الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

*رسالة الى صديق *

Share

أخى العزيز تحية طيبة .

وافقتنى رسالتك عن طريق جريدة الصباح وان كنت وجهتها الى ط . ب . فقلت فى نفسى لم كل هذا اليأس والمعدن طيب والشباب تحفز وأمل لا قعود وقنوط ورأيت أن أعاتبك عتاب الاخ للاخ وأن أنشر رسالتى هذه الموجهة اليك فى مجلة أدبية عسى أن تقرأها يوما فتزيل عنك بعض ما قد نالك من " العبث " الذى يكبل النفوس الشريدة المتعثرة ، نحن ياخى فى عصر الخلق عصر الثورة المتواصلة على الاوضاع الواهية المتداعية فما أحوجنا الى ساعدك الى قلمك الى ايمانك الى هذا المعدن الطيب الذى فيك فى رحلتنا الى الغد السعيد الى الآفاق الواسعة الآمنة الى السماء ذات البروج . فما هذه الرحلة التى ذكرت المحفوفة بالاخطار والمفاجآت " رحلة الانسان عبر وجوده وعبر نفسه فى متاهاتها المظلمة ؟ " عبر مصيره الذى يحاول جاهدا أن يصنعه كما يريد ويختار . وما قيمة هذه الاخطار بالنسبة لاكتمال الوجود وصنع المصير ؛ اخالك يا أخي كتبت رسالتك فى ساعة يأس وأخالك قضيت فى صنعة اللفظ وارتياد البديع اضعاف ما قضيت فى التعبير عن دفائن مشاعرك فكان التناقض وكان الغلو فيما كتبت .

الرأى عندى - حفظك الله ورعاك - أن تكون فلسفتنا فى الحياة فلسفة واقعية مستمدة من الرصيد الكامن فى نفوسنا تهدف الى خلق اوضاع جديدة نريدها ونختارها وما فلسفة " العبث " الا ملاذ حتمى لاذ به بعض مفكرى الغرب أيام محنة الغرب وتاريخ الادب الاروبى الحديث يتعرض فى اطناب واسهاب الى هذه الفترة التى طغت عليها فلسفة القنوط والانكار والاستنكار فكان الانتاج الادبى مطبوعا بتلك الفلسفة مستمدا منها مباشرة وما سارتر وما كافكا وما موسيل الا رسل لتلك الفلسفة نشروها بين الناس فدان منهم من دان وانكمش من انكمش وقد قرأننا لهؤلاء الكتاب أكثر من انتاج واخذنا بعين البحث ما سمحت به السويعات المخصصة للمطالعة والدرس فآمنا بمقدرة الكاتب وقيمة الانتاج لكننا لم نؤمن بتلك الفلسفة الا بمقدار لانها

تعبر عن شعور غير شعورنا ولانها مستمدة من أوضاع غير اوضاعنا ولان الفترة التى نحياها اليوم غير الفترة التى خاض غمارها سارتر وأمثاله من الوجوديين

الوجود حفظك الله - " حالة " فان تحقق أصبح " فعلا " وشتان بين الحالة والفعل بين الناظر والمنظور بين الكلام والعمل . وجودنا يا أخي حققناه فى الحرية وما زلنا نحققه فى العمل وفلسفتنا فلسفة قوة لا فلسفة ضعف . وبالذي فيك من فتوة أقسم انى ما أنكرت يوما على هؤلاء الحادهم فى الدين ولا عبتهم به لكنى سخطت على من سخطوا على الحياة وسخرت من استكانتهم لنفس العبث الذى يحللون وقلت مع من قال لادفعن العبث بالفعل لانى حر والحر رب نفسه وهو المسؤول عن مآلها ومصيرها ومن هذا يتبين لك يا أخى العزيز انى أشعر بالعبث شعورك به واني أعانيه قدر ما تعانيه أنت لكنى أخرج منه دائما خروجى من الحلم المزعج بابتسامة ساخرة فاعوذ بنفسى من أضغاث الاحلام وازداد " قوة ومناعة " والتجيء الى الفعل اذوب فيه لاشعر بوجودى . وهل دفعت فلسفة العبث الى الفعل أو الى الانتحار ؟ ادعك يا أخي تجيب عن هذا السؤال بعد كل ما قرأت وما طالعت وأخالك قرأت الكثير وطالعت الكثير وانى لاشكرك على عواطفك الطيبة وأشاطرك اللحظات القصيرة التى قضيناها معا . " انها - كما قلت - طويلة فى عمر الزمن في عمر الخلق والاكتشاف لعالم جديد عالم الصداقة عالم الصفاء عالم النفوس الخيرة والضمائر النيرة والتجاوب الروحى العميق . " وكم أحسنت - راعاك الله - فى التعبير عما تكنه النفس - نفسي ونفسك - من طمأنينة ودعة وأمل فى الحياة وايمان بالانسان بعد لقائنا الخاطف ، فلتكن الصداقة عاملا يساعدك على التعرف على نفسك اذ الانسان فى حاجة الى الانسان فى عملية الكشف عن نفسه ذاتها وليس الانسان عدوا للانسان كما يدعى البعض شططا فهذه عائلتك وهذا مجتمعك وهذا جهادك المتواصل وهذه المسؤوليات تنتظرك ولن تكتمل وجودك الا باخذ قسطك من هذا الجهاد وبذوبانك في المجموعة كفرد واع فاعل خلاق وعندها يتبين لك أن العبث لا شئ بالنسبة للخلق وان الزيف الملتصق بالوجود ليس الا قشرا اذا نزعته برز اللب فى أجلى مظاهره فى قوة عنفوانه فى متانة أصله وفروعه فهو شجرة المنتهى لا يصلها الرسل الا على ظهر البراق فى ليلة معراج ، فليكن براقك ساعدك وليكن معراجك لا الى السماء بل الى الارض المبسوطة التى اتيحت لك كالهدية الفريدة الى " مدينة الانسان " التى تفتش عنها وهي تلقاءك لا ناسية ولا تائهه يسكنها بنو جلدتك وهم خيرون مصلحون

وهم مظفرون لا مهزومون وما المهزومون الذين حدود ذواتهم القيم والشعارات " لا أبالسة شياطين لسنا منهم وليسوا منا فى شىء لهم دينهم ولنا دين . دينهم الزيف وديننا العمل هم من طينة ونحن من طين . طينهم من عفر وطيننا من معدن كريم هم يائسون ونحن لهذا الشعب العظيم شغالون مجندون فاترك الابالسة وشأنها ولا تعرفها ولو التفاتة عابرة وقل هى أضغاث أحلام قبرها الليل وغمرها الظلام واستيقظ مع الفجر وسر مع العاملين الكادحين وليعرق جبينك لتستحق لقمة العيش التى تأتيك عن حق وجدارة ولتهزأ بالظلام عند كل مطلع شمس والشمس فى نفسك وقد قال شاعرك :

" النور فى نفسى وبين جوائح فعلام اخشى السير فى الظلماء

أخي العزيز . . . كل ما أرتجيه أن أزيح بعضا من هذا الكابوس الذى انقض ظهرك واعتقادى أنك سائر معنا فى هذا الطريق ، طريق العمل والخلود اذا استطعت أن تخاطب نفسك بنفسك فتراها وتعرفها كما يجب أن ترى وتعرف وهل أسعد من انسان يتعرف على ذاته ويتحسس انسانه ذلك المغترب المجهول . سوف تعرف السعادة التى نعرفها وسوف تطمئن نفسك ويرتاح الضمير ما دمت قد عزمت

اشترك في نشرتنا البريدية