لقد مضى ألف ومائتا عام على صدور الفتوى التى تبيح للشعراء زحاف الكف فى الرمل . وعاشت هذه الفتوى طيلة تلك المدة والشعراء يرفضونها ويمتنعون عن زحاف الكف فى الرمل وهو الرخصة التى يبيح الخليل بموجبها للشعراء حذف الساكن الاخير من ( فاعلاتن ) بصفة اختيارية فتصبح به ( فاعلات ) .
ورغم أن هذا الزحاف يأتى للتيسير على الشعراء والتوسيع عليهم - وهو أمر مفهوم - فانهم يرفضونه بقوة ويتجنبونه بشدة كأنه الكفر الموفى بأهله على النار . فما الدافع الى إصدار هذه الفتوى وما سر هذا الامعان فى رفضها والامتناع عن قبولها ؟
إنه من الثابت أن هذا الزحاف كان قبل الخليل ممنوعا منعا باتا . وإذن نكون منصفين غير جائرين حين نجزم بأن الخليل قد أساء الى الفن وأساء الى المعرفة حين رخص فى الكف فأثبت ما لم يكن وجوده فى التراث ثابتا وجوز ما لم يكن فعله جائزا وأباح للشعراء ما لم يكن فعله مباحا . نعم ، ولا تغرنك الشواهد التى أوردها الخليل فى تصنيفه دليلا على زحاف الكف فانه مخطئ فى شأنها أشد الخطا لان تلك الشواهد التى ينسبها الى الرمل ليست من الرمل ولكن من الرجز ؛ وقد أشرت الى ذلك فى رسالة المقروء والمنطوق ( 1 ) مجرد إشارة لضيق المجال . وقد حان الوقت لكشف الغطاء عن هذه الحقيقة التى لم يتح لها أن تكشف حتى اليوم .
ومن الشيق أن الشعراء بعد الخليل لم يعتدوا بهذه الرخصة ولا حتى التفتوا اليها مجرد التفات فكأنها لم تكن إطلاقا . وعلة ذلك أنهم اذا قرأوا مسائل العروض قرؤوها بأبصارهم فنفذت الى أفكارهم قوالب معلبة وجيفا محنطة فمجتها نفوسهم ولفظتها عقولهم كطعام تعفن فى البطن فكانت الراحة فى قذفه . وأما ما تستسيغه نفوسهم وترقص له قلوبهم فالايقاع الحي النابض الذى يتدفق من موارده العذبة وينابيعه الصافية قصائد شجية وأهازيج راقصة . أولائك لم يستقوا ثقافتهم الفنية وتربيتهم الايقاعية من كتب العروض ولكن من الآثار الفنية الخالدة ومن الحياة الزاخرة بالحركة والاشكال والالوان . وأما العروضيون فقد قنعوا من الشئ بالنصيب الزهيد يتخبطون فى الاجحار الضيقة والانفاق المظلمة ما أصبرهم على النقص .
وأما الشواهد التى ذكرنا أن الخليل قد اساء استعمالها حتى كانت سببا فى اختلاف زحاف الكف فمنها :
( أ ) إن سعدا بطل ممارس صابر محتسب لما أصابه
( ب ) فدعوا أبا سعيد عامرا وعليكم أخاه فاطلبوه
( ج ) ليس كل من أراد حاجة ثم جد فى طلابها قضاها
وهذا تقطيهعا على طريقة الخليل
( أ ) إن سعدا - ن - - فاعلاتن صابر محـ - ن - - فاعلاتن
بطل مـ ن ن - ن فعلات تسب لـ ن ن - ن فعلات
مارسو - ن - فاعلن ما أصابه - ن - - فاعلاتن
بسكون ضمير الغائب فى آخر الضرب .
( ب ) فدعوا أ ن ن - ن فعلات
با سعيد - ن - - فاعلاتن
عامرا - ن - فاعلن
وعليكـ ن ن - ن فعلات
مو أخا هو - ن - - فاعلاتن
فاطلبوه - ن - فاعلات
بسكون ضمير الغائب فى آخر الضرب .
