أعداء الحق والانسان ، وفضحهم وكشف خزعبلاتهم ...

ومثالنا على ذلك الشعر الفلسطيني ، الذى نعتبره المثال الأرقى للنضالية فى الشعر العربى ، والذى لا نعتقد أن هناك من يتطاول عليه ويجحد مساهمته المرموقة فى التوعية الجماهيرية ، وفى تحريك الوعى الثورى فى نفوس رفاقنا الفلسطينيين ...

إن الشاعر محمود درويش مثلا عندما يصرخ ، ويهدد قائلا :

" ولكنى اذا ما جعت "

" آكل لحم مغتصبى "

" حذار ! حذار ! من جوعى "

"ومن غضبى"

يعبر عن موقف الرجل العربى الذى كبلته طويلا أغلال الاستعمار ، والامبريالية ، والصهيونية ، والذي بنضاله المجيد لا بد أن ينتصر يوما على مغتصبيه ، ويحرقهم بنار غضبه التى تستفحل من حين لآخر وتحتد بفعل التفقير ، والقمع ، والتشريد ، والتقتيل ...

وعندما يقول أيضا

" علمتني ضربة الجلاد "

" أن أمشى على جرحى ... ثم أمشى "

" وأقاوم ... "

فهو يدعو العرب الى مواصلة النضال مهما بلغت شراسة العدو ، ومهما تفاقم شره .

إن هذه الأبيات حث للهمم وتشجيع ، وقتل لنزعة الاستسلام فى النفوس ...

وفى هذا المجال ، لا يمكن أن نمر بدون أن نشير الى أن الشعر التوتسي الشاب ( الذي نعترف به ) يندرج فى هذا الاطار الحميد ، ونذكر بدون حصر ، من بين ممثلى هذا الشعر : المختار اللغمانى الشاعر الفقيد ، صاحب مجموعة " أقسمت على انتصار الشمس " ، عبد الحميد خريف ، على دب ، سوف عبيد ... وغيرهم ...

وفى ختام هذه الدراسة المتواضعة ، نتمنى أننا قد وصلنا إلى وضع النقط على الحروف ، واقنعنا مستنقصى الشعر ، بصالحية وأهمية هذا الفن الضرورى ، المتحدى للزمن ، والصمت ، والموت : الشعر .

اشترك في نشرتنا البريدية