كيف دون الشعر فى الصحيفة وفى العروض ؟ ( * )
لقد دون الشعر فى الصحيفة وفي العروض تدوينا مخلا كأن لو كان نثرا بحيث تحصر فيه العناصر الصوتية فى صنفين لا ثالث لهما وهما المقصور والممدود . وذلك كما فى هذين البيتين لأبى العتاهية
ألا ما لسيدتى ما لها وإلا ففيم تجنت وما
أدلا فأحمل إدلالها ؟ جنيت سقي الله أطلالها
فلما جاء الخليل يبحث عن النموذج الايقاعى لهذين البيتين طلبه ببصره فوجده متمثلا فى ( فعولن ) و ( فعول ) و ( فعو) . فقبل ذلك بلا تحرج إذ لم يكن من أهل الفن أعيدها مرة أخرى وإن كنت لها كارها لأنها الحقيقة لا يخجل منها إلا مبطل - رغم ما يفضى اليه ذلك من التفاوت بين الدورات
( فعولن ) - - 2 2 1 5
(فعول) - 1 2 1 4
( فعو ) - 1 2 3
الا ما - - 1 2 2 5 أدلا - - 1 2 2 5 والا - - 1 2 2 5 حنيت - 1 2 2 4
لسيي - 1 2 1 4 فاحم - 1 2 1 4 سقى الل - - 1 2 2 5
_دتى ما - - 1 2 2 5 ل ادلا - - 1 2 2 5 ه أطلا - - 1 2 2 5
لها - 1 2 3 لها - 1 2 3 وما - 1 2 3 لها - 1 2 3
كيف ينشد المنشد الحاذق هذين البيتين أثناء قراءتهما فى الصحيفة ؟ إنه ينشدهما عفوا وبلا علم ومن حيث لا يشعر هكذا :
صوره
وهو ما يحقق التعادل الكمي الزمني الذي يجب أن يكون بين الدورات ؛ إهتدينا اليه حين تحسنا الايقاع بالأذن فاكتشفنا حقيقتى الاعتضام والإسكات والحدود الحقيقية التى لكل دورة . وذنب علم العروض وذنب التفاعل يتمثل فى ان الخليل بدلا من أن يدون لنا الحركه المنطوقه دون لنا الحركة المقروءة
والدليل على وجود فارق في الشعر بين المقروء والمنطوق هو اننا إزاء هذا البيت :
لله نهر سال فى بطحاء أحلى ورودا من لمى الحسناء
لا تستطيع ان نبت فى امره بالاعتماد على التفاعل وحدها ولم نزل نرجحه بين ( مستفعلن ) تارة وبين ( متفاعلن ) بسكون التاء تارة اخرى وبين الرجز آونة وبين الكامل آونة أخرى ولم نستطع أن نرجعة الى ايقاعه إلا بالرجوع الى القصيد الذي استخرج منه . ولو كان ذلك البيت فردا يتيما لاجتمع عليه ذل التشرد وذل اليتم ولكان كالدرهم النحيس يطييش من كيس الى كيس .
فهناك فارق موجود بين المقروء والمنطوق يتهيأ الأداء لابرازه وإلا لما استقام إيقاعان مختلفان لتفعيلة واحدة تكون مشتركة بينهما بلا تمييز . وإلا لزم ارجاع الابقاعين لكمال التطابق بينهما إيقاعا واحدا . فالفارق موجود يتمثل فى اختلاف جوهرى موجود لا محالة بين الايقاعين فى مالهما من القيم الحركيه والنسب الزمنية . وهو الفارق الذى قعد العجز بالكتابة والتفاعيل عن إبرازه فى بيتي ابى العتاهية وتصدى ترقيمنا لتجسيمات فيهما بأمانة وصدق
تلك هي التفاعل التى حفظت الايقاعات الى يوم الناس هذا شرحت لك واقع أمرها وحقيقة زيفها وانا اعى ما أقول . وأما قولك إنها كانت الحصن الحصين الذي حمى الايقاع فاسطورة لا تنقص فى شىء عن خرافة " أمى سيسى
3 ) وأما الخليل الذي وضع علم العروض بعبقرية فذة فتلك تفاعيله تدل على عبقريته . واكبر مظهر لعبقريته قبوله بتجسيم إيقاعين اثنين مختلفين بتفعيلة واحدة لأن ( مستفعلن ) و ( متفاعلن ) بسكون التاء متساويتان فى القيمة الحركية تساويا مطلقا . ولو كان الخليل على شئ ولو كان يدرى ما يصنع ولو
