الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

رسالة ميخائيل نعيمه

Share

سيداتي ، سادتى ، مــــــــي ، ميخائيل الأعز !

إن الأعاصير التى هبت في السنوات الأخيرة - وما أكثر الأعاصير الفردية والجماعية فى هذا الزمان - شاءت أن تنقطع الصلة بيننا ، فحرمت شخصيا من جرائها تلك الرسائل الغالية التى كنت أتلقاها منك طافحة بآيات الأخوة التى انتصبت - منذ فجر حياتك الروحية - لتفجير ينابيعها بين الناس وفي آفاق الناس .

فالصمت الثقيل الذى اكرهت على ملازمته ما كان صمت عقوق ولا صمت نسيان عهد .

بل الامر على العكس : فما اشعر به من الإتصال الروحى بيني وبينك لم يبلغ قط ما بلغه فى السنوات الأخيرة من القوة والحبك .

وهل يمكن للأحداث - مهما تكن - أن تزلزل محض أخوة تلقي بجذورها فى اعماق الذات ، وتستمد نسغها ونورها وعبيرها من انسجام الاشواق وائتلاف المبادىء ، واتحاد الأهداف وتجاوب الآمال ؟

وكأن الأقدار أرادت أن تكفر عن سيئاتها فمكنتني - منذ بضعة شهور - من العثور - دفعة واحدة - على ما انتهى إلى تونس مما أصدرته لك المطابع من الكتب : " أيوب" ، " يا ابن آدم " ، " فى الغربال الجديد " ، " نجوى الغروب " ، " من وحي المسيح " ، " رسائل " ! ..

فما أقبلت عليها - رغم ازدحام الشواغل - وما التهمتها بمنتهى الشره حتى وجدتها " الوليمة " التى تدل - دلالة النور - على " فتوة " فكرك الخلاق في أسطع آيات خطاه : أبدا يتسلق القمم فلا يعروه فتور ولا لغوب ، ولا يمسه تعب ولا نصب !

وهي ما تسلق قمة إلا ازداد أفقه اتساعا ، وما ازداد افقه اتساعا الا ازداد تعمقا في فهم أسرار الذات ، وما ازداد تعمقا فى فهم اسرار الذات إلا ازدادت عبارته تألقا ونورا .

فكان مصداقا لحقيقة عظيمة كشف عنها الفيلسوف الفرنسى برقسون ( Bergson ) حينما عني بسبر اغوار الذات فقال بلغة المجاز : أراد أن يستكنه أعماق الأرض فليتطلع إلى اعالي البراكين !"

وكأن الأقدار أرادت أن تكفر عن سيئاتها تكفيرا ثانيا : فمكنتنى اليوم من هذه الفرصة الغالية فأحظى بالمشاركة فى هذا المهرجان الذي ينظم احتفاء بك - يا ميخائيل - وتمجيدا لكفاحك الروحى المتصل طوال العقود المتتالية ، وتنويها بدأبك الدؤوب على شائك الدروب . واجلاء للحافز المهماز الذي كان - ولا يزال - حافزك الوحيد اثناء كفاحك ، وأثناء دأبك : أعني حرصك اللاهب على أن تشارك - بكل ما لديك من الطاقات - في السعي العظيم الملقي على عواتقنا جميعا والذى نبغي من ورائه توفير الأسباب - كل الأسباب التى من شانها ان تحقق " البعث الحق " ليقظة ضمير الشرق الخالد : فيكون نوره نور العيون الحاضرة ويكون سناه سني القلوب الحاضرة ، ويكون لهبه لهب العزائم الحاضرة ، وتكون مقاصده العليا مقاصدنا وسط هذا العالم المعاصر ، ووسط خضم أعبائه ومسؤولياته وأعاصيره : لا مجرد رواية تروى محاولات تحقيقه

فى الماضى السحيق لنفوس هى - فى هذا العصر - أبعد النفوس عن نوره . وسناه ، ولهبه ، ومقاصده !

وكان الأقدار أرادت أن تكفر عن سيئاتها تكفيرا ثالثا فمكنتنى اليوم من تحقيق أمنية عزيزة - طالما تريعت في ذهني - تريع السراب : ان أمثل امام ابناء لبنان - مثولي اليوم - وأن أحدث أبناء لبنان عن ميخائيل نعيمة كما أراه !

ولست اجهل ان الحديث عن ميخائيل نعيمة أمر صعب . وأمر دقيق . وأمر متشعب .

وإنما كان الأمر كذلك لسببين اثنين : اما السبب الاول فيرجع إلى ما يحف بأدب ميخائيل نعيمة وفنه من صنوف الأوهام ودقيق الملابسات .

واما السبب الثاني - والأهم - فإنه يرجع إلى كونك لا تعنى بمعالجة شؤون ذلك الأدب وذلك الفن من دون أن يضطرك التحليل اضطرارا  ان تخوض أعوص القضايا : ناهيك أنها قضايا تهم الأدب ، وتهم الفن ، وتهم الدين ، وتهم الأخلاق . وتهم التربية ، وتهم الفلسفة . وتهم  العلم . وتهم المجتمع ، وتهم السياسة . وتهم الثقافة والحضارة .

وقلها باختصار : هى تهم مصير الإنسان في هذا الوجود ولا غرابة !

فشؤون الإنسان وقضاياه تمتاز بهذه الخاصية المذكورة والمحيرة : ان كان لا يمكن لك ان تعطف على أية قضية من قضايا الانسان للكشف عن اسرارها من دون أن تنتبه - مذعورا - إلى أن تلك القضية - مهما بدت لك بسيطة - فهى معقدة كل التعقيد . نظرا لما تشمله من مختلف الجوانب ، ونظرا لما تنطوى عليه من متنوع المعطيات .

وانت لا تستعرض جوانب تلك القضية ومعطياتها من دون ان تنجم فى ذهنك أسئلة حديدة فى شأنها فتحملك - قسرا - على ان تربط تلك القضية بأخوات لها ، وهذه بأخرى فينتهي بك الأمر - حتما - إن كان لك يقظة التشوف ، وكانت لك الرغبة الصادقة فى " الفهم الحق " - إلى خوض أعوص مشاكل الوجود : منظوره وغير منظوره !..

فهذا هو السر الأعظم الذي يعزى إليه أن كانت الفلسفة لا تكون مخلصة لجوهرها . ولا تقوم بوظيفتها الحق - فى أفق الإنسانية المفكرة - الا إذا مكنت الفيلسوف من النظرة الشاملة لمنزلة الإنسان فى الوجود فكانت لها جولاتها في ميادين المعرفة ، والعلم ، والأخلاق ، والقانون ، والسياسة ، والاقتصاد ، والفن ، وشؤون الثقافة والحضارة والتاريخ ...

وهذا هو السر الأعظم الذى يعزي إليه أن كان الدين - بالمصطلح القرآنى - " تنزيلا من لدن العزيز الحكيم " - أى انه ينزل شؤون الإنسان وشؤون الوجود بمنازل لها الحق : فيقدم ما يقدم ، ويؤخر ما يؤخر ، ويرفع ما يرفع ، ويخفض ما يخفض في نطاق تدريج محكم : درجاته درجة فوق درجة شأنها شأن درجات سلم هائل ينهض على الأرض ويغازل السماء !

أليس هذا بمذكرك بسلم يعقوب ؟

أليس يدل - بذلك - دلالة الهدى والرحمة - على جنس علاقة الإنسان بربه ، وجنس علاقة الانسان بأخيه الإنسان ، وجنس علاقة الإنسان بالوجود ؟

وبدهي أني إذ أذكر لفظ " الفلسفة " ولفظ  " الدين "- بصيغة الإفراد - فلست أجهل أن هنالك عبقريات دينية " مثلما آن هنالك " عبقريات فلسفية " فكان لنا أديان مثلما كان لنا فلسفات وكان لنا انبياء مثلما كان لنا فلاسفة !

ومهما تكن الفوارق بين الأديان ، ومهما تكن الفوارق بين الفلسفات فالأمر الجزم هو أن هنالك طابعا يطبع الأشواق الدينية مثلما آن هنالك طابعا غيره يطبع الأشواق الفلسفية .

