إن سنوات ثلاثا مضت على صدور كتابي "نظرية إيقاع الشعر العربى" الذي بسطت فيه رأيي في قضية تتصل باحدى الدعائم الاساسية للفن العربى والاسلامي وهي قضية الايقاع الشعرى العربى . ولقد تميزت تلك النظرية من التضارب مع النظرية التقليدية بما كنت أعتقد أنه سيثير اهتمام النقاد والمختصين ويحرك هممهم للنقاش والجدال بالقدر الذي يستوجبه الامر وتقتضيه الحال . ولكن مدة ليست بالقصيرة قد مضت والمختصون والنقاد يلزمون الصمت . لماذا ؟
ولقد تساءلت عن هذا الامر غير ما مرة فلم أجد لهذا السكوت سببا معقولا ولا مبررا مقبولا ، حتى فوجئت فى عددى أكتوبر ونوفمبر من مجلة الفكر بمقال للاستاذ محمد الهادى بسباس بعنوان "بين العروض والايقاع" تصدى فيه لنقد نظريتي بما لا يمكن لمثله أن يقوم شاهدا لى أو حجة على إذ لم يكن ناقدنا من أهل الاختصاص ولم يكن غرضه من الكتابة إلا الكتابة يلهو بها بعد الفراغ من عمل الدين والدنيا فيكتب أى شئ وفى أى موضوع ويجادل المختصين وليس بصاحب اختصاص ، ويتعجب أن اشترطت في صاحب البحث أن يكون مختصا فى موضوع بحثه كأني قلت هجرا أو أتيت بدعة وكفرا . ولو كان من اهل البحث لعرف معنى التخصص الذي هو التفرغ بل الذهول التام عن جميع المواضيع لفائدة موضوع واحد يحتك به مليا ويباشر مشاكله بكرة وعشيا فيجول فى آفاقه ويغوص فى أعماقه ويتجشم فيه من المجاهدة والمعاناة ما يكون
حريا أن بذلك له الصعاب وخليقا أن يعالج له مغالق الابواب فيقول عن حكمة وعلى ويسكت عن أناة وحلم ، وهو السكوت الايجابي الذي لا يكون إلا بمقدار فيكون له أكثر من دلالة وأكثر من معنى . وأما السكوت الذي التزم فى شأنى فانى صرت أخشى أن لا يكون له من دلالة أو معنى إلا التخلى عن الواجب والتفصى من المسؤولية والهروب من الواقع . وهو ما جعلني وأتفكر وأتأمل واتساءل ، ترى هل يكون مرجع صمتهم الى مخالفتى لما هو معروف وتحيزهم لما هو مأنوس ومألوف ؟ ولكن متى كان شئ هو ابعث على الجدال والنقاش من تضارب المعارف وتعارض المواقف ! أم ترى يكون ذلك إنما اتى من قبل غموض المفاهيم وعدم الاستعداد من الناحية التكوينية لتقبلها ؟ ولكن متى كان السكوت وسيلة لتدارك النقص أو سبيلا لازالة الغموض ! ولو شئنا ان نلتمس لأحد عذرا عن سكوته فما عذر المختصين . بل ما حجتهم اذا سالهم التاريخ " ما خطبكم إذ طلع عليكم كتاب النظرية فاثاقلتم ؛ وما منعكم إن كان فيه حق أن لا تؤيدوه وإن كان فيه باطل ألا تفندوه ؟ أو لم يبلغكم انه ليس شئ هو أشرف من إحقاق حق إذا بهر أو إبطال باطل إذا ظهر ؟ أم ما منعكم من قول الحق حين لزم بما يقتضيه الشرف والدين؟ " ولكن لندع المختصين لشرفهم ودينهم وللتاريخ . فلعل همة أن تنهض وعسى ضمير أن يستيقظ ولعل امرا أن يكون .
ولنلتفت الى الاستاذ الهادى بسباس الذي إن أعوزته خبرة المختص المتشبع بالمادة فانه لا تعوزه شجاعة المثقف الذى لا يقنعه من النظر فى انتاج المنتجين اقل من إبداء الرأى فيه بصراحة وصدق وإن كان الانتاج من الصنف الاختصاصي كموضوع النظرية ولم يكن من أهل الاختصاص ولم يكن له من الالمام بالموضوع إلا ما يكون عادة لاستاذ العروض فى السنة الثالثة من التعليم الثانوى ، والذي هو عند هذا المستوى - مستوى البحث - قليل جدا لا يفى بالحاجة.
