الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

رسالة المكتبة عبر الاجيال

Share

اذا تحدثنا عن المكتبة ورسالتها فانما نتحدث عن عامل من أقوى العوامل  التي تبث نور المعرفة بين الاجيال ، فمنذ أقدم العصور وهي تلعب دورها  الطليعي كأعظم أداة لتوعية الجماهير والاخذ بيد الافراد الذين يريدون بناء  شخصيتهم وكيانهم الثقافي على أساس من الخبرة متين . وقد واكبت المكتبة  كل الحضارات التي غيرت مجرى الحياة وتركت للأجيال القادمة أعظم تركة  ثقافية يرثها خلف عن سلف.

فالحضارة البونيقية التي شعت انوارها من مدينة قرطاج وغمرت حوض  البحر الابيض المتوسط بأجمعه ، وكانت نتيجة أفكار خبرت الدهر ودرست  هذا الوجود ثم سجلت كل ذلك في صحائف بقطع النظر عن المادة التي كتبت  بها أو عليها ، لا يزال لها وزنها التاريخي الى اليوم . فكانت المكتبة الشهيرة  التي أسست فوق جبال ( بيرصة ) بقرطاج هى المكان الامين الذي احتضن  تلك الافكار وذلك التراث العلمي العظيم الذى لو لم يكن منه الا موسوعة  ( ماغون ) الزراعية لكفاه ذلك فخرا تلك الموسوعة التى نالت اعجاب العالم  وترجمها الرومان الى لغتهم وانتقلت الى بيت الحكمة بالقيروان حيث ترجمت  الى العربية . كذلك وصلنا من الادب البونيقى رحلة ( حنون) الى غربي  افريقيا بحرا ورحلة ( عملقون) الى انقلترا ، فلولا هذا المكان الامين أو  بالاحرى لولا المكتبات التي حفظت لذا أمثال هذه الكنوز لما تحاككت الافكار  ولما التقت امواج الحضارات وامتزجت انهارها لتسقى شجرة الانسانية الظمأى الى مثل هذه المياه المنعشة.

واذا كانت الحضارة الفكرية اليونانية هي المنبع الفياض الذي اغترف منه العالم بأسره مما جعل مبادئ الفلسفة وأصول الثقافة لا تزال ترتكز على

أفكار علماء وفلاسفة ذلك الزمان من أمثال سقراط وأرسطو وأفلاطون ، فان  هذه الافكار لا يمكن ان يكتب لها الوصول والانتشار لو لم تدون في كتب  وتحفظها المكتبات . حينئذ فالمكتبة كانت ولا تزال جزءا لا يتجزا من تاريخ  البشرية وعاملا هاما في تطور المجتمع الانساني ويقع عليها عبء كبير يلزمها  القيام به في البيئة المحلية التي توجد بها وفى حياة الامة ثم الانسانية قاطبة.

وكلنا يعلم الدور الذي لعبته مكتبة الاسكندرية فى عصور ما قبل المسيح  هذه المكتبة التي كانت تحوي ما يقرب من 700 ألف مجلد والتي أسست في  أوائل القرن الثالث ق. م. في عهد « بطليموس » الاول وكانت الى جانب ذلك  معهدا علميا انجب علماء لهم وزنهم ومكانتهم فى التاريخ من أمثال ( ارشمیدس) صاحب الافكار والنظريات الشهيرة و ( جالينوس) الطبيب  الذي يلقبه العرب بالرجل الفاضل لما اشتهر به من علم وفضل و ( هيرون)   العالم الاسكندرى الذى كان أول القائلين بنظرية الصواريخ التي تطورت مع  الزمان حتى صارت معجزة هذا العصر.

واذا كانت هناك بعض المكتبات الاشورية والمصرية القديمة فان لمكتبة  الاسكندرية مكانتها العالمية نظرا لرصيدها العظيم من الكتب ولميزتها الخاصة  وهى : أن كتابتها كانت على أوراق البردى بينما المكتبات الاولى كانت على قوالب الطين.  

