قصة
قيل لى - بتعبير الأطباء - إن على رئتى غشاء. فدخلت المستشفى دخول العاجز مأوى العجز. فلقيتك مفتوح الذراعين. وأنزلتنى غرفتك وقدتنى الى أحد الأسرة البيضاء فأسلمت قيادى مذهولا. وكان بجوارك مستقرى رغم نصائح قيل لى فيها إنك ((تاعب)). ولقد عرفت - بعد ذلك - سر تلك النصائح وأدركت قيمة النزيل النظيف فى مكان يبيض فيه أثاث ظاهر ويسود أثاث باطن. ولما سألتك عن سبب هذا التنازع الذي وقعت فيه قلت ((اشتر الجار قبل الدار)) فخيل إلى أنى أسمع هذا الحديث لأول مرة وأدركت أنى لم أكن أفقه للجوار معنى.
وهناك تعرفت عليك. علمت بضياع إحدى رئتيك وفساد كبدك. حتى أنك لم تكن تستطيع أن تضطجع. فكنت تطوى ذراعيك النحيلتين على طاول وتسند إليهما رأسك لاويا عنقك كالطائر الذبيح وتغمض عينيك. أعرف أنك لم تكن تنام. فلم تكن أجفانك تكف عن الحركة. لم تكف أجفانك عن الحركة منذ ثمانية أشهر. فأعطيتك وسادتى الصوفية لتستعين بها على انتزاع شئ ما السبات وتحاشيت أن ترانى متمددا فى فراشى كى لا تحس بأن كفة الحظ منحازة إلى.
عرفتك هازئا من المكان، ساخرا من مرور الزمان. ثم نشأ بيننا ما ينشأ بين الواقفين فى وجه العدو الواحد. فكنت أرى فى عينيك ما تعلقه على صمودى من أمل الانتصار. وما أحسب إلا أنك كنت ترى فى عينى ما كنت أرى.
يأتي الممرض فينظر إليك ثم يهوى بكفيه على فخذيه ثم يبسطهما على ردفية وينصرف منحنى الظهر مهزوما. أتذكر أنى كنت أدير وجهى كلما لاحظت البون الشاسع بين جسده المكعب وعنقك المعروق. كان يتضاءل وكنت ترتفع وترتفع حتى تعلو علينا جميعا. شىء فى نفسك لم يكن يبلغه الادراك أو تحدده المقاييس. شئ فى نفسك لم يمسه الصدأ رغم كل دواعى التعفن.
تزورك خطبتك الحسناء فتجلس بجوارك على حافة السرير فتطأطئان رأسيكما على نسق واحد ثم تخرج الخطيبة صامتة كما دخلت وتبقى.
ولما سألتنى يوما: ((ما رأيك لو طلبت منها أن تكف عن زيارتى؟)) اجبتك: ((ما عهدتك جبانا)) وتحاشيت النظر إليك. وصادف أن مرت ((عزيزة)) الممرضة أمام الغرفة فصرخت فى لهجة صافعة: ((انظر الى الباب! لقد مرت! إن بعينيها اليوم كحلا!)).
لقد كنت تعلم إذن! ما كان أقساك! احتفظت بسر اكتشافك وتجاهلته حتى رددت به على اتهامك بالجبن.
لا شك أنى كنت فى نظرك حقيرا. حقيرا.
نعم. لقد أصبت: من أجلى كان ذلك الكحل. ومن أجله صدئت حتى النخاع.
لقد أغرتنى. استغلت كبتا ألهبه الداء. وانت تعلم أن داءنا يشحذ الحس. فاستقطبت سورة حسى. وحولت إليها توقى إلى الانطلاق حتى رأيت فيها انطلاقى. لم أكن أنتظر من الحياة شيئا كثيرا حتى اذا بدت سدت أفقى الضيق الذى كان يكفى جسد ليطمسه. فاذا الحياة لا شئ. واذا هي كل شئ.
فات الأوان . لكنى أحس برغبة فى أن الملم الفوضى التى تفسد على عيشى. لا تبريرا لما حدث بل تنظيما لنفسى المكدسة برصف كلماتها.
لقد عميت. عميت عما سواها.