( ج ) ليس كل - ن - ن فاعلات ثم جد - ن - ن فاعلات
من أراد - ن - ن فاعلات في طلابـ - ن - ن فاعلات
حاجتن - ن - فاعلن ها قضاها - ن - - فاعلاتن
وقد أرجعها الى الرمل وأخضعها الى تقطيعه فظهرت فيه تشكلات من نوع ( فاعلات ) وهو ما جعله يستنتج أن ( فاعلاتن ) فى الرمل قابلة لزحاف الكف . وهو استنتاج معقول طالما كان من الثابت أن هذه الابيات هى فعلا من الرمل . وحينئذ يجوز تعميم الحكم واقرار مبدإ الكف . وأما اذا استطعنا أن نثبت بالحجج الدامغة أن هذه الابيات ليست من الرمل ولكن من وزن آخر والخليل بتعسفه المعتاد أخضعها بالقسر الى تقطيع الرمل ، قلت : اذا استطعنا أن نثبت ذلك لم يبق هناك أى مبرر لاقرار زحاف الكف فى الرمل . فيتحتم علينا رفضه كما رفضه كل الشعراء بعد الخليل باستثناء المتشاعرين أو المبتدئين فى محاولاتهم الاولى لاستعانتهم بكتب العروض . ولا يفعل ذلك الا معوز فقير تنقصه التربية الايقاعية الاصيلة التى لا مدخل اليها سوى الشعر . ذلك ولا أرى يمكن أن يحسم الخلاف - نظرا لمنزلة الخليل التاريخية الا بالتدليل الرياضى والاستنتاج المنطقى وباعتماد القياس لاظهار التناقض والارتباك فى أحكام الخليل . فان ذلك ، متى ثبت ، ثبت فى الآن نفسه اننا على حق وأن الخليل لم يقل بزحاف الكف فى الرمل الا لعجزه عن ارجاع هذه الشواهد الى وزنها الحقيقى .
لنتناول هذا البيت الذى يرجعه الخليل الى الكامل :
( د ) منزلة صم صداها وعفا رسمها إن سئلت لم تجب
ولنفحص الشطر الاول ( د 1 ) فحصا جيدا . وسواء تدبرناه بالفكر أو تقرأناه بالعين أو تحسسناه بالاذن فان النتيجة التى ننتهى اليها واحدة لا يختلف اثنان فيها . وهى أنه من الرجز .
( د 1 ) منزلتن - ن ن - مفتعلن
صم صدا - ن ن - مفتعلن
ها وعفا - ن ن - مفتعلن
ولو استفتينا فى ذلك كل الشعراء وكل الادباء وكل المختصين لأجابوا كلهم بصوت واحد وبلا تردد : إنه من الرجز . إلا الخليل فانه يرى فيه رأيا آخر لا يشاطره فيه أحد وهو أنه من الكامل . فكيف انتهى الى هذه النتيجة وكيف برهن عليها ؟ ذلك سر الخليل قبر معه فلا يعرفه أحد ، والحقيقة هى أنه ليس هنالك سر غامض فى الامر . وليس هنالك الا التعسف من الخليل والاستخفاف بأمور العلم لانه يستحيل أن تجد فى ديوان الشعر العربى كله ولو بيتا واحدا فى الكامل تحولت فيه التفعيلة بزحاف الخزل من ( متفاعلن ) الى ( مفتعلن ) . فالشطر المعني اذن من الرجز . وحجتي هى أنه إن استعصى على الخصوم أن يستظهروا ولو ببيت واحد فى الكامل ينطبق انطباقا كليا على هذا الشطر فانى من جهتى أستطيع أن أسوق ألوف الابيات من الرجز تنطبق عليه أتم الانطباق .
هذا وقد يتساءل القارئ : ما دخل هذا الشطر فى موضوعنا وما علاقته بالرمل وزحاف الكف ؟ ولا يسعنى عند هذا المحضر الا أن أرد على تساؤلاته بقولى : إن هذا الشطر لا يخلو من علاقة مع الموضوع الاصلى لانه من الرجز وأنا أريد أن أثبت أن الأبيات ( أ ) و ( ب ) و ( ج ) ليست من الرمل كما يعلم ذلك الخليل ولكن من الرجز . ولما لم يكن بد من أن يكون الحكم مؤيدا بالحجة التمست الحجة فى البيت ( د ) .