ولقد تعرضت مكتبة الاسكندرية فى سنة 47 ق . م . الى حريق هائل حيث ثارت الاسكندرية على قيصر وحوصر بها فكان هذا الاحراق أعظم نكبة أصابت العالم ونزلت بمعنوياته الى الحضيض.

وعندما فتح العرب مصر وتم جلاء البيزنطيين عنها وضعوا أيديهم على  مكتبة الاسكندرية ولم يجدوا بها الا بقية من كتب المهاترات الدينية المكتوبة  باليونانية . وكانت أبغض ما تكون عند الاقباط الذين قاسوا الويلات من  حكم البيزنطيين فتشوقوا للقضاء عليها وبذلك لم ير المقوقس وأصحابه بأسا  في حرق بقيتها وتوزيعها على حمامات الاسكندرية كطعام للنيران.

أما أولائك المتعصبون الذين يمقتون العرب والاسلام من أمثال القس أبي  الفرج المالطي والذين يريدون اظهار العرب في مظهر البرابرة المتوحشين فقد  نقلوا رواية مكذوبة تقول : ان عمرو بن العاص هو الذى أحرق المكتبة بأمر من عمر بن الخطاب ، وهو قول سخيف لم يقم عليه دليل .

كذلك اشتهرت مكتبة ( برجامون) بآسيا الصغرى التي انشأها  ( أمينيس ) الثانى فى أواسط القرن الثاني قبل المسيح كي تنافس مكتبة  الاسكندرية عاصمة مصر في ذلك الزمان وقد حاول ( بطليموس) عرقلة  مشروع ( أمينيس) فمنع تصدير البردى من مصر ولكن ( أمينيس) التجأ  الى جلود الضان والماعز لاستعمالها في الكتابة فنجح في ذلك الى أبعد الحدود.

واشتهرت أيضا دار العلم أو ( بيت الحكمة) التي أسسها هارون الرشيد  واعتنى بها المأمون من بعده ، فكانت مصدر اشعاع فکری غمر كل نواحی  العالم العربي ، وهى الى جانب كونها مكتبة هي معهد علمى انطلقت منه حركة  شاملة للترجمة والتأليف والنشر مما جعل ذلك العصر من أزهى العصور  التي بلغت فيها الحضارة الاسلامية قمة مجدها في جميع ميادين الحياة كذلك  اشتهرت ( بيت الحكمة) بالقيروان شهرة واسعة بما كانت تحويه بين  جوانحها من تراث هو خلاصة كل ما خلفته الحضارات السابقة ، وأعظم ثروة  جادت بها قرائح أهل ذلك العصر ، وهي جامعة تدرس فيها كل العلوم الحية  كالهندسة والطب والفلك والرياضيات ، وهى بيت لترجمة الكتب الاجنبية  خصوصا عن اللغة البونيقية والبربرية ، وهي مقام للعلماء يجدون فيه الماكل  الفاخرة والمرافق اللازمة للترجمة والتأليف ، وحتى لا يشغلهم أي شاغل عن  البحث والدرس.

وقد تخرج من هذا البيت أطباء كبار من أشهرهم أحمد ابن الجزار  ومترجمون عظماء نقلوا التراث العربي الى اللاطينية أمثال : قسطنطين  الافريقي الذي اشتهر بهذا الاسم عند الاوربيين . وقد أسس هذا البيت  أحد ملوك الاغالبة وهو ( ابراهيم الاصغر) في أواخر القرن الثالث الهجرى  فكانت أجمل مثال لما ينبغى أن تكون عليه المكتبات ، ومن هنا نستنتج ما هي  رسالة المكتبة وما هو الدور الذي لعبته ولا تزال تلعبه في تغذية العقول ،  وكيف أنها سايرت كل الحضارات في مختلف العصور والازمان.

ولقد سارت المكتبات فى تونس على سنة التطور حتى أصبحت على ما هي عليه الآن من التأثير الفعال على مجرى الثقافة فى البلاد.