ولكن لا يسعنا رغم ذلك إلا أن نرحب بنقد الاستاذ الذى لو لم يكن له إلا فضل الشجاعة وشرف المبادرة لكان له ذلك عملا أصيلا وشرفا أثيلا . ولكن مهما بالغت في شكره فانى لا أنسى ما يقتضيه الامر من الرد على نقده بما لا اقصد من ورائه سوى حصر المجال وتصحيح المقال . هذا وإنك لمؤاخذى بأمور انا راجع بك اليها امرا أمرا فمفصل لك إياها فصلا فصلا عسى حجة أن تسطع وعسى التباس أن يرفع والله ولى التوفيق
1) فأما قولك إن الخليل لم يكن بيده عقليا ولا تاريخيا أن يستفيد من اكتشافات القرن العشرين إذ لم يكتب له البقاء حتى يدرك عصر التكنولوجيا الحديثة هو الذى عاش فى القرون الوسطى ، فانه قول مردود لاسباب :
- أولها : أن الخليل بن أحمد لم يكن في حاجة الى التقنيات الحديثة اذ لم يكن يزمع أن يقوم برحلة الى المريخ وإذن فما شأنه وشأن التكنولوجيا ؟
- والثانى : أن كل ما كان يطلب من الخليل هو أن يوفق فى تفسير الظاهرة الايقاعية فى الشعر العربى وكيفية تأليفها وظروف استعمالها مع تجسيمها للبصر والسمع بطريقة كفيلة بتصويرها تصويرا حقيقيا دقيقا . وما كان ذلك ليستعصى عليه لو كان من أهل الفن وإن عاش فى القرون الوسطى.
وحجة ذلك انه إن كان صحيحا أن المترونوم قد استنبط فى القرن السابع عشر وان السوناغراف قد استنبط منذ عقود قليلة فانه صحيح أيضا أن غيدو داردزو قد وضع طريقته فى ترقيم الايقاعات والالحان في القرن الحادى عشر للميلاد أى فى القرون الوسطى أيضا وبلا استعانة بسوناغراف ولا ميترونوم . هذا ولا يغرنك الفارق الزمني بين الخليل وزميله الايطالى فان القرن الثاني للهجرة فى بلاد الاسلام هو أشبه بالقرن الخامس عشر فى بلاد الروم وإن القرن الحادى عشر الميلادي في أوربا هو أشبه بعصور الجاهلية عند العرب هذا ولا أعتقد أن نظرية صحيحة فى ميزان الشعر أو طريقة موفقة فى الترقيم الموسيقى تعادل فى الصعوبة والخطورة كتاب الجبر والمقابلة للخوارزمى وليس بينه وبين الخليل إلا عقود قليلة من السنين . لاحظ أن الغربيين فى القرن الحادى عشر لم يزالوا يتخبطون فى فهم الارقام العربية واستعمالها.
- والثالث : أن الآلة مهما كانت متطورة لا غنى لها عن معطيات تستفيدها من الانسان . وكذلك السوناغراف . فليس له من دور سوى تجسيم الايقاعات للبصر على غرار الآلة المسجلة التى تدونها للسمع . وليس السوناغراف هو الذي يتولى عمليات البحث والتنقيب عن الايقاعات فى الشعر . وأنى له ذلك وهو لا يحسن القراءة لا بالانكليزية ولا بالروسية فضلا عن العربية . فلا تتجاوز وظيفته التقاط الاصوات لتجسيمها للبصر . فان كانت نثرا جسم حركة عادية لا تتميز بشئ من النسبة أو النظام وإن كانت شعرا جسم حركة ايقاعية بكل ما لها من المميزات شريطة أن يكون الملقي مصيبا فى إلقائه . فلا يصلح مثله إلا لتأييد نتيجة أو دحضها.
وأما الدور الرئيسى فملقي على أكتاف الباحث هو الذي يتدبر الحركة فى الشعر بحسه وحدسه ووعيه الصحيح بمرور الوقت . فيتصور الايقاع بمختلف عناصره من لها من النسب والكيفيات فيجسمها للسوناعراف ويجسمها السوناغراف للبصر انطلاقا من أدائه . وما مثل السوناغراف إلا كمثل العقل الالكترونى يفتقر أبدا إلى معطيات صحيحة من توفير العقل البشرى . فتبقى الآلة آلة لا أكثر ولا أقل.