كان يعي ما يقول لما تقدم بعد ذلك البيت فى نظريته خطوة لأن فيه تجسيما واضحا لما يقوم عليه علم العروض كله من الخطا والخلط . وأما هو فقد مضى لا يحفل بذلك البيت ولا بغيره من الأبيات وهي كثيرة فى اشعار العرب
ولعلك مؤاخذ بقولى : " لا يحفل بذلك البيت " فانى أقصد أشباهه ولا اقصده هو بالذات لأنه مما قيل بعد الخليل بقرون فى بلاد الاندلس . ولكننا لا نعدم عند الأقدمين أبياتا تشبهه كقول بشار :
الحريل - - لله نه - - - مستفعلن متفاعلن
حي والعصا - - - ر سال في - - - مستفعلن متفاعلن
للعبد - - - بطحاء - - - مفعولن مفعولن
وغيره كثير حتى مما استشهد به الخليل نفسه فى نظريته وأدرجه فى كتابه كقول عنترة :
إني امرؤ من خير عبس منصبا شطرى وأحمى سائرى بالمنصل
والذى ينسبه الى الكامل صوابا ولكنه من الأبيات المتنازعة بين الرجر والكامل . فالخليل لاحظ بنفسه هذه الظاهرة فلم يتحرج على نظريته منها إذ جهل أو تجاهل الخطورة المتجسمة بها والمتمثلة فيها وهى قيام الحجة بها على فساد علم العروض وتداعي اسسه وتهافت أركانه
وليس هذا التنازع بين الكامل والرجز بالشذوذ الذى يمكن غض الطرف عنه ولكنه شائع كثير بين الرجز والكامل وبين الهزج والوافر وبين السريع والكامل
فأما التنازع بين الرجز والكامل فقد سبق ذكره واما التنازع بين الهزج والوافر فكهذا البيت لابن عبد ربه
وبدر غي ر ممحوق من العقيا ن مخلوق - - - - - - - - - - - - مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن
بسكون التاء فى تفعيلة الوافر
هذا ولقد أصبحت لا أشك فقط فى قيمة علم العروض ومدى اضطلاعه بتجسيم الايقاعات بل وأشك أكبر الشك فى معرفة الخليل بطبائع الايقاعات ومدى قدرته على التمييز بينها . ولقد كان هذا الشك قائما فى نفسى منذ أمد بعيد فلم يزل يزداد يوما بعد يوم حتى بلغ من التفاقم الى ما لا غاية وراءه وذلك إثر وقوفى على الشواهد النموذجية التى اعتمدها فى بناء نظريته ذلك البناء الذى أثبتنا اكثر من مرة قيامه على التلفيق والتزوير أقولها صريحة و الغش
نعم أليس هو الذي ينسب هذا الشطر الى السريع ؟
يا صاحب رحلى أقلا عذلى
ويجسم بالتفاعيل الآتية
( مستفعلن مستفعلن مفعولن )
ولكن ما الفرق بينه وبين هذا الشطر الذى نستخرجه من أجوزة بشار؟
الحر يلحي والعصا للعبد
أو بينه وبين هذا الشطر الذى ينسبه هو نفسه الى الرجز ؟
والقلب منها جاهد مجهود
نعم ليس بينها أى فرق فى الحركة لا من ناحية الكم ولا من ناحية الكيف
- - - يا صاحبي الحريل والقلب من
- - - رحلى أقل حى والعصا ها جاهدن
- - - لا عذلى للعبدى مجهودو
ولا يمكن إرجاعها بأجمعها إلا إلى إيقاع واحد : الرجز . فكيف يزعم الخليل بعد هذا أن شاهده :
يا صاحبي رحلى أقلا عذلى
هو من السريع ؟ وكيف برهن عليه ؟ ولقد كنا نفكر منذ قليل أن يتنازع التفعيلة إيقاعان ؟ فكيف بنا إذا كانت التفعيلة متنازعة بين إيقاعات ثلاثة : الكامل والرجز والسريع ؟
الكامل الرجز السريع
- - - متفاعلن مستفعلن مستفعلن
- - - متفاعلن مستفعلن مستفعلن
- - - متفاعلل مستفعل مفعولا
وهو ما لا يكون إلا ادعاء وبهتانا . فهو " غلط " محض و " زيف " صرف و " غش " مكشوف .