ففي العصور القديمة كانت المكتبات التونسية غير مستقلة بنفسها بل نجدها فى الاربضة عبارة عن مصطبة بها طاقات ، أو كوى فى الحائط توضع فيها الكتب . وفى الجوامع مثل مكتبة جامع الزيتونة وجامع القيروان وسوسة

وصفاقس الخ ... بحيث تتفاوت اهميتها بحسب ما تحويه من ذخيرة ثم تتوالى  السنون وتزدهر المكتبة الوطنية التونسية التي اصبحت تضم كل المصادر  القومية والعالمية زيادة عما تختص به من التبادل الثقافي بينها وبين المكتبات العالمية الكبرى ، ومن حق الايداع القانوني  ...

ثم تأسست المكتبة المركزية التي قوي رصيدها بعد الاستقلال وأصبحت  تمول جميع المكتبات العامة ، واستبدل اسمها فأصبحت تسمى بمركز تزويد  المكتبات العامة، ثم بالمركزية الفنية. ولقد كانت المكتبات العامة قبل الاستقلال  تعد على الاصابع مقتصرة على العاصمة وضواحيها يؤمها أفراد قلائل من  المحظوظين أما بقية أفراد الشعب التونسى المنتشرين في كل انحاء البلاد  وقتئذ فلا يهم السلطة الاستعمارية الحاكمة من انارة عقولهم شيئا . خصوصا  وهي تعتقد ان هذه الانارة وهذا التثقيف يرجع عليها بالوبال حين تتفتح  الاذهان وينكشف الغطاء عن أساليب الاستعباد والاستغلال البشعة التي  تسلكها ، فتكون الثورة التى تأتى على هذه الاساليب الملتوية من الاستثمار .

وعندما بزغ فجر الاستقلال انحسرت تلك الغيوم من الجهل والانحطاط  المتلبدة في سماء البلاد، وعمل الحزب والدولة التونسية على تنوير الاذهان  و نشر الثقافة خصوصا بواسطة المكتبات العامة التي تطورت بسرعة مذهلة  سواء من حيث العدد أو الرصيد أو النوع أو عدد القراء والمشتركين حتى  عمت كل نواحي الجمهورية، زياة عن حيوية ونشاط البلديات والمنظمات القومية  في هذا الميدان ، وزيادة عن المكتبات المتنقلة التي أصبحت تجوب القرى  والمداشر والارياف التونسية لتوصل الكتاب الى كل مواطن مهما بعدت به الدار ..

وبفضل ما تحويه المكتبات العمومية من الكتب المتنوعة المواضيع وبما يرد  عليها من المجلات والنشريات والصحف التي تعبر عن الحياة اليومية لعبت  دورها الفعال في توعية المواطنين وتنوير عقولهم ، خصوصا وأن طريقة  الاتصال المباشر هى المستعملة في هذه المكتبات حيث أن المطالع يتصل مباشرة  بالكتاب الذي يريد قراءته ويبحث عنه في الرفوف مستعينا بالجذاذات  والفهارس وبالعناوين التي يجدها على الرفوف وبالعلامات ذات الالوان المختلفة باختلاف المواضيع .

غير أن المكتبة التى تريد لنفسها النجاح فى مهمتها لا بد ان تراعي في اختيار الكتب رغبات وميول قرائها ومحبيها بحيث تشبع هذه الكتب نهمهم

وتناسب ميولهم التي تختلف باختلاف مهنهم واتجاهاتهم فهناك الفلاح  والتاجر والمهندس والطالب والمعلم وهناك من يميل الى التاريخ وآخر إلى  الفلسفة وغيره الى علم الاجتماع أو الآداب فلا بد اذن للمكتبة أن تشبع رغبات  كل هؤلاء كما يمكنها أن لا تقتصر على نشر الثقافة بواسطة الكتاب فقط بل  تنطلق منه الى القيام بأنشطة ثقافية أخرى لتحريكها واخراجها من  (الروتين) سيما اذا توفرت لها الامكانيات المادية والادبية للقيام بتلك الانشطة مثل المنابر الحرة والندوات الثقافية ومعارض الكتب الخ ....