وأما المترونوم فلا يزيد شأنه على أنه آلة تعليمية بسيطة تعتمد فى تلقين المبتدئين كي يحافظوا على درجة السرعة ومقادير النسب . واما الفنان فله من دقة الحس وقوة الوعي بمرور الوقت ما يجعله فى غنى عنه . وهو ما يسميه علماء النفس المترونوم الداخلى le metrohome interieur . واعلم انه لم يتسن لى ان استعمل جهاز السوناغراف إلا منذ سنتين . فجاءت النتائج مؤيدة لما كنت قد توصلت الى الكشف عنه بالحس منذ أواخر الستينات بلا مساعدة من آلة أو غيرها .
2) وأما قولك إن التفاعيل كانت الحصن الحصين الذي لاذت به الايقاعات الشعرية فحماها وحمي الشعر من التلاشى والذوبان فاعلم أن الذي حصل هو العكس تماما . لان الخليل قد سعى الى إتلاف الايقاعات من حيث لا يحتسب وحجة ذلك هذا الذي اقتطفه لك من مقدمة كتاب لى تحت الطبع بعنوان "الكميات اللفظية والكميات الايقاعية فى الشعر العربى".
ان النبهاء المتبصرين لعلمون أن علم العروض لم يتول حفظ الايقاعات بقدر ما عمل على طمسها وسعى الى إتلافها . ولقد كانت تضيع فعلا لولا الشعر الذي تولى حفظها حقا . ولا أدل على ذلك من هذه التجربة التى نجريها الان على أحد البحور .
لنعتبر إيقاع المقتضب . ولنفترض أن كل ما قيل فيه من الشعر قد ضاع ولم يبق لنا منه ولو بيت واحد . فانه لا يكون لنا من معول فى معرفته إلا على التفاعيل وعلم العروض الذي ينبغي أن يكون قد وضع بنية حفظ الايقاعات من التلف والضياع كما وضع علم النحو بنية حفظ اللغة من التحريف والفساد .
فاذا رجعنا على علم العروض وأردنا أن نعتمد عليه في معرفة إيقاع المقتضب أفادتنا الدوائر الخليلية والتفاعيل العروضية أن المقتضب هو ما تجسمه التفاعيل الآتية :
(مفعولات مستفعلن)
- - - ل - - ن - 2 1 2 2 1 2 2 2 14
واذا بعلم العروض يفيدنا عن المقتضب أنه إيقاع ثقيل ذو أربعة عشر عنصرا لأن الوحدة الزمنية فى إيقاع الشعر العربي هى ما يتسع للمقطع المقصور فيستغرق وقتا واحدا ويستغرق الممدود وقتين وهو أمر معروف لأن:
ن ن = -
واذا أنا وجدته فى علم العروض على تلك الصورة وأردت أن أنظم فيه شعرا جاء ذلك الشعر على ذلك الشكل الذى نصت عليه الدائرة ؛ أعني كالآتى :
(يا من ردنى خائبا - - - ن - - ن - 2 1 2 2 1 2 2 2 14
لا يستيئس الطالب) - - - ن - - ن - 2 1 2 2 1 2 2 2 14
فاذا قارنا بين ذلك وبين ما وصل إلينا من الشعر المنظوم فى الواقع على بحر المقتضب وجدنا شيئا آخر لا يطابق البتة ومختلفا عنه أشد الاختلاف (اسمع) ولا أقول (انظر) لأن الأمر فيه واضح حتى للسماع :
(يا مليحة الدعج - ن - ن - ن ن - 2 1 1 2 1 2 1 2 12
هل لديك من فرج) - ن - ن - ن ن - 2 1 1 2 1 2 1 2 12
واذا بالتفاعيل الصحيحة والمجسمة لهذا الايقاع هى : (فاعلات مفتعلن) وليست (مفعولات مستفعلن) التى تنص عليها الدائرة . ويظهر الفارق بينهما
بما لا يقل عنصرين يستغرقان وقتين تقطع فيهما الطائرات الحديثة ما تقطع من المسافة . فليس شأنهما بالأمر الهين . وباختلاف الكميات تختلف الكيفيات التى بها يتميز الايقاع بما يتميز به من الطابع واللون ونوع التأثير وغير ذلك من القيم الادبية والدلالات المعنوية والطاقات التعبيرية.