- فأما الغلط فيتمثل فى اختلاط الرجز والكامل لعدم اعتبار الفارق بينهما بين المقروء والمنطوق
- وأما الزيف والتزوير فيتمثل فى اختلاف التفعيلة ( مفعولات ) وتسليطها على السريع غصبا واقتسارا بما يتنافى والمعطيات الشعرية ليجد مكانه فى الدائرة .
- وأما الغش فيتمثل فى اختلاف علة ل ( مفعولات ) تكون بها ( مفعولا) من غير أن يوجد شئ من المعطيات الشعرية يدعو الى ذلك أو يستوجبه فتكون ( مفعولا ) علة مختلفة لتفعيلة مختلفة هي الاخرى . ويكون ذلك هو عين الزيف والتزوير والتمويه والغش . لان ( مفعولن ) و ( متفاعل ) بسكون التاء واللام و ( مستفعل ) بسكون اللام و ( مفعولا ) ما هي إلا شئ واحد بالنظر الى القيمة الحركية كما تجسمها الكتابة والتفاعيل ، فهى متساوية بل متطابقة تطابقا تاما . وأما محاولة التمييز بينها بالاعتماد على ما بينها من الفوارق الصوتية فالسذاجة بعينها . هذا اذا احسنت الظن ، وإلا لم يكن شئ هو أقرب الى ذلك وأشبه به من الغش
هذا ويبلغ الغش أقصى درجاته عندما تستعصى عليه الشواهد . من السريع - لعدم وجود بحر سريع مستقل كما بينا فى النظرية - فيستقيها وبلا تحرج من الرجز وغير الرجز
- فأما ما استقاه من الرجز فشاهده
يا صاحب رحلى أقلا عذلى
ويطابقه هذا الذى ساقه هو نفسه شاهدا فى الرجز
القلب منها مستريح سالم والقلب مني جاهد مجهود
- وأما ما استقاه من غير الرجز فكهذا الذى يأتى :
يا أيها الزارى على عمرو قد قلت فيه غير ما تعلم
.
ابقه هذا البيت من يتيمة الدهر وهى من الكامل
فالوجه مثل الصبح مبيض والشعر مثل الليل مسود
ذلك إن كانت العروض ( عمرو )كعمرو بن العاص . وإن كانت ( عمر ) كعمر بن الخطاب فكهذا البيت من القصيدة نفسها :
أجمل إذا حاولت في طلب فالجد يغنى عنك لا الجد
هذا ولا ينحصر الخلط بين الايقاعات عند الخليل فى رجز أو كامل أو سريع بل يتعداها الى بحور كثيرة
ومن ذلك هذا الشطر الذى ينسبه الى الطويل وليس من الطويل . ولكن من الرجز السريع
هاجك رسم دارس باللوى
- وهذا البيت الذى ينسبه الى الوافر وما هو من الوافر . ولكن من الرجز
منازل لفر ثنى قفار كأنما رسومها سطور
- وهذا البيت الذي ينسبه الى الكامل وليس من الكامل . ولكن من الرجز :
يذب عن حريمه بنبله وسيفه ورمحه ويحتمي
- وهذا ايضا وهو رجز استشهد به فى الكامل
منزلة صم صداها وعفا رسمها إن سئلت لم تجب
- وهذا البيت الذى ينسبه الى المنسرح وليس من المنسرح ولكن من الرجز :
قالت وأبدت ردا ويلم سعد سعدا
وهي في صيغة الارجين فليس فى أمره من شك . ومثله هذا وهو ايضا من الرجز وقد ضمه الى المنسرح
وقال لى باستعبار صبرا بني عبد الدار
بسكون الروى .
-وهذا البيت الذى ينسبه الى المضارع . وليس من المضارع ولكن من الرجز :
قلنا لهم وقالوا كل له مقال
- وهذا الذى ينسبه الى الرمل وما هو برمل ولكنه رجز
إن سعدا بطل ممارس صابر محتسب لما أصابه
بسكون هاء الروى ويعضد رأينا فيه عجز هذا البيت الذى سبق ذكره . وهو مما يضيف هذا المقام عن شرح تفاصيله :
منزلة صم صداها وعفا رسمها إن سئلت لم تجب
وغير ذلك كثير مما يدل على طول المسافة التى تفصل بين الايقاع والخليل . ولا شك أن المختصين قد لاحظوا ذلك مثلنا ولكنهم لم يجرأوا على مجادلة " الخليل " .