ومن هنا لا بد من مراعاة المكان المناسب الذي توجد به المكتبة واستغلال  مساحتها بحيث تقدم أكبر قدر ممكن من الخدمات ، مع بعدها عن الضوضاء  والتشويش الذي يحرم القارىء من الفهم ومن تلك المتعة التي يجدها وهو  يناجي كتابه في هدوء وسكون سيما ونحن نسعى بكل ما لدينا من جهد لنوفر  له الاشياء الضرورية لراحته حين الدرس والاطلاع وبالتالى فلا بد أن يكون  بنى المكتبة جذابا أنيقا يحث الجمهور على الذهاب اليه وجديرا بأن يعمل على زيادة النمو الثقافي والفني والجمالي لرواده .

ومن جهة أخرى فلا بد أن تحوى المكتبة زيادة عن التراث القديم تلك الكتب  التي تقوم على تبسيط المعرفة ونشرها على نطاق واسع دون تعقيد بما تثيره  من تطلع نحو آفاق وتصورات جديدة ، وبما تعبر عنه من واقع الحياة الحاضرة  بحركتها الدائبة وتفاعلاتها في موضوعية وأمل.

وبما ان المصانع والمعامل لا تزدهر الا بمقدار ما يقدم لها من مواد خام ومن  مسيرين أكفاء فكذلك القواميس الجيدة ودوائر المعارف والبحوث والدراسات  الاساسية والمصادر الرئيسية للفكر الانساني في تطوره ومعالم الابداع  والتحول الثقافي في تراثنا الوطنى كلها مواد خام تمثل قاعدة من قواعد  الانتاج الفكرى . وينبغى أن تحتل مكانها في رفوف المكتبات كمنارة يهتدى بها كل من ضل الطريق والتبست عليه السبل .

واذا كانت مكتباتنا العامة في أشد الحاجة الى ما يعالج مسائلنا الفكرية  وقضايانا الاجتماعية معالجة ناجعة فان الضرورة تدعو مفكرينا وأدباءنا  الى الاهتمام بهذا المنهج في الانتاج الفكرى لينجح مخططنا الذي تقوم عليه ثقافتنا القومية المتجددة بتجدد الظروف والازمان.

وغني عن القول بأن بعض المفكرين التونسيين قد بدأوا يسيرون في هذا  الاتجاه مما يبشر بكل خير ، ويبعث الاطمئنان على مستقبل الثقافة في هذه  البلاد. فما علينا الا ان نطلع بكل شغف على انتاجنا التونسي ونشجع  اخواننا من المفكرين والادباء لان الوطني الصادق هو من يبتعد عن نفسية  الشعور بالنقص ازاء كل ما تنتجه الادمغة التونسية ويقلع عن الازدراء والتحقير لكل ما هو تونسي .

لان من واجبنا الايمان بأن عقول التونسيين ليست في طبيعة تركيبها  أحط مستوى من عقول بعض المشارقة او الاوربيين فهي قادرة على الخلق  والابداع اذا وجدت التشجيع المادى والادبى ، وابرز دليل على ذلك هذه  البراعم التي تفتحت وفاح عبيرها بعد الاستقلال وبعد ان كانت ذابلة ملتوية في عهد الظلمة والاستعمار.

فالكتاب اذن هو السفير الحقيقي بين الامم وهو الذي التمنته الاجيال على  اسرارها وكنوز أفكارها كى يبوح بها لرواد المعرفة في كل العصور حتى  يستخلصوا العبر والدروس ويطلعوا على الاسباب التي نهضت بها الامم  وارتقت والعوامل التي بها تقهقرت وانحطت فيأخذوا بالاولى ويبتعدوا عن  الثانية . وكثير من العظماء الذين غيروا مجرى التاريخ ورفعتهم مكانتهم  العلمية والادبية فوق عواتق الاجيال . كانوا اصدقاء أوفياء للكتب وكانت  أسعد أوقاتهم تلك التي يقضونها في البحث والاطلاع بينما تضيع أعمار  البعض من كهولنا وشبابنا في اللهو والعبث مقتصرين على اشباع نهمهم  الجسمي تاركين عقولهم تشكو الجوع والفراغ . لاننا نعتقد ان العقل الذي  يحرم من الغذاء الروحي الضرورى اللازم لنموه هو من غير شك لا يقدر على  التحليل والتعمق وسيبقى عاجزا امام ابسط المشاكل التي تعترضه  -خصوصا - في هذا العصر الذي يشكو فقدان الاستقرار وتتعقد مشاكله  يوما بعد يوم .