كلا. لم أحبها. كان قلبى فى ظلمة طفلية لا يبدد سوادها نور بدر التمام أو شمس الأصيل. لكنها جاءت بجسدها فى وقت لم أكن فيه إلا جسدا. فكنت أقضى النهار فى حلق لحيتى وتصفيف شعرى كأننى فى عرس. كنت أقضى النهار فى انتظار الليل حتى اذا جن جننت.
كانت تسكرنى. تأتى بزجاجة خمر وتزعم أنها اشترتها من أجلى ثم تسقينى حتى يعمنى العمى فأذهل ذهولا. فاذا أنا لعبة فى يديها. أعلم اليوم
- بعد فوات الأوان - أنها كانت مدمنة على الخمر. وأعلم أنها من الصائدات فى الغدران. أمن أجل ذلك أبت إلا أن أمعن فى الهبوط والتمرغ؟
كانت العنكبوت تلفنى بخيوط لعابها ذبابة طيعة سائغة حتى يبدو لى لعابها سكريا. تغتنم فرص عملها الليلى فتبسط على سطح البناية حشايا وتغمرنى غمرا. فلا أعى. وانى للغريق أن يعى وقد غمره الموج بطنا وظهرا وعمره اليأس قلبا وعقلا؟ ثم تسلمنى الى فراشى جثة أو كالجثة.
قلت لى يوما: ((إنها ستقتلك)) فأجبتك: ((حبذا الموت الممتع)) وقرأت فى عينيك عتابا وشفقة ثم غلبت عليهما الشفقة فامتلأتا غفرانا. لم غفرت لى؟ لم لم تصرخ فى وجهى؟ لم لم تكن تعرف الصراخ؟ لقد كنت تعرف أنك لو صفعتنى ما تأوهت. لم لم تفعل؟ ليتك لم تغفر! إذن لما وقع ما وقع.
وضمتنى وإياها الحشية الآسنة. وضمخنا البدر المنير كأنما أراد أن يشعرنا بظلمة ما بالنفس. وساد الهدوء كأنما شاء أن يسمعنا عواءها. لك النفس كانت قد ركبت بعد رأسها حينما تحرك صوبها الرشد فلم يبلغها إلا وقد زاغت الأحداق. فزاد النفس تلذذا إحساسها بالمرارة حتى غدا الصوت المهدد صوتا يهدهد.
جرفنى التيار فلم أستطع من قبضته فكاكا. ولست أتذكر إن كنت قد سعيت إلى فكاك. لن أنتحل اعتذارا بالعجز. فقد استزادت نفسى تمرغا لما أحست بعمق المزبلة.
فى ذلك الوقت لم أذكرك. أضعتك مع كل ما أضعت من نفسى وفرطت.
أخذوك الى مركز الجراحة قبل تلك الليلة بشهر. فأخذوا الضمير المتوقد الذى كان يحرك أوصالى الباردة. فشحب النجم وانقطعت الآثار التى كنت اقتفيها فخبطت حيثما وجدت سهلا. كنت تسير بى على مرتفع فلما أخذوك خشيت العثار فهبطت وهبطت الى حيث لا يخشى الهبوط أو العثار.
ولقد أعادوك منذ يوم واحد. أعادوك الى غير سريرك الاول الذي وقع
احتلاله من طرف نزيل جديد. ففصلت بيننا فى الغرف جدران وفى النفس درجات. ولم يكن لعودتك فى نفسى إلا خافت الصدى.
زرتك فى غرفتك فلم أقرأ فى عينيك الغائرتين شيئا يفهم ولم أسمع من شفتيك الذابلتين سوى تمتمات.
كنت فى حاجة إليك. فلما رأيتك لم أطق أن أمكث بجوارك طويلا. فقد رأيت سندى فى وضع هزيل. من أين لهذا الحطام أن يشد أزرى فى وجه التداعى وهو المتداعى؟ من أين لهذا الفتيل أن يضئ نفسى التى صبغها الظلام؟
كلماتك نفسها، تلك التى كنت أستعيدها وأستعيذ بها لم تبق لى منها سوى حروف.
وتلاقت عوامل يأس لم يقف عند حده بل تعداه إلى حقد على آمال الناس ومكاسبهم وتمرد على نواميسهم وحرمان أفرغ كلمات التعقل والتخلق والصبر من معانيها.