ولنفحص الآن الشطر الثانى ( د 2 ) فحصا جيدا . وسواء تدبرناه بالفكر أو تقرأناه بالعين أو تحسسناه بالاذن فان النتيجة التى ننتهى اليها واحدة لا يختلف اثنان فيها وهى أنه من الرمل .
( د 2 ) رسمها إن - ن - - فاعلاتن
سئلت لم ن ن - - فاعلاتن
تجبى ن ن - فعلن
والحق أن أمر هذا البيت ( د ) لغريب . وأغرب منه موقف الخليل منه : وذلك أنه يتألف من شطرين يختلف ايقاعاهما اختلافا مطلقا اذ قد تبين بصفة واضحة لا بأس فيها أن ( د 1 ) من الرجز و ( د 2 ) من الرمل . والاغرب من ذلك كله أن الخليل لم يرجع هذا البيت الى الرجز الواقع فى الصدر ولا الى الرمل الواقع فى العجز . ولكن الى بحر آخر ثالث الكامل كتلك التفاعلات الكيميائية ذات المفعول السحرى . فما هذا التعسف الفاضح ! وإنى لا أكاد أفهم ولا أكاد أصدق أن أحدا يطلب إلي أن أفهم كيف يتحول بيت شطره من الرجز وشطره من الرمل ثم يتحول الى بيت من الكامل !
هذه الفضيحة الفكرية التاريخية لم يقدر لها أن تفضح حتى ساعة التاريخ . ولا ألوم العلماء فى عصور الانحطاط على سكوتهم عن هذه الفظاعات بقدر ما ألوم الباحثين والجامعيين فى عصرنا هذا لسكوتهم عن مثل ذلك رغم كثرة الوائل وتوفر الامكانيات . فلا أجد لسكوتهم من معنى الا التقصير والتخادل والانخذال والتضاؤل أمام عظمة الخليل التاريخية والتى روجت لها ودعمتها أحكام المستشرقين عندما يصرخون بصوت واحد : بأن الخليل عقل فذ ألف علم العروض بعبقرية فذة . فهل يستطيع أحد من الطلاب بعد ذلك أن يعترض على مزاعم الخليل ؟
ومرجع خطئهم جميعا هو تسلحهم بالبصر والفكر فى معالجة أمور لا تعالج بالبصر والفكر ولكن بالحساسية والسمع ، نعم وإن الاذن لكفيلة فى هذا المجال بأن تدرك فى لحظة واحدة ما لا يتوصل العقل الى ادراكه فى عشرات القرون . تلك هى الحقيقة ولو تحسسوا بآذانهم حركة البيت لتجلى لهم الايقاع على حقيقته وبمختلف عناصره شكلا وحركة ومعنى ولتبين لهم أن هذا البيت من الرجز لا صلة له بالكامل ولا بالرمل رغم التطابق التام الذى يبدو بين العجز وبين الرمل . لانه اذا كان من الثابت الذى لا شك فيه أن ( د 1 ) منظوم على وزن الرجز فان الشأن أن لا يكون ( د 2 ) الا مثله رجزا وهو مبدأ ثابت عند الاقدمين لا يحتمل الجدال .
ولكن كيف يكون ذلك وواقع ( د 2 ) ينفي أية علاقة بينه وبين الرجز ويؤكد صحة التطابق بينه وبين الرمل ؟ والجواب عن هذا هو أن تلك ليست سوى مظاهر كاذبة إن استطاعت أن تخدع البصر والفكر فانها لا تستطيع أن تخدع الحس الايقاعى والوعي الايقاعى اللذين بهما يتميز الشاعر وبهما يتسلح وعليهما يعول فى معالجة الايقاع عند نهوضه الى العمل الفني . فاذا عالج ذلك
البيت بالنظم أو بالانشاد نظمه على أنه رجز وأنشده على أنه رجز من غير أن تختلط عليه صورة الرجز فيه برمل أو كامل أو أى شئ آخر اطلاقا . لان للايقاعات كميات تتميز بها وكيفيات تختص بها تحول دون أى اشتباه يمكن أن يحصل بين ايقاع وآخر . فاذا كان الرمل بأوقاته الستة متميزا بأنه إيقاع ناعم راقص يختال فى أنوثة ورقة فان الكامل بأوقاته السبعه متميز عنه بصرامته وتصلبة تحركه الجدية ويقوده الحماس ، وأما الرجز بأوقاته الاربعة وحركته السريعة فانه يبدو كفرس رهان يسابق الريح .