واذا كانت فكرة العدالة الاجتماعية والمحافظة على الوحدة القومية التي  ينادى بها الرئيس الجليل في عديد المناسبات لا تتحقق بأتم معنى الكلمة الا  بفضل المعرفة والثقافة والقضاء نهائيا على آفة الجهل ادركنا الدور الرئيسي  الذي تقوم به الكتب والنشريات والصحف والمجلات في هذا الميدان حيث انها  توسع افق تفكير المواطن وتفتح بصره على العالم الخارجى وتجعله مدركا لما له  وما عليه ، وبذلك يؤمن بأن طريق الوحدة القومية والعدالة الاجتماعية هي  اسلم طريق توصلنا الى هدفنا في الرفاهية والمناعة والازدهار.

واذا كان المولى سبحانه وتعالى قد شرف الانسان بالعقل ورفعه بفضله عن بقية السوائم فلا يفهم منه انه ذلك العقل الفطرى المتحجر بل العقل النامى المتطور الذي يحن صاحبه الى الاطلاع واكتشاف المجهول من مهده الى لحده.

وهكذا تتضح لنا الرسالة العظمى التى تقوم بها المكتبات في خلق جيل متطور قادر على حل كل المشاكل التى تعترضه فى صراعه مع الحياة.

واذا كانت المبادئ الاسلامية التى سارت فى العالم مسير القمر باشراقه قد استندت فى هذا السير الى كتاب مقدس هو ( القرآن) ادركنا مدى الدور الذي تقوم به للانسانية هذه التحف التى تحويها المكتبات.

وظيفة أمين المكتبة :

أول ما يفكر فيه أمين المكتبة هو ان يجعل رصيد مكتبته أى الكتب  والمجلات والنشريات والخرائط والوثائق التاريخية في متناول القراء ومحبى  المعرفة ، وهذا يتطلب منه سعة الاطلاع او على الاقل الالمام بما تحويه مكتبته  من كنوز حتى يتمكن من التوفيق بين خدمات المكتبة ومطالب الجمهور باعتبار  ان رواد المكتبة تختلف ميولهم ورغباتهم ومستوياتهم الثقافية كما تختلف  مهنهم وعقائدهم واجناسهم ولا بد لامين المكتبة من ان يبنى رصيد مكتبته على  هذا الاساس حتى يشبع كل الرغبات ويلبى كل الطلبات ، وكذلك يساعد  القراء على الاهتداء الى احسن الكتب وادق المعلومات التي تثير اهتمامهم ،  ويحاول استمالتهم الى تذوق المطالعة لانه يؤمن أن المكتبة معهد للبحث  الحر ، ومركز للثقافة الفردية ووسيلة يستطيع كل انسان عن طريقها ان يكون  نفسه بواسطة البحث الشخصى والمقارنة العادلة النزيهة ، كما يؤمن بأن  امكانيات المكتبة في هذه الناحية لا تجاريها فيها اية مؤسسة اخرى ، فالطفل  والشاب والراشد والعامل والعالم ورجل الاعمال والمؤمن والجاحد ، والغني  والفقير والمستهتر بالعادات والمتحرر منها ، كل هؤلاء يترددون على المكتبة  فيحصلون كل حسب هواه على ما ينشدون من الاطلاع والثقافة والتسلية .