وقل مثل ذلك فى السير الدينية والسير الفلسفية ! وقد تلتقى الاشواق الدينية مع الأشواق الفلسفية فى صعيد ، وقد تفترق هذه عن تلك فى صعيد !

وهذا ما جعل بعض المفكرين الدينيين العظام يحرصون على الجمع بين الصنفين من الأشواق ؛ وجعل آخرين - لا يقلون عنهم عظمة - يرون وجوب التفرقة بينهما ويزورون - كل الازورار - من الجمع بينهما !

وقل مثل ذلك عن معسكر الفلاسفة وعن موقفهم من الدين . وليس يهمني الان أن أقف معك عند تفاصيل هذه القضايا لدقتها ، وتشعب مسالكها ، وارتباط بعضها ببعض في صعيد ، وانفصال بعضها عن بعض فى صعيد .

وإنما الذي يهمنى هو ما لوحت إليه عندما أكدت لك أنه ليس يمكن ان تحاول استكناه أسرار آية قضية من القضايا الإنسانية الجوهرية من دون ان يجرك البحث والتحليل إلى ربطها بأخواتها ، وربط أخواتها بأخوات أخرى وهلم جرا فينتهي بك الأمر إلى استعراض جميع شؤون الحياة . وجميع شؤون الوجود منظوره وغير منظوره ، والى تدريجها التدريج المحكم فتكون درجاته درجة فوق درجة في نطاق سلم هائل يربط بين الأرض والسماء فتتم لك النظرة الشاملة . ويتم لك الفهم الحق ... وإلا طاشت سهامك ، وجارت أحكامك ، وضللت وأضللت من اهتدى بك ... !

ولئن نحن وضعنا كل هذا نصب عيوننا أدركنا أن "عبقرية يقظى" كعبقرية ميخائيل نعيمة ما كان في إمكانها - عندما بدأت نشاطها فى ميدان الادب ان تبقى "منقفصة" - إن نحن استعملنا مصطلحا من مصطلحاته لا هي ميدان النقد ، ولا في ميدان الشعر ، ولا فى ميدان القصة ، ولا في ميدان الرواية التمثيلية !

فهي عبقرية لها حساسية مدهشة ترن لأصداء الوجود ولضروب همسه ! وهي عبقرية طلعة لها بصيرة نفاذة ، وتسبر أسرار الوجود سبر ميل الطبيب للأغوار ...

وهي عبقرية عتيدة لها عزم اللهب فى دابها . وبحثها . وتنقيبها . وتفانيها - تفاني الصدق والإخلاص للحق - كلما هزها - هزة العنف - لشوق أصيل فأهاب بها أن تغامر وأن تجازف فى غير ما رحمة بنفسها - وجاء أن تتصيد من وراء ذلك أسرار الحياة فى نبض أنباضها التى تطالعك - دواما واستمرارا - بغوامضها ، ودقائقها ، والتباساتها ، ومتناقضاتها : سواء أكانت في توتر طاقاتها ، وائتلاف أشواقها ، وانسجام اندفاعاتها في حلبة كل فتح مبين أو فى تفكك دواليبها ، وتشتت اهوائها ، وطيش أحلامها فكان هويتها المردى فى وادى كل عقم ، وكل عجز ، وكل جور ! ...

فعبقرية خصائصها هذه الخصائص ، وشأنها هذا الشأن - وإنه للشأن العظيم - ما كان في الإمكان أن تهتم بالأدب - نقدا كان أو خلقا - إلا لأغراض أبعد من الأدب . لاولا كان فى الإمكان أن تهتم بالفن - مهما تكن كسوته أو قالبه - إلا لخدمة أهداف أسمى من الفن . أو إن شئت فقل - وقد تكون هذه العبارة أدق وأوفى للحق - إنها ما كانت لترى للفن قدسية إلا إذا ما كان الفن يستمد قدسيته من قدسية الحياة . ومن قدسية الوجود . ومن قدسية موجد الحياة والوجود !

وإنه ليكفيك أن تطالع آثار ميخائيل نعيمة - حسب ترتيب ظهورها في دنيا المطابع مع كر السنين من بداية نشاطه الأدبى ليومنا هذا لتدرك إن أحسنت جس نبضها - أنها تدل - بتعاقبها - دلالة اليقين - على مراحل " النمو الروحى " الذي هو نمو هذه العبقرية التى ما انفكت تفسح أرجاء نظرتها ، وتجدد صبواتها ، وتنوع وثباتها - منطلقة - دواما انطلاق السهم نحو هدفه البعيد ، غير عابئة بما يعترضها فى طريقها من شتى الصعاب : سواء أكانت هذه الصعبات مشتقة من صحارى العقول

او من آلام كل مخاض عظيم - وما أكثر أنواع صحارى العقول ، وما أكثر آلام مخاض الحياة !

فمهما يكن المظهر الذي يطالعك به هذا الفصل أو ذاك ، وهذه القصة او تلك ، وهذا القصيد أو ذاك ، ومهما يكن تنوع العناوين والرموز فميخائيل نعيمة لا يعالج فى الحقيقة إلا مشكلة واحدة أو قضية واحدة هي "همه الاعظم" أعني الغوص على أسرار الذات لتفجير ينابيعها الحية فتكون - على حد تعبيره - "العبارة" للحياة المطلقة ! ..

فتجربته الفنية تجربة روحية في صميمها ! وليس من شك - البتة - فى أن أعلى قمة بلغتها هذه " التجربة الروحية " الفريدة إنما هى القمة التى عرج إليها حينما أشرف على ما شرف عليه من بعيد الآفاق - آفاق الحياة فأنطقته بما نطق به من مدهش الأقوال على لسان "مرداد" !

وإنى لحريص - كنه الحرص - على أن أجزم لك بأن كل آثار ميخائيل نعيمة يجب أن تقرأها على ضوء هذه " القمة الشامخة "!

ذلك أن كل ما كتبه ميخائيل نعيمة قبل في "مرداد" لم يكن - فى  الحقيقة - إلا " الخطى " المتتالية فى سيره - سيرة الصدق والاخلاص الاهبين بحو هذه القمة الشامخة " مثلما أن كل ما كتبه من الآثار بعد "مرداد" لم يكن إلا مشتقات من أنوار هذه القمة !...

وما دام شأن " مرداد " هذا الشأن العظيم في سيرة ميخائيل نعيمة الفلسفية فلا تظنن أن الأقوال المدهشة التى نطق بها مرداد تطمح الى أن تعرب لك عن آراء غريبة عنت لبطل غريب من أبطال قصة غريبة نسج نسيجها روائى بارع على منوال خياله الغريب !

لا ولا تظنن أنها أقوال يمكن لك إعتبارها معربة عن آراء ميخائيل نعيمة من حيث إنه كاتب له الحق فى أن يرتئى ما شاء فكره أو شاء وجدانه ان يرتئيه من الاراء الخاصة : إن آمن بها وصدق واهتدى بهديها فى حياته فعلى رسله ! فترى نفسك - بعد تخريجك أقوال مرداد هذا

التخريج - مخيرا بين أن تشاطره إياها إن شئت وبين أن تخالفه فيها ان شئت من دون أن يكون في موافقتك عليها أو فى مخالفتك له فيها أدنى إجحاف بالحق - مادامت - في نظرك - مجرد " نزوات فردية " لا تفرض نفسها على الناس ولا يمكن أن تنقلب حقا أو باطلا لمجرد تأييدك لها أو دحضك لها !

فأقوال مرداد تطمح - إن صدق حدس ميخائيل نعيمة وصدقت حاسته الروحية فيما شاهدت - إلى أبعد من هذا ومن ذاك بكثير !

هى أقوال تطمح إلى أن تكشف لك وللبشرية كافة عن " النواميس الخالدة " التى هي نواميس الحياة الروحية مثلما أن العلم الحديث يطمح إلى أن يكشف له وللبشرية كافة عن نواميس الطبيعة .