3 ) وأما قولك إنه قد حز فى نفسك قول يشتغل بدراسته أقوام غرباء عنه دخلاء . وقولك : وأما أن ننكر على غير المختصين حق البحث . وهو ما عبتني فيه باشتراط الاختصاص على أهل البحث فانى لا أزال على رأيي لأني سأظل أعتقد ابدا أن أهل الاختصاص هم أعرف الناس بميادين اختصاصهم وبالتالى أجدر ألا يخطئوا فيها - وإن كان لهم أجر في الخطا - وأحرى أن يقولوا قولا سديدا . هذا وبودى لو اطنب القول فى هذه
المسألة لأهميتها . ولكن ما عسى أن أبلغ فيها بعد الذى بلغه الامام عبد القاهر الجرجانى فى كتابه " دلائل الاعجاز " ولماذا أقول وقد كفانى مؤونة القول ؟ فاليك مقالته عسى أن يتعظ بها قوم غافلون
قال الامام " واعلم أن القول الفاسد والرأى المدخول اذا كان صدوره عن قوم لهم نباهة وصيت وعلو منزلة فى أنواع من العلوم غير العلم الذى قالوا ذلك القول فيه ، ثم وقع فى الالسن فتداولته ونشرته وفشا وظهر وكثر الناقلون له والمشيدون بذكره ، صار ترك النظر فيه سنة والتقليد دينا ) 1 ) ورأيت الذين هم أهل ذلك العلم ( 2 ) وخاصته والممارسون له والذين هم خلقاء أن يعرفوا وجه الغلط والخطا فيه لو أنهم نظروا فيه كالأجانب ( 3 ) الذين ليسوا من أهله فى قبوله والعمل به والركون اليه ( 4) . ووجدتهم قد أعطوه مقادتهم وألانوا له جانبهم وأوهمهم النظر الى منتماه ومنتسبه ( 5 ) ثم اشتهاره وانتشاره وإطباق الجمع بعد الجمع عليه أن الظن به أصوب ( 6 ) والمحاماة عليه أولى . ولربما - بل كلما - ظنوا أنه لم يشع ولم يتسع إلا لأن له أصلا صحيحا ( 7 ) وانه أخذ من معدن صدق واشتق من نبعة كريمة . وانه لو كان مدخولا ( 8 ) لظهر الدخل الذى فيه على تقادم الزمان وكرور الايام . وكم من خطا ظاهر ورأى فاسد حظى بهذا السبب عند الناس حتى بوؤوه فى أخص موضع من قلوبهم ومنحوه المحبة الصادقة من نفوسهم وعطفوا عليه عطف الأم على واحدها . وكم من داء دوى قد استحكم بهذه العلة حتى أعيا علاجه وحتى بعل به الطبيب ( 9) . ولولا سلطان هذا الذي وصفت على الناس وان له أخذة تمنع القلوب عن التدبر وتقطع عنها دواعي التفكر لما كان يرسخ فى النفوس هذا
الرسوخ وتتشعب عروقه هذا التشعب مع الذي بان من تهافته وسقوطه وفحش الغلط فيه . وإنك لا ترى فى أديمه - من أين نظرت وكيف صرفت وقلبت- مصحا ، ولا تراه باطلا فيه شوب من الحق ، وزيفا فيه شىء من الفضة ، ولكن نرى الغش بحتا والغلط صرفا ؛ ونسأل الله التوفيق "
ذلك أورثناه الاولون أفلا يعتبر الآخرون ؟ بل أفلا يخجل المعاصرون ؟ ووجه العبرة فيه أنه يتضمن وصفا مثيرا لخطر التقليد فى مجال العلم ، وما يركب عقول الناس فيه من الوهم الذى لا يكاد يستقر فيها ويستولى عليها حتى يستبد بها فاذا هي كأنها فى أكنة أو دونها حجب أو عليها غشاوة فهم لا يبصرون . واذا هم كأنما غشيهم سحر أو تملكهم ذعر فهم ذاهلون . فاذا أتاهم اليقين صدوا عنه وسخطوا منه وبرموا به وتولوا معرضين يبيعون الحقيقة بالزيف ويشترون الغواية بالرشد بئس التجارة وساء ما كانوا يشترون تلك المحنة ابتلى بها الامام وابتليت بمثلها فلما عرضت لى مقالته رأيت أن أدرجها هنا عسى أن تكون شهادة لى وتبصرة لقوم يتفكرون