اذن المكتبات ليست ببنائها الشامخ المضىء ورفوفها الجذابة وكراسيها  المريحة فقط، فوراء كل ذلك عمل شاق مضن يتطلب مزيد الاخلاص والتضحية  ولا يكفى ان يميل الامين الى الكتب ويقبل على قراءتها حتى نقول : إنه مهيأ لهذه  المهنة الجليلة فأمين المكتبة لا يعمل في مكتبته ليقرأ هو وانما يعمل ليقرب  سبل القراءة للرواد الذين يأتونه طالبين العون والمشورة ، فاذا تصور ان  أمامه طائفة من الكتب الكبيرة وانه يحب القراءة فهو مخطىء في تصور مهنة

الاشراف على الكتب ، وعليه اذا اختار هذه المهنة أن يقرأ لنفسه خارج المكتبة ، واما في المكتبة فوقته كله فى خدمة الرواد.

ومن الخطا القول بأن فن المكتبات والاشراف عليها سهل ويمكن اسناده  لای شخص بل ان هذا الفن يحتاج الى كثير من المواهب الطبيعية كما يحتاج  الى درس و مران طويل حتى يكون الحكم صحيحا على الكتاب ويقدر حق  قدره . فهناك كتب هامة وأساسية وتعتبر معالم في الميدان الذي ألفت فيه ،  وهناك كتب تلائم النشء واخرى تلائم المختصين ، وكتب تلائم العمليين  وأخرى تناسب الخياليين في نفس الفن والموضوع . ومهمة أمين المكتبة هي:  أن يعطى الكتاب الملائم فى الوقت المناسب للقارىء الذى يطلب عونه وارشاده  ولذا فلا يكفي ان ترتب الكتب حسب العلوم والفنون ولا حسب المواضيع أو  المؤلفين فكثير منها متداخل متشابك ، والمعارف كل متماسك يتلاقح مع  بعضها البعض في نقط متعددة.

فكيف اذن ترتب رفوف المكتبات ؟ وماذا يوضع عليها ؟ وهذا الكتاب مفيد  ولكن القراء لا يقبلون عليه ، فما السبب ؟ وهل يمكن معالجته ؟ وهل يساعد  عرض الكتاب على جلب الانظار اليه ؟ وهل جعل برنامج خاص بموضوعه يدفعه الى ايدى القراء فيستفيدون منه ؟

كل هذه الاسئلة سوف تدور في ذهن الامين اليقظ الذى يعرف ان رسالة المكتبات لا تقل خطورة وأهمية عن رسالة المدارس والجامعات . انها رسالة نشر الثقافة الحرة الشاملة.

حينئذ فوسائل عرض الكتاب فن . . ووسائل الترغيب فى القراءة فن ، والتعامل مع رواد المكتبات على اختلاف ميولهم ورغباتهم فن . وكل هذا يحتاج الى وقت طويل ومران شاق ، وموهبة أساسية هى:

حب الكتب والطرب لرؤية الناس ينتفعون بها ، واللذة لسماعهم يتناقشون حولها . فاذا آنس شخص ما في نفسه كل هذه الصفات فليكن أمينا لمكتب وليقبل بكل جوارحه على دراسة فن المكتبات.

والامين الذي يريد النجاح لمكتبته ربما تساءل : ما السبيل الى تشويق الناس الى القراءة ؟ وما السبيل الى ايقاظ غريزة حب الاطلاع فيهم ؟ حيث نامت عند البعض منهم ؟ والجواب هو:

الارشاد الرفيق اللطيف والوصية الابدية الدائمة : ألا يكون هناك ارغام على القراءة فالجسم بحاجة الى الطعام شديدة لكننا اذا ارغمناه على طعام زهده .

والمطالع اذا قدمنا له الشهي من القراءة وعرفناه مزاياها وتركناه وحده يدع  ما يدع ويختار ما يختار فاننا نكون كمن يعرض الطعام على جائع في ابهج شكل  فيقبل عليه متشوقا مندفعا ملتهما التهاما فيطلب منه حينئذ التمهل قائلين  له : أن ذلك الطعام على لذته عسير الهضم ولا بد من مضغه جيدا كي لا ينقلب نفعه الى ضرر .

اشترك في نشرتنا البريدية