وكما أن ما يكتشفه العالم في مختبره من النواميس الطبيعية يصبح مشاعا بين الناس جميعا ولهم أن يستغلوه في حياتهم في شتى الميادين كذلك ما تكتشفه " البصيرة الحكيمة " النفاذة إلى أسرار الحياة الروحية يصبح وقفا على الانسانية كافة : ولك أن تهتدى بهديه فى حياتك اليومية وفي مختلف مالك من المواقف : من نفسك ، ومن الناس ، ومن " الناموس الأعلى " الذي يهيمن على شؤون الوجود بأسره !

خذ لك مثلين بسيطين : أما المثل الأول فليخص العلم والنواميس التى يكتشفها العلم وليخص الموقف الذي تتخذه منها !

فالعلم يثبت لك ناموس الثقل ونواميس تركيب القوى ! وأنت حر في أن تصدق بها أو تكذب ! إلا أن عواقب التصديق غير عواقب التكذيب !

فمن صدق بتلك النواميس واهتدى إلى طرق استغلالها فاز بالانتهاء إلى ركوب ظهرها فانطلق في الأجواء طائرا يطوى سحيق المسافات بسرعة مذهلة !

أما من كذب بناموس الثقل ورمي بنفسه من شاهق ... فهو هالك ! اما المثل الثاني فليكن مشتقات من نواميس الحياة الروحية وليكن موقفك من ناموس الصدق : تصديقا أو تكذيبا !

فمن صدق بناموس الصدق فى الحياة الإنسانية واهتدى إلى سبل الصدق اهتدى إلى سبل الإخلاص اللاهب لذاته . وللناس . وللقيم العليا التى لا تكون الإنسانية إنسانية إلا بها . وعنها . ولها !

ومن اهتدى إلى سبل الصدق في كل هذا اهتدى إلى سبل الاخلاص للناموس الأعلى الذى أراد للانسانية هذا الشأن !

فكان بذلك الإنسان الحق " الذي لا ينتابه أى عامل من عوامل الزيف كان معدنه فى آفق البشرية معدن الذهب الإبريز في أفق المعادن !

كلمته هي الكلمة ووزنه فى الوجود هو الوزن . وإشعاعه في أفق البشرية هو الإشعاع . وكان وجوده شاهدا لا يكذب على صدق من قال " الحق يعلو ولا يعلى عليه ! "

وأما من كذب بناموس الصدق ولم ير له موجبا فزهد فيه فاتخذ لنفسه من الكذب مبدأ ودينا - ظنا منه أن في الكذب كل نفع - فكذب على نفسه . وكذب على الناس فى كل الأمور ، فإنه ينتهى حتما - من حيث يشعر ومن حيث لا يشعر - إلى " الخيانة العظمى " : ناهيك أنها خيانة ماورائية ! ..

ذلك انه - بكذبه قد خان ذاته في صميم ذاته أعني في ذات إخلاصها وخان الناس - لا فى مصالحهم فحسب - بل أيضا فيما هو أعز من مصالحهم : فى كنز ثقتهم ! وخان القيم العليا في ذات اشعاعها في المحيط الإنساني . وخان الناموس الأعلى الذى خلق كل شىء ... بالحق !

فكان - بكل ذلك - " الإنسان " الزيف يمح نفسه عندما يثوب اليها أو عندما يرى صورته فى المرآة . ويمجه الناس طال الزمان او قصر ويمجه الناموس الأعلى " إذا خان " السر " أو " الكنز " الذي اودعه فى قلبه :

وكان من الخاسرين ! وكان شبحا فى وادى الأشباح !

فأقوال "مرداد " ليست إذن أقوال بطل خيالي من ابطال رواية خيالية .

ولاهي أقوال ميخائيل نعيمة من حيث هو فرد بين الافراد يمكن له أن يرتئى ما شاء فكره أو شاء وجدانه أن يرتثيه من الاراء الشاذة من دون أن تكون "موجبة " علينا ضروبا من الواجبات مثلما يمكن له - كفرد من الأفراد - أن يميل إلى ما شاء ذوقه أن يميل إليه من ألوان اللباس أو من ألوان الطعام من دون أن يكون ميله فرضا على جميع الناس فى لباسهم أو طعامهم !

هى أقوال تريد الإيماء - بما شئت من ضروب الإيماء والرمز - إلى النواميس الروحية التى تفرض نفسها على ذوى الضمائر بعين الصرامه التى تفرض بها النواميس الطبيعية نفسها على ذوى العقول !

فكتاب "مرداد " كله - من ألفه إلى يائه - مبنى على هذه الدعامه التى لا تزلزل أو على هذه العقيدة التى لا تقلقل !

وما أراد ميخائيل نعيمة "منارة وميناء " إلا لأنه قصد من ورائه أن يكون " الشرارة " التى تنقدح بها القلوب والضمائر فتستيقظ من جديد فتنتبه لما "يكمن " فيها من طاقات وكنوز وأشواق فتسعى جهدها لبعثها "اعوالم " جديدة فتجدد - بين الناس - عهد صدق النفوس ، وإخلاص القلوب ، وتوق الهمم لعلوى المنازل !..

وبدهي أن من لم ينتبه إلى هذا كان أبعد الناس عن أن ينفذ لعظيم " الأسرار الروحية " التى يلوح إليها " مرداد " من وراء اشاراته ورموزه . وكان شأنه شأن ذلك الرجل الذي تصدى لنقد كتاب مرداد والرد عليه

فكان إن وفق فى شئ فإنما وفق إلى أن يفضح ألوان " الفقر المدقع " الذي يشكوه عالمنا المعاصر فى ميدان القيم الروحية التى هى للقاوب بمثابة النور للعيون !

وبدهى - كذلك - أن " الفقر المدقع " في ميدان الحياة الروحية - إن هو بلغ هذه الفداحة فشمل حتى من كنا نتوسم فيهم الخير - كل الخير - يوجب علينا حتما آلا نكتفى بإعارة آذاننا لدعوة ميخائيل نعيمة فنقنع بمجرد التسليم له بالمبادئ والقيم التى أعلن عنها بلهب من الصدق والإخلاص وبعزم لم يعرف الفتور ولا اللغوب طيلة نيف وستة عقود متتالية . بل لا بدلنا من أن نعطف على عقاقير " كيميائه " حتى تنكشف لنا اسرارها فتضحى جزءا لا يتجزأ من لحم ضمائرنا . ونورا لا ينفصل عن نور عيوننا وبور بصائرنا فنصبح نتمتع ببعض ما يتمتع به هو من استقلال الانفاس رغم تفانيه فى خدمة الجميع ، ومن استقامة " الطلعة المعنوية " رغم اعوجاج ذوى الاعوجاج . ومن عزم الانطلاق - رغم كل الصعاب - وراء كل هدف شريف : تحقيقه هو هو تحقيق ما يهمهم فى أعماقه الجاحمة !

وإنى - إذ أجزم لك بهذا - لأشعر - عنيف الشعور - بأن القضية تبلغ من الخطورة منتهاها ناهيك انها قضية حياة أو موت بالاضافة للعالم العربى كله وسط عالم لا تنفك شؤونه تتبلبل ، وتضطرب ، وتتقلقل ويؤذن فى كل دقيقة وحين بكل انفجار نظرا إلى أن بوصلته يعروها ما يعروها من ذبذبة مجنونة كأنها أضحت لا تعرف أى قطب تستقطب !

وللامر الجزم هو اننا لن نستطيع التغلب على ما يحف بنا جميعا من الاخطار الجسام ما لم تتجند الإرادات الصادقة - مهما يكن مشربها فتوحد طاقاتها الزكية لرفع كل الآنقاض التى تسد أمامنا الأفق ، وتسجن عقولنا . وقلوبنا ، وهممنا في سجون قصير الأنظار ...

ولئن نحن فزنا بما نروم - ويجب أن نفوز بما نروم - في هذا المضمار رغم كل هاتيك الصعاب إذن لقمنا حقا " بمعجزة العصر " ولفتحنا

لأنفسنا ولأبنائنا وللأجيال المقبلة أبواب عهد جديد يحلو فيه العمل ، ويحلو . فيه الاثمار ، وتحلو فيه كل انطلاقة مباركة يراد من ورائها الخير للجميع !