وإذن فان الشاعر ينظم البيت ( د ) أو ينشده وهو يدرك بحسه الايقاعى وبوعيه الايقاعى الذى هو فى الحقيقة وعي بالقيم الحركية والنسب الزمنية ووعي دقيق بمرور الوقت قلت ينظمه أو ينشده وهو يعي أن عنصرا إيقاعيا معينا واقعا فى موطن معين من البيت ينبغي إخلاؤه من الحركة فهو ساكت . وهذا العنصر هو الاول من الدورة الاولى من العجز
( د 1 ) منزلتن - ن ن - مفتعلن
صم صدا - ن ن - مفتعلن
ها وعفا - ن ن - مفتعلن
إس إس
( د 2 ) رسمها - ن - تفعلن
إن سئلت - ن ن - مفتعلن
لم تجبى - ن ن - مفتعلن
وهو ما يجعلنا نقصى ( فاعلاتن ) من ( د 2 ) ونقر ( مستفعلن ) التى هى تتمم حركة ( د 1 ) وتتفق معها وتحقق وحدة الايقاع التى ما كان القدماء ليفرطوا فيها أو يستهينوا بها إطلاقا .
ونفعل ذلك بـ ( د 2 ) رغم استقامته للرمل استقامة مطلقة بلا شجب ولا قسر ؛ أعني رغم سلامة ( فاعلاتن ) فيه من زحاف الكف ومن أى اعتلال آخر تكون معه نسبة ( د 2 ) الى الرمل موضع شك كما هو الشأن فى ( أ ) و ( ب ) و ( ج ) التى لم يتسن ارجاعها الى الرمل الا بالشجب والقسر فى اختلاف زحاف الكف وتسليطه عليها غصبا واقتسارا بما يتضارب مع الواقع الشعرى فى عامة التراث .
فاذا اكانت ( أ 1 ) و ( ب 1 ) و ( ج 1 ) لا تستقيم للرمل الا بالشجب والقسر فى اختلاف زحاف الكف . وكان زحاف الكف ممنوعا فى الرمل لولا القسر الخليلى ، واذا كان ( د 2 ) رجزا وكانت ( أ 1 ) و ( ب 1 ) و ( ج 1 ) متطابقة معه تطابقا تاما لا شجب فيه ولا قسر فالوجه أن ترجع الصدور المعنية لا الى الرمل كما اقترحه الخليل ولكن الى الرجز كما يقترحه هذا البحث بسكوت الواجهة .
( د 2 ) إس إس إس
رسمها تفعلن - ن -
إن سئلت مفتعلن - ن ن -
لم تجبى مفتعلن - ن ن -
( أ 1 ) إس إس إس
إن سعـ تفعلن - ن -
دا بطلن مفتعلن - ن ن -
ممارسو متفعلن ن - ن -
( ب 1 ) إس إس إس
فدعوا ن ن - تعلن
أبا سعيـ ن - ن - متفعلن
دن عامرا - - ن - مستفعلن
( ج 1 ) إس إس إس
ليس كلـ تفعلن - ن -
ل من أرا متفعلن ن - ن -
د حاجتن متفعلن ن - ن -
مع تعمير العنصر الساكت بمقطع لفظي اصطلاحى ( إس ) نفترضه لسد الشغور .
وإذ قد كنا أثبتنا مبدأ الوحدة الايقاعية عند الاقدمين والتى تقضى بأن تكون الاعجاز تابعة فى الحركة الايقاعية لصدورها فانه من الحتمي أن تكون ( أ 2 ) و ( ب 2 ) و ( ج 2 ) هى أيضا من الرجز بسكوت الواجهة وتعرية الختم وقلب الروي على نحو ما يكون فى الخبب المتقارب وغيره وعلى ما هو موصوف باسهاب فى كتابنا " نظرية إيقاع الشعر العربى " .