لاحظ أن ما استخرجناه من الدائرة وأجرينا عليه التجربة بالنظم هو ايقاع - لا ينكر ذلك أحد - لم تبرزه التفاعل وأبرزه الكلام عند النظم . فاذا اعترفت بذلك تكون فى نفس الوقت قد اعترفت بأن الخليل بن أحمد النحوى لم يكن مهتما بحفظ الايقاعات بقدر ما كان مهتما بتضييعها ؛ إذ قد ترك إيقاعا رملا يضيع - لولا الشعر - ودون لنا إيقاعا آخر ثقيلا أى من صنف اخر مخالف تماما . أفلم بأن لأسطورة العروض أن تفضح رسميا وتلغي نهائيا ؟
ولا أحتاج إلى تعليل هذا الخلل والنقص فى عالم العروض بقولي : إن الدوائر التى رسمها الخليل هي المتسببة فيه لأنه لولاها لجسم هذا الايقاع بالتفاعيل الكفيلة بتجسيمه تجسيما - عند هذا المستوى - وافيا بالحاجة وهى :
(فاعلات مفتعلن)
ولكنه لو ادخل الى دائرة المشتبه وهو على هذه الصورة لخرجت منها البحور الاخرى . فاضطر الخليل الى تلفيقه بما يفيض عن حجمه الحقيقى كي يجد مكانه فيها ؛ وهو أمر واضح لا يحتاج الى بيان . فقد رأيت ما سعت اليه التفاعيل من اتلاف المقتضب وما تولاه الشعر من رعايته والمحافظة عليه . ولو ضاع الشعر لضاع إيقاعه معه . ولو ضاع علم العروض لم يضر الشعر ذلك شيئا ولبقى الايقاع فى ضمنه محفوظا كالذى كان من أمره طيلة عصور الجاهلية وعصور الاسلام الاولى قبل علم العروض.
ولو صح أن التفاعيل هي التى تولت حفظ الايقاعات من التلاشى والذوبان والتحريف - كما زعمت - للزم أن يكون إيقاع هذين البيتين لأبى العتاهية :
للمنون دائرا ت يدرن صرفها
ثم ينتقيننا واحدا فواحدا
أو هذين له ايضا :
عتب ما للخيال خبرينى ومالي
عتب ما لي أراه طارقا من ليال
قلت للزم أن يكون إيقاعاهما قد ضاعا إذ استنكف الخليل من حفظهما بتفاعيله لأنهما يفسدان عليه أمر دوائره . ومع ذلك فقد كتب لهما البقاء الى يوم الناس هذا بلا راع يرعاهما ولا وال يلى أمرهما سوى الشعر . وغير ذلك كثير مما استنبط على مر العصور بعد القرن الثاني ولم يحفظه لنا الا الشعر المتقيد بحركته فيومىء اليها ويدل المنشد والسامع عليها.
وحتى فى الحالة التى يتعرض فيها بيت للتحريف فانه لا ينبغي أن يعتقد امرؤ بأن للتفاعيل دورا - مهما كان ضئيلا - فى استصلاحه أو إرجاعه الى صورته الاصلية . ولا معول فى ذلك إلا على الحس الايقاعى والوعى الصحيح بمرور الوقت . ذلك ما يثير الشك فى سلامة البيت ويدل على تحريفه إن كان محرفا بلا استشارة للتفاعيل كما لم أستشرها فى معرفة فساد هذ البيت الذي سقته فى مقالك :
أقام بخيمات المذلة والارها ب واليأس والأحقاد لا يعرف البشرا
وهو بيت مختل فى وزنه لا يحسن مثله أن يدرج فى مقال يتصل موضوعه بالعروض والايقاع . ولقد سميت هذا الخلل فسادا ولم أسمه تحريفا . وذلك لأن التحريف هو خلل يصيب البيت بعد وضعه . وأما هذا الذي أسمع فالفساد متأصل فيه منذ وضعه بل مستقر قبل ذلك في ملكة القائل.
وليست التفاعيل هى ما دلنى على اختلال الوزن ، ولم يدلني عليه إلا مخالفته للنموذج الحركى لميزان الطويل كما انطبع فى نفسي واستقر في حسى بفضل الحفظ الذى تزدرى شأنه والذى لو لم يكن للاقتصاد فيه إلا هذه العاقبة لكان غبنا ظاهرا وكسبا خاسرا وحظا عاثرا وتسأل الله السلامة.