وفي طليعة شروط هذا " الفوز العظيم " أن نبذل أقصى الجهد فنتأمل مليا أسرار " الدعوة اللاهبة " التى دوى بها صوت ميخائيل نعيمة فدوت بها أرجاء العالم العربي فأرجاء العالم بأسره !

بذلك - وبذلك فقط - يمكن لنا أن ننفذ إلى ما تتمتع به هذه الدعوة اللاهبة من دواعي الإغراء ، وسحر الجاذبية ، والقدرة القديرة على ان تحمل القلوب الواعية - قسرا - على أن تصيخ إليها فى هزة عنيفة هي هزة الأمل العريض !..

بذلك - وبذلك فقط - يمكن لنا أن نخطو الخطى الحاسمة فى حلبة معرفة ذاتنا التاريخية فى طرافة ملامحها ، وفيما يحزها من دفين الأشواق فكانت بها أمة فاتحة بين الأمم الفاتحة . وتقدم ما تقدم للبشرية جمعاء من صنوف الإثمار الممتاز - فنستأنف سيرا هو سير المخلصين للذات ولما يهمهم في أعماق الذات من جاحم الصبوات والأشواق فنقوى بها على أن نجابه ما يستقبلنا ونستقبله من عظيم المهام .

ولا تغتر بمن يقول لك : إن دعوة ميخائيل نعيمة إنما هى " دعوة مثالية " جامحة ويقصدون بذلك أنها "احلام " لا تعرف للواقع حرمة ، ولا صلة بينها وبين العالم الذى نعيش فيه فى عصرنا هذا !

إن هؤلاء لا يعرفون وظيفة القيم والمثل العليا ولا الدور الحق الذي هو دورها في حياة الإنسان من حيث هو إنسان ، وله حرمة الإنسان وسمو الإنسان فى أنفاسه الحرة في حلبة كل فتح مبين !

وليس من شك في أنك لا تطرح قضية القيم أو قضية الدور الذي تلعبه القيم في أفق البشرية المخلصة لذاتها من دون أن تنتبه إلى انها تشكل في الحقيقة " المشكلة الأم " بالإضافة للعصر الحاضر ولمفكرى العصر الحاضر ... فالحضارة الغربية قد سجلت مدهش الفتوحات في ميادين العلم .

وليس يمكن لذى عقل أن يجحد أمر تلك الفتوحات العلمية مكابرا لا ولا يمكن له ان ينكر " الصولة المذهلة " التى بلغها الانسان فى ظلها بفضل تلك الفتوحات ففاز بما فاز به من إقتدار عجيب على تسخير الطاقات التى فجرها من قلب الطبيعة ! فأضحى المدبر لها على نحو لم يحلم به خيال قط فيما سلف من غابر الدهور ...

إلا أن الأمر الذى لا يمكن - كذلك - لذي عقل أن ينكره ومكابرا هو ان تلك الفتوحات العلمية قد انتهت بالإنسان إلى هذه الكارثة التى ليس وراءها من كارثة : ان اذهلت الإنسان عن حقيقته الذاتية وعن كنوز طاقاتها المتفجرة عن "القلوب الواعية " - لا بما تشدد عليه من الحرص على المعرفه الموضوعية وعلى ما تقتنصه من الحقائق والنواميس عن طريق مختلف مناهجها الموضوعية - فهذه المعرفة الموضوعية وهذه المناهج التى هى مناهجها فى البحث والكشف لا مناص منها في عالمنا المعاصر بل بزهدها وتزهيدها فى كل ما لا يمكن تصيده من الحقائق والنواميس عن طريق تلك المناهج لخروجه عن نطاق شبكاتها المنطقية ! فنشأ عن ذلك اختلال طاقات الذات فانحرفت الذات عن سبل إخلاصها لأعز مطامحها والأشواق فى حلبة كل حق وكل خير ، وكل جمال بدعوى انها قيم مثالية او بدعوى أنها مجرد أشواق ذاتية لاسبيل إلى إخضاعها للمقاييس الموضوعية ...

وإنك لتلمس بالأصابع أمر اختلال طاقات الذات عندما ترى أن الإسلام الذى صنع العلم وصنع كل الأدوات الصناعية يسخرها لمآربه قد اصبح " عبدا " للعلم و " عبدا " للشؤون الصناعية ولا حول له ولا طول عليها لانفلات زمامها من يديه بعد أن انقلبت الوسيلة غاية !

وهي كارثة يقع فيها الإنسان - بذلك يشهد تاريخ الحضارات على الإطلاق - كلما آذهلته ابتكارته وصنائعة عن نفسه من حيث هى الكائن الخلاق ! فهذه عادات مهد لها البشر السبل - أحرارا ! - لمآرب لهم فتنقلب أنجع وسيلة لخنق كل نفس خلاقة فهم !

وهذه أديان أريد بها تحرير البشر من " القوى الظلامية " التى تتألب  -فى الداخل والخارج - على القوى الخلاقة فيهم تنقلب "طقوسا لاروح فيها " فتنضب كل عين ثرة فى حي القلوب ...

وليس من شك - البتة - فى أن الإنسانية لا تشكو اليوم ما تشكوه من قلق لا قرارة له . ومن ذعر لا حد له ، ومن اضطربات ، وهزات وأزمات الا لأنها تنكبت - لأسباب لا تحصى - سبل القيم والمثل العليا التى لا تكون الانسانية إنسانية إلا بها . وعنها . ولها ! ...

وهنا يبدو لك  " الفرق الجوهرى " بين العلم والمناهج الموضوعية التى هى مناهجه - من جهة - والمعرفة الروحية او الذاتية التى يدعو إليها ميخائيل نعيمة - من جهة اخرى . فبالعلم وبالمناهج الموضوعية تكشف عن نواميس الطبيعية - فى الخارج - فتفوز بالهيمنة على أسرار طاقاتها وبتسخيرها لمآربك .

أما بالمعرفة فتكشف عن أسرار ذاتك - فى الداخل - وعن طريقة تصفيتها من كدوراتها ، فتحقق اعتدال قواها الباطنة ، وتؤلف اشواقها . وتحبك نسيجها . وترفعها إلى أعلى درجات " جبروتها الاصلي " الذي به نال الانسان - فى نطاق الأديان المنزلة - مرتبة خلافة الله فى الارض ...

فميخائيل نعيمة لا يدعوك - البتة - إلى أن تطلق العلم وفتوحاته العظيمة - فأي إنسان يتمتع بنور العقل يدعو لهذا ؟ - وانما هو يدعو إلى أن يصبح للضمير البشرى الكلمة العليا فى تسخيره طاقات الطبيعة وفي توجيهه وسائل قدرته - فى الداخل والخارج - لخير البشرية لا لإهلاكها ، ولتحقيق طمأنينتها لا لإذعارها !

فدعوة ميخائيل نعيمة تمتاز - إذن - بأزكى خصائص المثالية . ولم يخطئ خصومه حينما سجلوا هذه الظاهرة ! وانما هم مخطئون عندما تراهم لا ينتبهون إلى كونهم " ضحايا " هذا العصر فيزهدون فيها ويسعون إلى تزهيد الناس فيها لذهولهم - مطلق

الذهول - عن كون القيم والمثل العليا في الحقيقة - هي " أسمى واقع إنساني ". فالإنسان - هو أيضا - جزء من الواقع ! إلا انه " الجزء الساحر " الذى أبدا يطمح إلى أن يسمو بالكون الذي يعيش فيه إلى مستوى الرفعة والنبل ... بالتغلب على كل ما من شأنه أن يجذبه إلى حضيض رق الطبيعة . وظلمات أهوائها ، وألوان جورها ومن دون هذا " الطموح الإنساني " لا يمكن أن يكون " واقعهم " إلا عمى وجاهلية !

وليس من شك - البتة - فى أنك لو وقفت - وقفة اعتبار - عندما انتهت إليه الحضارة الغربية - رغم صولتها العلمية والصناعية - من " عجز فاضح " عن إنقاذ البشرية مما تشكوه من القلق والذعر ، وعن اقرار السلم فى القلوب والأوضاع - إذن لانتبهت الى هذه "الحقيقة  الجوهرية " : وهي انها تقيم لك البرهان القاطع - عن طريق " قياس الخلف " بان لا نجاة للبشرية إلا بالعودة إلى تفجير  " أشواق الضمير البشري " إلى تلك " المحبة " التى اتخذت منها الأديان المنزلة " الناموس الأعلى " للحياة البشرية !