( أ 1 ) إس إس
إن سعـ - ن - مستفعلن
دا بطلن - ن ن - مفتعلن
ممارسو ن - ن - متفعلن
( ب 1 ) إس إس
صابرن - ن - مستفعلن
محتسبن - ن ن - مفتعلن
لما أصا ن - ن - متفعلن
به
تلك الحقيقة ، وقد يعترض معترض بقوله : ليس ما صنعته بأقل شجبا وقسرا مما صنع الخليل . وأجيبه بقولى : أما أن يكون فيه صعوبة والتواء فلست بالذى ينازع فى هذا أو ينكره خصوصا عند تعذر الوسيلة ، وإن كنت أكره أن يكون فى الصعوبة ما يبرر الرضا بالنقص ، لانه اذا كانت الحقيقة هى ما ننشده فى المعرفة فعلينا أن نطلب هذه الحقيقة مهما كانت ملتوية ومهما كانت شائكة ولا نتعلل بالاباطيل والاوهام بحجة أنها قريبة ميسورة المنال . وأما أن يكون فيه شجب وقسر فلا وذلك لثلاثة أسباب :
1 - إني حافظت على النواة ( علن ) فى ( مستفعلن ) وهى الركيزة الاساسية فى الرجز فلم يلحقها شئ من الضيم .
2 - لم تدفعنى الضرورة الى اختلاق زحاف مفتعل أسلطه على الايقاع قسرا بما يتنافى فى الواقع الشعرى فى عامة التراث .
3 - لم أفعل ما فعلت استجابة لمقضيات فكرية ذهنية لا تغني فى هذا المجال شيئا ولكن استنادا الى الحس الايقاعى والوعي الصحيح بمرور الوقت والادراك الدقيق للكميات الزمنية والكيفيات الحركية كما هى فى واقعها الشعرى النابض بالحياة فى عامة التراث .
هذا وقد يجدي أن نخرج من هذه الدراسة بالنتائج والملاحظات الآتية : 1 ) إن الخليل ، فى حرصه على أن يقيم نظام على قواعد ذات صبغة شمولية ، قد استقاد بمفعول الضرورة الى التعسف . ثم إن التصاقه الشديد بحدود نظامه هذا والتزامه بتطبيقه ، على ما فيه من القسر ، كثيرا ما قاده ، عند تنظير المسائل وتفريعها ، الى أشد القسر ؛ حتى لكأن المفاهيم العروضية الذهنية لم تسخر لتفسير الظواهر الايقاعية كما هى فى الواقع الشعرى وإنما سخر الواقع الشعرى باهتضامه وتحيفة لتدعيم المفاهيم العروضية المفتعلة وتبرير التعسف الظاهر أثره واضحا فى نظام الخليل . ومن ذلك :
أ - تسليط زحاف الكف قسرا على ( فاعلاتن ) بما يتعارض والمعطيات الشعرية . لانه اذا كان لاقرار هذا المبدإ ما يبرره ظاهريا فى المضارع فانه لا يوجد ما يبرر ‘قراره فى الرمل والمديد والخفيف ؛ فيكون تسليطه عليها لتعميم القاعدة تعسفا وقسرا . قلت : " ظاهريا " لان ( فاعلاتن ) فى المضارع مختلفة فى الطبيعة والحكم عنها فى الرمل والمديد والخفيف . وذلك لان ( تن ) فى المضارع اذا كانت موطن زحاف وعنصرا خفيفا مقصورا هاضما يستغرق وقتا ونصفا فانها فى الرمل والمديد والخفيف عنصر ثقيل ممدود ثابت لا يتحول ويستغرق وقتين . لان الاصل فى تجسيم حركة المضارع ليس ( مفاعيلن فاعلاتن ) ولكن ( علاتن مستفعلن فا ) باعتبار موقعها فى الدائرة .