ولقد سألتنى عما اقترفته التفاعل من الذنب فاعلم أن لها من الذنوب والعيوب ما يجل عن الحصر . ولكنى نازل رغم ذلك عند رغبتك فذاكر لك طرفا منها .
فمن ذلك أنها بعد أن تفيدنا أن الممدود يساوى مقصورين كما فى الكامل حيث يتساوى (مت) بتحريك التاء و (مت) بتسكينها بما يسمح لنا أن نكتب :
ن ن = -
اذا هى تفيدنا بعد ذلك أن المقصور والممدود متساويان فى القيمة كما فى الرمل حيث يتساوى (ف) بالقصر و (فا) بالمد بما يسمح لنا ان نكتب :
ن = -
وهو ما يتناقض ومبادئ اللغة ويتضارب ومبادئ الايقاع وينسب النظرية الكمية نسفا . حتى إذا جاء الباحثون لتدارس واستكشاف مجاهله اعترضهم ذلك التناقض الذي هو من تسبيب التفاعل فتحيروا وارتبكوا ولم يعلموا اى سبيل يسلكون . حتى إذا أعجزهم أمر الكميات وأذهلهم شانها زهدوا فيها ويئسوا من حل للقضية يأتي عن طريقها فأعرضوا عنها وتشاغلوا بما ليس من شأنه أن يزيد المشكلة إلا غموضا والتواء كمسألة النبر عند "فايل" ومن لفه لفه فاذا هو في عمياء من أمرهم وذهول عن قصدهم فهم لا يهتدون . ذلك من إجراء التفاعيل . هذا ولو لم تقترف سواه إثما ولم ترتكب إلا إياه جرما لكان معرة فاضحة ومضرة فادحة.
ولو دعيت الى شرح العلة في اختلال التفاعل وما ارتكزت عليه من الأضاليل لكان الجواب في منتهى اليسر وإن شق أمره على الباحثين.
وعلة ذلك أن التفاعل لم توضع لتصوير الايقاعات كما كانت تقوم فى الصدور وكما كانت تنطلق من الشفاه وهذا هو المطلوب ولكن كما كانت تقوم في الكتابة . والكتابة إنما وضعت لتدوين النثر الذى لا يشتمل من العناصر الا علي المقصور والممدود . فوضعت وضعا مطابقا لذلك . فهى مضطلعة بتصوير الحركة اللفظية فى النثر تصويرا كافيا يتحقق معه التطابق التام الذي ينبغى أن يحصل بين المقروء والمنطوق.
وأما الشعر فله شأن آخر لأنه ليس بحركة لفظية فحسب ولكنه حركة لفظية وحركة إيقاعية . ومن تصدى لتدوينه بنفس الكتابة التى توخيت في تدوين النثر فانه لن يدون منه إلا حركته اللفظية . وأما الحركة الايقاعية فى الشعر فلم يوفق أحد من الامم فى تجسيمها تجسيما حقيقيا لا من اليونانيين ولا من الغربيين ولا من العرب حتى جاءت نظريتنا منذ بضع سنوات . ولقد اجزمت أكثر من مرة أن الايقاع لم تحفظه لنا التفاعل ولم تحفظه لنا الكتابة ولم يحفظه إلا الشعر المدون بالكتابة . ومعنى ذلك أن القارىء الذي يقر الشعر فى صحيفة مكتوبة فانه لا يجد فيها من تجسيم الخصائص الحركية إلا ما يكون عادة للنثر من توفر على تجسيم المقصور والممدود ليس إلا . فماذا يحصل ؟
الحاصل هو أن القارىء لا يقتصر فى قراءة الشعر على المعطيات المكتوبة لأنها دون أن تفي بحاجة الشعر . ولكنه يضيف اليها عند تجسيمها تجسيما صوتيا كل الخصائص الاخرى التى تخلو منها حركة النثر وبها تتميز حركة الشعر من إسكات واهتضام وتعرية وقلب وما الى ذلك . وهي هي الحركة الايقاعية التى يومئ الشعر عند قراءته اليها ويدل المنشد والقارىء عليها فيكون شأن القارىء اذا قرأ أن يجسم لنا بصوته حركة هي غير الحركة التى يقرؤها من الصحيفة كما دونت فيها وبحيث يختلف المقروء والمنطوق تماما
كيف دون الشعر فى الصحيفة وفي العروض ؟