وبدهى انك لا تقول مثل هذا القول حتى يصيح " ذوو الكسل العقلى " : هذا هو " الرجعية " أو" السلفية " ! وليس فيما أعنيه لا رجعية ولا سلفية !

فالامر على العكس من ذلك بالضبط ناهيك أنه يدعوك إلى البحث عن طرق جديدة لبناء القلوب البناء المخلص لنواميس القلوب فى خصبها . وتوليدها . وزكاة انفاسها الحرة أثناء إضطلاعها بمسؤوليات غدها المرموق !

إن اعظم مشكل تعانيه المجتمعات البشرية إنما هو مشكل "توحيد  أبناء المجتمع الواحد " حتى تكون حياتهم الجماعية حياة تعاون لا حياة عدوان . وحياة خصب لا حياة عقم . وحياة نظام لا حياة فوضى ... وتوحيد البشر فى نطاق مجتمعاتهم يقع في مستويات عدة :

فهو يقع - في مستوى الأمن - داخل المجتمع وخارجه عن طريق القوة : لذلك كان للمجتمع شرطته وجيشه . وهو يقع في مستوى العدالة بالحقوق ومراعاة القوانين على اختلافها : وهو يقع في مستوى الحرمة البشرية بالأخلاق . وبالقيم الروحية مهما كان مصدرها : سماويا أو أرضيا .

ولما كان البشر عرفوا ما عرفوا - فى العصر الحديث - لاسباب لاتحصى - من انهيار مربع للأخلاق وللقيم العليا لم يبق لابناء العصر لتحقيق أمنهم ونظامهم إلا القوة . والقانون . وشتى التنظيمات الإدارية ووسائل الإعلان والدعاية ...

ولقد دلت التجربة على أن هذة الوسائل لا تضمن كل ما نرومه من الوئام بين البشر ! .. بل هي كثيرا ما تنقلب وسائل خانقة لانها لا تستمد دائما وحيها وسلطانها من القيم العليا المتفجرة مشاعر حية من اعماق النفوس الحرة !

أمن العجيب بعد هذا أن ترى ميخائيل نعيمة يعتقد فى قرارة نفسه ان أعظم رسالة يمكن لمفكر عربى أن يضطلع بأعبائها إنما هى فى البحث عن الطرق الكفيلة ببعث "ضمير الشرق الخالد " ؟ أمن العجيب بعد هذا أن يكرس حياته كلها لتجديد الإحساس فى النفوس بعزة أشواق الضمير الشرقي الخالد ؟

ولئن هو يؤمن - الايمان الذي لا يزلزل - بأن العالم بأسره - لا العالم العربى فحسب - أحوج ما يكون اليوم إلى " ناموس المحبة " - ذلك الناموس الذي أجمعت النبوات الشرقية كلها على مقتضياته النارية -  فلأن ذلك الناموس هو ناموس الحياة البشرية - مطلقا - فى أنبل مقاصدها .

وهو هو الحري بأن يعيد للعالم بصيرته ورشده . وهو هو الحري بأن يعيد إليه اعتدال بوصلته الدالة على سبل الحق وسبل المحبه : وطيفة وجوهرا !

إن أنس لن أنسى ما حظيت به - فى غضون السنة الواحدة بعد الستين من متعة لا حد لها عندما اجتمعت لأول مرة مع ميخائيل نعيمة بمناسبة قدومه لتونس لإلقاء سلسلة من المحاضرات أهمها محاضرة عن " الغربة  العظمى " .

وهي محاضرة ما زال ابناء تونس يرددون ما أثارته في قلوبهم من الأصداء الحية !

ولقد دار بيننا - أثناء تلك الأيام القصيرة - من الأحاديث ما امتد احيانا الساعات المتتالية . وتبادلنا الأشواق . وتحاورنا في شأن " البعث الحق " ليقظة الضمير الشرقي ولقيمه الروحية في العالم العربي ولدي أبناء العروبة - سواء أكانوا من أبناء " الدار العقلية الإسلامية " وقيمها أو من أبناء " الدار العقلية المسيحية " وقيمها ! وكنت كلما توغلنا في الحديث وشعابه لا أزداد إلا يقينا بما كنت أحسست به من قبل - أثناء مطالعاتى لاثاره - من عمق التجانس بين أشواقنا البعيدة ، ومتانة التآلف بين آمالنا العريضة !

ولهذا التجانس بين الأشواق ، ولهذا التآلف بين الآمال هما اللذان جعلانى اقدم لاول كتاب ألفته : " الفكر الإسلامي بين الأمس واليوم او شؤون دارنا العقلية " بمقدمة تبلغ صفحاتها نيفا وخمسين فلم تكن هي الحقيقة إلا تحليلا لصفحة بليغة لميخائيل نعيمة جاءت في بيادره وعنوانها " رغيف وإبريق ماء " !

ولهذا التجانس بين الأشواق ولهذا التآلف بين الآمال هما اللذان جعلانى ألتمس من ميخائيل نعيمة - رغم معرفتى لبغضه تحرير المقدمات للكتب - ان يكتب مقدمة للكتاب الثاني الذي ألفته : " تحريك السواكن في سبل السنة الإسلامية " كرمز أردته - إذ ذاك - للحوار الذي يجب أن يتم بين " دار محمد " و " دار المسيح " في نطاق العالم العربي ! ...

ولهذا التجانس بين الأشواق ولهذا التآلف بين الآمال هما اللذان جعلانى اقصر دروس سنة جامعية كاملة بدار المعلمين العليا بتونس على

التعريف بأدب ميخائيل نعيمة وبفنه وحكمته . مثلما هما اللذان جعلانى أعد ميخائيل نعيمة بأن سأعكف على "  كتاب مرداد " درسا وتحليلا في نطاق بحث مستقل !

وما كنت أدري - إذ ذاك - أن أعاصير هذا الزمن ستصرفني عن الوفاء بهذا الوعد لاولا كنت أدرى أن الأقدار كانت تبغي ان يكون حديث عن " مرداد " وأشواقه يجب أن يكون فى بيروت امام هذا الحفل الكريم وتكريما لحكيمنا العبقرى !

كيف انتهى ميخائيل نعيمة إلى أن يتسلق القمم التى انتهت به إلى ان يذيع " كلمته المبدعة " على لسان مرداد ؟ وما هذه الكلمة المبدعة ؟ وما هى الطريقة الى كانت طريقته أثناء مغامراته الفنية الروحية الفريدة ؟ وكيف مخض محضها فكان محض رسالة الإنسان الجديد فى العالم المعاصر ؟ وبم كان مرداد - بوق هذه الرسالة - يؤذن بأن " النهضة الادبية " فى العالم العربي المعاصر بلغت قمة لم تبلغها على يد أى أديب آخر من أدبائنا المعاصرين ؟

تلك هي الأسئلة الخطيرة التى يجب أن نجيب عنها ! فلئن كان لكلمة " النقد " حرمة فإنما يجب أن تشتق من توفيق النقد فى مجاراته الكاتب المبدع في أجواء إبداعه : وإلا كان النقد إما دعوى وإما جورا في الأحكام . وإما ثرثرة . وإما مزيجا من كل ذلك !

وأولا أريد أن أبدد وهما ناشئا عن التباس كثيرا ما يحف بجنس الصلة التى تربط بين أدب ميخائيل نعيمة وحكمته أو فلسفته !

فكثيرا ما سمعت بعضهم من الأساتذة الجامعيين (!)  يحتجون على كل من عد ميخائيل نعيمة فى ضمن الحكماء أو الفلاسفة !

فهو - في عرفهم - ليس إلا أديبا عالج حينا النقد . وحينا الشعر وحينا القصة . وحينا الرواية التمثيلية !

وإنما كان شأنهم هذا الشان لاعتقادهم - أولا - أن الفيلسوف هو الذي يؤلف لك " نسقا فلسفيا " تتوفر فيه " الشروط الصورية " للنسق الفلسفي : ولذهولهم - ثانيا - مطلق الذهول - عن جوهر " الوظيفة الفلسفية " فى أفق الحياة العقلية الإنسانية .