ثم تذكرت مشهدك والكأس بينى وبين ((عزيزة)) غادية رائحة. فاستسقيت واستبطأت واستزدت لأبعثر نفسى وأفسد عليها حبائلها. فبعثرت وأفسدت. وكأننى أحسست بنشوة الانتصار فتملكني ضحك عنيف عنيد هز جنبى وسكون الليل هزا. فأسرعت إلى ((عزيزة)) تسكتنى بلسان التعقل تارة وتخيفنى بنتائج الفضيحة طورا وتسد فمى بكلتا يديها. وكأن منطق التعقل كان يدغدغنى فلم أكن أستطيع إلا أن أضحك.
ولم يقطع قهقهاتى سوى سكوتها الفجئى لما سمعت صوت أحد المرضى يناديها ويطلب منها أن تذهب لتنظر فى حالة المريض رقم 57 وهو رقم كبقية الأرقام يتقمصه إنسان حينا من الدهر فاذا الانسان لا شئ واذا الرقم كل شئ. ولقد أفسدت على عزلتى وهذه الأفكار نشوتى فرحت أردد الرقم وألوكه مجتهدا فى أن ألبسه كيانا إنسانيا معينا. فلم أفلح. ذلك أنى ألبسته كل من أمقتهم من البشر. حتى استقر اختيارى على رئيس المكتب الذى كنت أعمل فيه والذى أرهقنى حتى زج بى فى هذا الأتون.
ولم يدر بخلدى أن ذلك الرقم البغيض يمكن أن يعنى أقرب الناس الى الانسان المثالى الذى به آمنت.
ولا أذكر من بقية ليلى شيئا.
كل ما أعلم هو أنى أفقت من نومى وخمارى مصفر الوجه منتفخ العينين مضعضع القوى وأنى قصدت غرفتك متثاقل الخطى متهدل الكتفين. أذكر كل هذا.
لقد اعترض الممرض ((صلاح)) سبيلى. واندفع يراوغنى. هل تذكر ذلك الممرض اللعين الذى حكيت لك كيف عثرت على أدوية منوعة فى جيوب ثيابه المدنية وكيف انه تلكأ ثم اعتذر بأن له صبية صغارا فى حاجة ماسة الى فيتامينات تصلب عيدانهم. كنت استشرتك فى إبلاغ أمره الى رؤسائه فقلت: ((هل سئمت حياة المستشفى؟ حذار أن تفعل!)) ثم أردفت بعد زفرة: ((فكلهم ((صلاح)) فأجبتك فى اهتياج: ((لا بد للسحب من أن تقشعها سهام الشمس)) فقلت كالمتسائل: ((وهل يجدى النبتة أن تنقشع السحب بعد أن يقع اقتلاعها؟)) فصمت.
ولقد عادت الى كلماتك حينما اعترضنى ((صلاح)) وراح يشاكسنى. فأعرضت عنه فى اشمئزار. وقبعت بجوار الجدار متهالكا. وأحسست بأنى لم أحمل قط مقتا أعمق من كرهى إياه.
فقال وهو يكتم ضحكة ساخرة: ((لو رأيت ما أحلك وجهك)). فقلت: ((دعنى! إنه لا شك أقل حلكة من قلبك)). فقال وهو يخرج من جيبه مشطا وشرع يمشط عقارب شعره: (((أيؤلمك مصيره؟))
فأعدت: ((دعنى)). فقال ملحا: ((مالك لا تريد أن تفهم؟ لقد هرعت إليه الممرضة فوجدت أنه شرب من زجاجة العطر فانفجرت كبده وكان النزيف القاتل. هذا كل ما فى الأمر. لست أنت الذى قتلته!)).
فتمتمت شاخص العينين: ((أنا؟)).
ولما رأى على ذهولا وتبلدا هز كتفيه وانصرف وهو يمشط شعره مرددا: ((أنت وشأنك)).
أخى كنت آلة. لكنى رضيت أن أكونها. فكنت آلة شر قتلتك. لا تغفر. أتوسل إليك. دعنى أومن بعدالة قصرت عنها يد الانسان.