الخفيف فا علاتن مستفعلن فا علاتن - ن - - - - ن - -
المضارع تن مفا عيلن فاعلا تن
لاحظ كيف أن ( فاعلاتن ) فى المضارع تقابل ( تفعلن فا ) فى الخفيف . ولما كانت ( فا ) موطن زحاف يتحول حسب الحاجة ( فـ ) حسب نظرية الخليل ، كذلك كانت ( تن ) موطن زحاف قابل للتحول ( ت ) كما فى هذا البيت لأبى العتاهية :
أيا عتب ما يضرر ن - - ن - ن - ن مفاعيل فاعلات
ك أن تطلقى صفادي
ولكن إذا كانت ( فاعلاتن ) ذلك شأنها فى المضارع فان لها فى الرمل والمديد والخفيف شأنا آخر حيث لا تخضع الى حكم ( تفعلن فا ) التى تكون فى وسط الخفيف ولكن الى حكم ( فاعلاتن ) التى تكون فى أوله والتى تكون فيها ( تن ) ثابتة لا تتحول اطلاقا . ويتمثل عمل القسر فى نظام الخليل فى أنه عمد الى ( تفعلن فا ) فسماها ( فاعلاتن ) وفتح بابا واسعا للشبهة بينها وبين ( فاعلاتن ) التى تكون فى أول الخفيف . وقد طم الخطب حين سعى الى التنظير بينهما ليعطي لقوانينه صبغة الشمولية ، وقد فعل . فقر زحاف الكف فى الرمل وغيره على غرار ما يكون فى المضارع مخالفا بذلك كل المعطيات الشعرية فى عامة التراث . حتى اذا أعوزته الشواهد استقاها من الرجز .
ب - تسليط زحاف الخزل قسرا على ( متفاعلن ) بما يتعارض والمعطيات الشعرية حيث لا تقبل هذه التفعيلة الخاصة بالكامل الا زحافا واحدا ( الاضمار ) التى تتحول بمقتضاه الى ( متفاعلن ) بسكون التاء .
2 ) إن التعسف والقسر فى هذه المواطن وغيرها قد تسبب فو حدوث أخطاء فنية فادحة وتناقضات نظرية فاضحة كتلك التى يقر الخليل فيها أن يجتمع شطران مختلفان فى وزنهما فى بيت واحد يكون له وزن ثالث لا أثر له فى أى منهما . وذلك كالذى فى النموذج كما تسبب تضخيم عدد الزحافات وتعقيدها وفى وضع اسطورة الوتد المفروق التى هى أعظم ما اشتمل عليه علم العروض من البدع والترهات .
3 ) إن الشعراء بعد الخليل أدركوا بقوة وعيهم أن علم العروض ليس بشئ سوى أنه ضرب من التهريج الفكرى بعيد كل البعد عن واقع الفن الشعرى فتنزهوا عنه وتبرأوا منه ترفعا منهم عن خسيس المكاسب ، وهو ما جعلهم يرفضون فقه الخليل حين رخص لهم فى زحافى الكف والخزل فامتنعوا عنهما امتناعا كليا . حتى اذا قال محمود حسن اسماعيل بيته :
طعنة من معاذ أخرس فوها فاك بعد ما كنت تنهى وتأمر
صفعته نازك الملائكة ووصفت بيته بأنه " مكسور كسرا لا يجبر " ( قضايا الشعر المعاصر ، صفحة 147 ) . وذلك لانه كف ( فاعلاتن ) فى الخفيف ( فاك بعد ) استنادا الى مقولات الخليل . فيرهن بذلك عن قلة اعتداده بما عنده من الوعي الايقاعى وأنه لما بدا له نقص وسائله التمس الوسيلة فى علم العروض لاختصار المراحل وربح الوقت . فكان كمن ارتضى بالفقر بديلا عن الغنى وبالضعف بديلا عن القوة وبالنقص بديلا عن الكمال .
4 ) ان هذه الاوهام الناتجة عن نظام الخليل القسرى لمما يحتج به كمال أبو ديب فى حملته المسعورة ضد النظرية الكمية وليوطئ لنظريته فى النبر وقد فعل . وهو ما أسلمنى الى النزاع وجسمنى مؤونة الدفاع . فليقذفن الباطل بالحق وليفحمن القسر بالأناة ليعلم مسترشد أى الهديين أهدى وليعلم مخاصم وهن السند الذى يعتمد عليه .
ذلك نموذج من أغاليط الخليل فى فهم مسائل الميزان الشعرى عند العرب . وغيره كثير أعشى الابصار وبلبل الافكار ، ولو أن فيه طائلا لعدوت فيه شدا وقدحت فيه زندا ولكن ما يرتجى طالب أن يجني من الحسك والشوك سوى تقرح الاصابع وصنوف الكمد واليأس .