أما إذا ما اعتبرت أن "جوهر الفلسفة " يرمى - قبل كل شئ وبعد كل شئ - إلى تنظيف شؤون " دار عقلية " أرادت لها صروف الأقدار - لاسباب لا تحصى ان تبور فيها القيم والمبادىء والمثل العليا التى يستضئ بها ضروب نشاطها فى شتى الميادين فإنك ترى الفيلسوف يعمد إلى ما تغص به الدار من شتى الانقاض لرفعها وإزالتها مثلما يعمد إلى أن يجدد الشعور بعزة تلك القيم وتلك المبادىء وتلك المثل العليا - فى أعماق النفوس - إن هو لم يأت بقيم جديدة ومبادئ جديدة ومثل عليا جديدة - فى نطاق نظرة شاملة لمنزلة الإنسان فى الوجود حتى يفتح آفاقا جديدة لمغامرات إنسانية جديدة !

فى مثل هذه الظروف كثيرا ما تزول الفوارق الصورية بين الأدب والفلسفة عند فحول الادب وفحول الفلسفة . لذلك تراهم يعملون - جنبا لجنب - متضامنين - فى صعيد واحد !

وللادباء العرب الذين أدركوا هذا نير الإدراك - هم أربعة - لا أكثر - أعني : جبران خليل جبران ، وميخائيل نعيمة ، ومحمود عباس العقاد ، وتوفيق الحكيم !

فجميعهم احسوا - احساسا عنيفا - رغم ما بينهم من فوارق - بأن اصلاح أدب أمه هو اصلاح إحساسها وإصلاح مقاييس إحساسها بالحياة وبالوجود !

وجميعهم أدركوا أن  "عودة الروح " لا يمكن أن تتم إلا بذلك ! وانفرد من بينهم ميخائيل نعيمة بأن عمد مباشرة لبؤرة الذات - في نطاق تجربة وجودية رائعة - يحفر أنفاقها . ويسبر أغوارها . ويتحسس دهاليزها ، ويستوجب طاقاتها وليس له من شوق إلا الكشف عن أسرار

عمقها وفوضاها .وخصب توليدها ونظامه . وضعفها وصولتها . ورقها وانعتاقها ! فكان " مرداد " أزكى ثمرة لهذه التجربة الوجودية الفريدة . وهذا عمل فلسفى فى صميمه !

زد على ذلك أن الفلسفة قد تجتاز - هي أيضا - ظروفا عصيبة مثلما تجتازه في عصرنا من ظروف عصيبة فتتأزم فيها شؤونها فيصبح الفلاسفة يتحسسون سبلا جديدة للوظيفة الفلسفية فتراهم اشد حرصا على إجلاء حقيقتها وحقيقة الوظيفة التى هى وظيفتها وحقيقة المشاكل العقليه والروحية والاجتماعية التي يعاني من أمرها البشر ما يعانون - منهم على " الشروط الصورية " الموروثة للنظر الفلسفي ! بل كثيرا ما ترى الفحول منهم يثورون على تلك الشروط الصورية فتراهم لا يتحاشون من الإلتجاء للفن ولمظاهره المختلفة ليستعينوا بذلك على توسيع الآفاق الفلسفية فيضيفون إلى نور الفلسفة سحر الفن رجاء أن يقووا على التغلب على ما يجابهونه من عويص مشاكل النظر والعمل ورجاء أن يوفقوا إلى النفاذ إلى صلب أسرار الحياة فى مدها وزجرها ، وفيض طاقاتها أو تقلص ظلها !

فهذا إفلاطون يعالج جميع القضايا الجوهرية فى حواراته الخالدة . فتراه حينا يلجأ إلى الجدل العقلي وإلى تحليلاته المنطقيه وحينا إلى ضرب الأمثال وحينا إلى سحر الأساطير يستوحى رموزها .

وهو في كل هذا وذاك صاحب إعجاز البيان : فتسائل النفس فى شأنه : أهو من أعلام الفكر أم من أعلام الفن ام من اولئك الجبابرة الذين يسخرون الفن وسحره والفلسفة ونورها لتوسيع آفاق الفكر فى جولاته رجاء الانتهاء الى تبليغه أعلى درجات صولته اثناء برازه الهائل مع اسرار الحياة ؟ وهذا أبو حيان التوحيدى يجعل من أدبه ميدانا رحبا يتسع لايواء متنوع القضايا الكلامية والإعتقادية ، والتحليلات الفلسفية والمنطفية

والإشارات الصوفية الإلهية حتى قيل في حقه : هو أديب الفلاسفة ، وفيلسوف الأدباء ؛ مثلما قيل فيه أنه محقق المتكلمين ومتكلم المحققين .

وإنما كان شأنه هذا الشأن لأنه لم يقصد إلى الأدب لوجه الأدب ولا إلى الفلسفة لوجه الفلسفة ولا إلى الكلام لوجه الكلام ولا إلى التصوف لوجه التصوف ما دام " همه الأعظم " مقصورا على التغلب يفضل وسائل الادب والكلام والفلسفة والتصوف على قضايا " تحقيق الذات " في غضون معاناته أمر ازمته الروحية الفردية وأمر أزمة القيم الإسلامية الشاملة في عصره .

أما فى العصر الحاضر فكثيرون هم المفكرون الذين ثاروا على " النسق الفلسفى " الموروث لاعتبارهم إياه " سجنا " للفكر وقيدا ثقيلا يعوق رقصاته !

وإنك لترى الفحول منهم لا يتحاشون من أن يقصدوا الشعراء والأدباء ليستعينوا بومضات احساسهم البكر الذى " يجلى " لك جوانب من " غزارة الوجود " ومن أعماق النفس : نظرا إلى أن شبكات المنطق عاجزة عن ان تتصيدها . فتراهم حينا يتخذون من الشعر أداة للكشف عن أسرار الوجود . وتراهم حينا آخر يتخذون من القصة أو من الرواية المسرحية وسيلة ناجعة لترويج بضاعة مبادئهم وقيمهم وتبليغ رسالتهم للناس كافة لا للمختصين بالفلسفة فحسب ! ...

فهذا الفيلسوف الفرنسي جان فال ( jean Wahl ) ينغم في ديوان من الشعر آشواقه الفلسفية ويحرر عدة فصول ويؤلف عدة كتب ويخصص دروس سنة جامعية كاملة للغوص على أسرار الشعر والشعراء والفن والفنانين للتعمق في البحث عن سحر " النظرة الحالمة الشاعرة " ! ...

وهو يعتبر سحر هذه النظرة أزكى وأوفى وأقدر على النفاذ إلى أسرار الحياة . ويرجو بفضلها " توسيع آفاق النظرة الفلسفية " على حد تعبيره ! وقل مثل ذلك فيما يخص الفيلسوف الوجودى قبريال مارسيل ( Gabriel Marcel ) .

فهو لا يتحاشى من أن يكتب " يوميات " يدعوها "يوميات ما ورائية : Journal Metaphsique يعرب فيها عن وحي ساعته او ثمرة تاملاته  ( ألا يذكرك هذا " بمذكرات الأرقش " ؟ ) . وانه ليكفيك أن تجيل نظرة في مسرحياته وفي بحوثه الفلسفية ليتجلى لك أن فيلسوفنا العظيم أزهد خلق الله فى "الشروط الصورية" للنسق الفلسفى بل هو يزور منها ازورارا !

ففلسفته تخدم فنه وفنه يخدم فلسفته

وقل مثل ذلك فى الفيلسوف الرياضي (!) الأنقليزى وايتهيد White ) Head ) فهو لا ينفك يردد أنه ما استطاع أن يتصيد غيرما سر من اسرار  فلسفته إلا بفضل الشاعرين العظيمين : وردسورث ) Words Worth ( وشيلي ( Schelley ) وهو يؤكد لنا أنه مدين للأول لانه نبهه إلى الجانب القار من الأشياء في حين أنه مدين للثاني لانه لفت نظره إلى سيلان الأشياء في الوجود !

فامتزاج الأشواق الفنية والشعرية بالأشواق الفلسفية - فى صعيد الفكر الحي التواق إلى إستكناه حقيقة طاقاته وحقيقة أشواقه وحقيقة الحياة فى هذا الوجود - " ظاهرة شاملة " - إذن - تطالعك من وراء نشاط شعراء هذا العصر وفنانيه مثلما تطالعك من وراء نشاط الفلاسفة انفسهم ! ...

أمن العجيب - بعد هذا - أن ترى ميخائيل نعيمة يلجا إلى الأدب وإلى ما يكتسي به الأدب من ضروب الكسوة - : قصة كانت أو رواية أو شعرا أو نقدا - فيتخذ منه وسيلة - أروع بها من وسيلة - لتبليغ رسالة للعالم العربى وللعالم أجمع ؟

أمن العجيب بعد هذا أن تكون هذه الرسالة هي هى رسالة الفن ورسالة الفكر في عالم عربي يتوق - بكل توق محرق ! - إلى حياة متوثبة مستجدة ؟

فما حظى به من الثقافة الغربية على أيدى فحول الأدباء والمفكرين - سواء أكانوا ينتمون للثقافة الروسية أو للثقافة الانقليزية ؛ وما أشرف عليه من سعة الأفاق - التى هى آفاق هاتين الثقافتين : وما تمتع بتذوقه من روائعهما الادبية والفكرية ، وما فاز بالغوص عليه من أسرار الحياة الروحية على ايدى أعلام " الروحانية الشرقية " على اختلاف أجوائها : مسيحية كانت او إسلامية او هندية او صينية ؛ وما فطر عليه من حساسية  فنانة " يقظى " ترن لاصداء الوجود رنين أوتار القيثارة : كل هذا مكنه من " انقلاب عقلي عظيم " كان لا يمكن إلا أن ينتهى به - مثلما انتهت ظروف اخرى بجبران خليل جبران - إلى الشعور العنيف بأن هوة سحيقة أصبحت تفصل بينهما وبين الحساسية الشرقية التى أوهنتها عصور الانحطاط وجعلتها على ما كانت عليه فى بدء هذا القرن : تشكو ما تشكوه من تفكك دواليبها . واختلال مقاييسها التى تقيس بها شؤون الحياة . وشؤون الوجود وانحرفات لا تحصى فى كل ما يخص مقاصد الحياة وأهدافها ومعانيها ...

ولقد اعرب جبران خليل جبران - الإعراب الصادق - عن حقيقة تلك " الهوة السحيقة " إذ قال متحدثا عن أبناء قومه وعن " عصابة البعث " التى كان أفرادها أعضاء الرابطة القلمية :

" وجدت دواليبهم تدور يمنة ودواليبنا تدور يسرة ! " ... ولئن فلت لك إن الانقلاب العقلي الذي جرى في نفوس أبناء هذه الرابطه القلمية " انقلاب ما ورائى " فلأنه من جنس تلك الانقلابات العقلية التى لا يقع فى امة من الامم إلا حولت مجارى إحساسها " بالحياة وغيرت شؤون نظرها وعملها وكانت " بدء " مغامرة إنسانية جديدة !

وليس من شك - البتة - فى أن أروع عبارة - على الإطلاق ! - عن خطورة مثل هذه " الانقلابات العقلية الماورائية " التى تشكل - دائما - منعرجات حاسمه فى حياة البشر تجدها فى " خطبة الجبل " التى ألقاها السيد المسيح على جمع من انصاره فقال لهم منظرا بين العقلية المسيحية الجديدة والعقلية التى انتصب لمقاومتها : " يقولون لكم ... وأقول لكم ... "

وانك لواجدها - كذلك - على لسان التنزيل القرآني من خلال قول النبى العربى منظرا بين العقلية الجاهلية والعقلية الإسلامية الجديدة "لكم دينكم ولي ديني ! "... والعجب العجاب أنك لا تجد من بين الذين أرخوا لك " حركة الرابطة القلمية " ولو واحدا انتبه إلى هذه " الخاصة الماورائية " التى هى خاصتها فنوه بها التنويه الحق باعتبارها " الحادث الحاسم " الذي يفصل بين عهدين لا في تاريخ الأدب العربي فحسب بل في تاريخ " العقلية العربية " على وجه العموم .

ومهما يكن من أمر فهي " الشرارة " التى ستكون بدء " الحريق الهائل " الذي يرجى من ورائه - إن نحن فهمنا آسراره وثابرنا على العمل على نورة و ناره - بأن يلتهم كل ما تراه لا يزال عالقا بالنفوس من اوهام الماضي وفخاخه ، وعوائقه ، واوزاره ...

وللأمر العظيم الذي انفرد بادراكه ميخائيل نعيمة إنما هو فى انتباهه  - منذ البدء - إلى هذه الحقيقة الجوهرية : وهو ان علاج " الوضع  المتعفن " ليس يمكن أن يتم بمجرد التغنى بتراثنا الروحى !

فسنة " مخاض الحياة " تقضي - ولا راد لقضائها - بأن تراثنا الروحى - مهما كان نفيسا - "لا شئ" -ما لم نغربلة الغربلة البصيرة الحاسمه . ومالم - نذبه - من جديد - في ضرام بوتقة ساحرة " لنستأنف له صنعة مستجدة " على حد تعبير أبي حامد الغزالي - وشأنه شأنه بين جبابرة الروح !

أما البوتقة الساحرة فهي " قلب آدمي " يعني " بالتحقيق الشامل " فينتهي به هذا التحقيق - إن هو جرى على أساس مطلق الإخلاص للحق - إلى تجديد كسوة قيمه ومثله العليا التجديد الذى ينسجم مع اشواق ابناء عصره وعدة أبناء عصره ، وشواغل أبناء عصره !

وليس من شك في أن هذا " التحقيق الشامل " يستدعي خصائص عقلية عجيبة متناقضة ناهيك أنها تهيب به أن " ينغلق " دون اشياء ، وان " يتفتح " لأشياء !

وهو بانغلاقه وبتفتحه إنما يدلك على أمرين اثنين : أما الأمر الأول فهو "العالم " الذي يرفضه الرفض المطلق . وهو " عالم " إن انتصب صاحب " التحقيق الشامل " لدك أركانه فلما شام فيه من امارات التعفن والزور والبهتان والعقم والكفر بأعز القيم البشرية واعز ما يهمهم فى أعماقه الجاحمة من أشواق إلى حياة أسمى وأنبل وأغزر !

واما الامر الثاني فهو "العالم " الذى يريد بناءه على أسس تلك الأشواق عينها وفي نطاق مقاييسها ! وهو " عالم " يريده لا " مجرد حلم " يتريع في الذهن تريع السراب بل حقيقة مجسدة فى الواقع : فتحلو فى أجوائه حياة الناس ، ويحلو فيه عمل الناس ، ويحلو فيه كل كفاح يراد من ورائه إعلاء كلمة حق !

وللمعيار الذي هو معياره فى إنغلاقه أو في تفتحه إنما هو المعيار الذي يدله - فى نطاق التحسس النارى لأرجاء " التجربة البشرية " الممتدة امتداد الدهور - على مافيه قوة الإنسان لا ضعفه ؛ وسلامة الانسان لا هلاكه ، وخصب الإنسان لا عقمه ، ويمن الإنسان لا جوره ، وصدق الانسان لازوره ، وإخلاص الإنسان لا غدره ، ورقصات الإنسان في حلبة كل خير وكل معروف وكل جمال لا سورات جنونه في حلبة كل شر وكل منكر وكل قبح !

وهو - فى غضون تحسسه هذا التحس النارى لأرجاء " التجربة  البشرية " فى هذا الوجود لا ينفك يغامر ، ولا ينفك يتطلع لكل تجربة بشرية عظيمة فى شتى الأجواء العقلية والروحية مهما لكن مشربها : ضالته ابدا هى هى : كل ما من شأنه أن يعينه على فهم أسرار الحياة في مدها وزجرها الأبديين ، وكل ما يعينه على اقتناص نوامس فتحها وخذلانها ! وهذا هو - بالضبط - ما أعنيه " بالتحقيق الشامل " !

وبدهى أن هذا " التحقيق الشامل " يستدعي حياة كاملة . بل مغامرة روحية تمتد امتداد الحياة . بل مخاضا هائلا يرهص قلب المحقق أيما إرهاص !

وهذا هو السير الأعظم الذي جعل ميخائيل نعيمة يتخذ من قلبه الكبير " مختبرا " عحيبا يسبك فى بوتقته " إبريز القيم الجديدة او المتجددة " حتى يتغذى بها " الإنسان العربى الجديد " لهذا العصر !

ولقد اتخذ ميخائيل نعيمة طريقه مقبلا على مغامراته الوجودية منشدا :

أسير فى طريقى              فى مهمه سحيق      

و وحدتى رفيقى             و وجهتى الفضا

بل فى ضلوعى نار            تثيرها الأقدار

ياليتها      تختار             سواى موقدا

فهى التى   تحيينى           وهي التى تفنينى

وهى التى تسقينى           من جمرها ندى !

وليس يهمني أن نظم ميخائيل نعيمة هذا القصيد ليصف لنا مغامرة من مغامرات حبه لآدمية من الآدميات .

وانما الذي يهمني هو أن هذا القصيد يمكن لك إعتباره رمزا للمغامرات الروحية التى كانت مغامراته طيلة حياته !

اتخذ الطريق . فصبر على أتعابه وصعابه وفخاخه جاعلا من آلامه وأوجاعه وغصصه وانكساراته كيمياء - أعجب بها من كيمياء ! تستحيل بسحرها : الدمعة إبتسامة والضعف صلابة . والأوهام حقائق والتجارب المرة نارا ونورا ... فكانت نفسه أبدا فى مخاض !

وكان في سيره لا يلوى على شئ !

إذ لا شئ يثنيه عن " الهدف الأسمى " الذي أراده لحياته : أن يرهص الذات إرهاصا فيقدم لك صورة مجسدة للمثل الأعلى الذي تريع في ذهنه العبقري !

وللذى اريدك ان تنتبه إليه فى هذا الصدد هو أن أسرار انغلاق ميخائيل نعيمه دون " العالم المتفن " الذي رفضه مطلق الرفض واسرار تفتحه للعوالم التى شام فيها غذاء لروحه وقلبه هي التي مكنته من بناء الذات على أساس " الحق " الذى لا يزلزل فكان " ذا العزم " على مجابهة صروف الاقدار وكان لحياته ما كان من وضوح المبادئ . ووضوح الأهداف مثلما كان لها ما كان من مطلق الاستقامة !

ولئن هو بارك " الصخور " ومجدها فى قصيد هو من أروع قصائده المنتورة أفلست تنتبه إلى انه - فى الحقيقة - ما بارك ولا مجد إلا جنسا معينا من الصخور : أعني جنس " الضمائر المدرعة " التى اهتدت الى سبل " إيمانها " الحي فكانت" آية الصمود " فى إخلاصها النارى لرسالتها في الحياة ؟

وهل ترى ميخائيل نعيمة سعى بأدبه كله وراء هدف غير هذا الهدف : توفير الأسباب - كل الأسباب - لتجديد عهد " الضمائر المدرعة " فى عالم عربى تجدد روحه الخالد ؟

وإنه ليكفيك أن تمعن النظر فى كتاب مرداد وفيما تشترطه أقواله المدهشه من الشروط فى امر ضرورة " دوزنتك " الذات وضرورة تأليفك إشواقها الحية وضرورة تفجيرك طاقاتها في حلبة كل فتح مبين - لتدرك انها ليست مجرد خيالات تتراءى أمام " عدسة خيالية " بل هي صورة دقيقة مخلصة وفية لروح هذا الآدمي الذي يسعى بين الناس ويأكل مع الناس . ويقاسى ما يقاسية الناس من شؤون الحياة : ميخائيل نعيمة !

ولئن كان كتاب مرداد بصور لك " حلما " فقل إن حياة ميخائيل نعيمة تقدم لك " العربون الحق " على أن هذا " الحلم " في الإمكان تحقيقه وفي الامكان بعثه جسدا من لحم ودم ويسير على قدميه فى دنيا الناس !

أليس معنى هذا أن " الرهان الأعظم " الذي هو رهان دأبه الدووب طيلة حياته المباركة الخصبة إنما يرمي لتفجير ينابيع تلك الحياة الروحية على نحو تفجيرك المياه العذبة الصافية من الصخور فى اعالي الجبال ؟

أليس معنى هذا أن أدبه كله - على اختلاف أنواع كسوته الفنية - يتمحور حول " المشروع ايمانه " الذى استهدف ان يدلك ويدلني ويدل العرب جميعا على " سنن " ذلك التفجير المحيي رجاء أن ننبرى جميعا فى سبل " البعث الحق " وسبل " عودة الروح " : ذلك ان " تجربة وجودية " لاى علم من اعلام الفكر أو الروح إن هي مكنت صاحبها من " تحرير ذاته " من عوامل الرق - مهما تكن - فهى لا تغنى أحدا يطمح طموحه إلى التحرر والخلق عن أن يبذل جهده الخاص فى سبل إرهاص ذاته ... وإلا كان مقلدا التقليد الرخيص ؟

ذلك أنها لا تعدو أن تكون " دليلا - للسائرين فى طرق التحرر والخلق ! أليس معنى هذا كله أنك لا تدرك جنس الكفاح الذى كان كفاح ميخائيل نعيمة - كأديب عربي - إلا إذا ما وضعت نصب عينيك انه - فى الحقيقة - كفاح جرت طقوس معاركه - طيلة حياته المباركه - فى جبهتين اثنين : فى جبهة الفكر أولا وفي جبهة اللغة العربية ثانيا !...

ولئن هو حظى ببناء فكره وتغذية قلبه - على نحو ما ذكرت لك - من خلال تذوقه روائع الفكر وروائع الادب فى الاجواء الغربيه والشرقية فانه لم يحد في بدء هذا القرن - فى اللغة العربية سوى تلك " القوالب الجامدة " التى ورثناها عن عصور الانحطاط وعن صحارى عقول عصور الانحطاط فكانت غير قادرة على أن تكون " الالة الطيعة الذلول " التى تفي باقتناص شوارد الفكر الحي ولا رقصات القلوب الواعية !

فوجب عليه تذليلها . ووجب عليه الإهتداء إلى روح بيانها الأصلي . فوفق بذلك التوفيق البعيد على "حملها " على أن تصبح - من جديد - " الأداة المخلصه " لمهام التعبير والإيجاء على نحو إخلاص اللغات الحية لمهام التعبير والإيجاء في شتى الميادين !

فذكرني وذكرك وذكر العرب جميعا بكفاحه النبيل المزدوح بأن اللغة ليست مجرد الفاظ تحشى بها القواميس مثلما ذكرني وذكرك وذكر العرب جميعا بأن القيم الروحية ليست مجرد مجموعة من الكتب تودع فى خزانه التراث الروحى !

فاللغة لا تحيا إلا على لسانك . والقيم الروحية لا تحيا إلا في قلبك !

وليس من شك - البتة - فى أن عظمة ميخائيل نعيمة مشتقة من توفيقه هذا التوفيق الفريد فى عالم العروبة فى اضطلاعه بهذين العبئين : عبء إحياء العربية وعبء إحياء القيم الروحية !

وما " كلمته المبدعة " سوى الزواج الميمون بين لسانه وقلبه من جهة وبين لسانه وقلبه وحياته من جهة ثانية !

ولا تغتر بصيغة الإفراد عندما يحدثنا ميخائيل نعيمة عن " الكلمة المبدعة " ! فكلمه ميخائيل نعيمة هي كل تآليفه باعتبار أنها جميعها إنما تعرب عما تفجر فى قلبه الكبير من أحاسيس . وآراء وأشواق ومطامح !

كلمته المبدعة هي " عالمه الروحى " ! وهو عالم حرى بأن يسع البشرية ! فبورك في كلمتك يا ميخائيل ! وبورك لنا في كلمتك يا ميخائيل !

اشترك في نشرتنا البريدية