الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "المنهل"

رسالة . . وجوابها

Share

الفكرة الأدبية ، رائد الى النجاح فى شتى الموضوعات الحيوية المختلفة لأنها تدفع بالفرد الى الخوض فى كل ما يفكر فيه ، وربما حفزته الى المغامرة ، والمغامرة بعض وسائل الطفرة ، إن لم تكن وسيلتها الوحيدة ، فاذا كانت هذه الفكرة هى مما يحول فى اذهان الطلبة ، ويحتمل فى صدورهم فان ذلك ادعي الى ان يكون بشيرا بيقظة فكرية تنتج نتاجها المبارك فى القريب ان شاء الله

اكتب هذا اجابة لرغبة الآخ النجيب ابرهيم برزنجي الطالب بمدرسة البعثات ، فى رسالته التى تفضل فوجهها الى وسالنى الاجابة عليها على صفحات هذه المجلة الغراء .

ولست أدرى لم تفضل هذا الطالب الأديب فاختارني لهذا البحث دون غيرى من الأساتذة الأدباء ؟ وما لى من طلاوة المظهر ودعاوة المخبر ما يخدع المريد أو يغرى المستزيد ، بيد اننى ان عللت ذلك فلن اعلله الا بانه تجاوب نفسانى محض يمليه الفكر فتوجهه العاطفة - بل ربما حملت هذه الرسالة الكريمة رغبة الاختبار قبل فكرة الاختيار . وعلى كل فلست من الجواب فى حل وقد وعدت به ، وسواء أصاب الحقيقة أم وقف دونها ، فحسبى ما استطيع ؛ لا أتجاوزه الى ما لا أستطيع

أما الأسئلة التى تضمنتها الرسالة الكريمة ، فهى كما يأتي صورة ونصا . من هو الطالب ؟ ماذا يشبه ؟ مبادؤه ؟ متى يكون شعوره بالمسؤولية ، هل المفتروض عليه أن يحتك بكل الطبقات أم لا ؟ ولماذا ؟ قيمته فى الحياة ؟

نظرته الى الأكبر ، والمماثل ، والأصغر سنا ؟ الطرق المؤدية إلى تكوينه خطيبا مؤثرا وكاتبا قديرا كيف يكون محبوبا بين زملائه

هذه هى الاسئلة وهى فى رأيي قد تتداخل فى بعضها ولا تتشاكل ، وتتقابل ولا تتماثل .

وكما تتداخل الأسئلة تتداخل الأجوبة ، ولهذا فقد آثرت ان اجعل من مجموعة الاسئلة وحدة متشابكة ينتظمها جواب واحد له صورة الأجمال وفيه معنى التفصيل .

والحديث عن الطلبة ، وشؤونهم هو حديث القلب والعاطفة والذكريات الخالدة ، بل هو حديث الفكر والمستقبل والأمل المنشود

وقد قامت منظمات علم النفس والتربية على دراسة الطالب ونفسيته وشعوره وتكوينه قبل أي انسان آخر فكان الطالب مدار البحث ونقطة . الارتكاز فى هذه البحوث ، لانه البذرة الاولى فى بناء المجتمع وانشاء الحياة انشاء صالحا قويما لا أمت فيه ولا اعوجاج

ونفسية الطالب غير نفسية الانسان العادى لما يتوفر لها من مؤهلات تربوية وعلية تنحو بها النحو المنشود فتتكيف ميوله وشعوره بحسب الجو الذي يحيط به والأهواء التى تصطرع فى تلك الأجواء .

والطالب فى بلادنا تتقاذفه بيئتان مختلفتان أشد الاختلاف ، متباينتان أبعد التباين ، فالبيت والمجتمع بيئة ، والمدرسة والكتب بيئة أخرى ، على ان البيت غير المجتمع ، والمدرسة غير هذين ، ومن ذلك تتبلبل أفكاره وتتناقض خواطره فلا يدرى اية وجهة هو موليها ولكنه يندفع فى غمرة الحياة مسيرا لا مخيرا .

وفي حالة كهذه كيف يتسنى للطالب أو لأي انسان آخر فى مثل سنه ومداركه أن يتبين مبادئه التى يجب عليه أن يترسمها ؟

مبادئ الطالب في مجموعها وتفاصيلها لا تختلف عن مبادئ الانسان الكامل فى شيء ، فالرجولة ، والتضحية والفضيلة هى اهم مبادىء الإنسان

الذي ينشد المعرفة ويتوخى الكمال ولكن كيف السبيل ؟

انما يشبه الطالب فى حياتنا قطعة من الصفيح الرقيق تتقلب مع التيار ؛ إن حرا فحر . وإن بردا فبرد .

فمدارسنا الآن بين طالبين . طالب يدخلها فيقضى حياته بين جدرانها الاربع ثم يتخرج منها بفكرته العامية المحطة لم يصقلها التعليم ولم تهذب منها الدراسة شيئا ، انما همه من دراسته الشهادة ينجح بها فى المدرسة ، ولا ينجح إلا بنفسه وتقاليده فى الحياة هذا إن نجح

وطالب يقضى حياته بين الدراسة والكتب فكانه ما خلق الا لها ، فاذا خرج من المدرسة لم ينقطع من الدراسة ، انما هم شهادته أن تخرجه من المدرسة ولا تدخله الى الحياة .

فأي الطالبين انجع وسيلة وأهدى سبيلا ؟ ونحن فى هذا لا ننكر فضيلة المدرسة ، ولكننا نطلب منها الجمع بين اسلوب الحياة فى الا كتساب واسلوب الدراسة فى التحصيل العامي - ليتخرج الطالب منها عالما بشئون الحياة مزودا بالمادة العلمية التى تساعده على ممارسة العمل وخوض الميادين فى ثقة وجرأة واطمئنان

وهذه المشكلة لا تتصل بمدارسنا وحدها ، ولكنها علة المدارس جمعاء فى اكثر بلاد الشرق وما اجدر الشرق بمعالجة ادوائه فى هذه الفترة الصاخبة من عمر الدنيا .

أما شعور الطالب بالمسؤولية الفردية والاجتماعية . فان كان للادراك العلمى دخل فيه فليس هو كل الدخل ، إنما يتوقف ذلك على نسبة الذكاء فى الفرد والأنسجام الفكرى والادبى فى المجتمع من جهة ، ثم على الحاجة الحيوية من جهة اخرى ، والحاجة توجد الوسيلة .

فمن الناس من يشعر بالمسؤولية الفردية والاجتماعية فى سن العاشرة . ومنهم من يشعر بها فى سن العشرين .

ومنهم من لا يشعر بها فى سن الخمسين .

ولئن كان الذكاء والاحتياج مسؤولين عن تقرير تاريخ المسؤولية ، فان مناهج التعليم لا تعفى من تلك المسؤولية ، لان تلك المناهج انما تقام على اساس تقرير نسبة الذكاء وتصوير مبلغ الاحتياج ، وتقدير النتيجة المنشودة من النجاح فى هذين .

ومتى أفلح التقرير ، وصح التصوير فقد نجح التقدير تأتى بعد ذلك مسألة احتكاك الطالب بكل الطبقات . وهى مسالة ، الرغبة فيها تتساوى مع الحذر منها فان نفعت فربما ضرت بقدر ما نفعت .

والطبقات لا تتخالف من حيث الفقر والغنى ، أو الجهل والعلم ، او تباعد السن ، وافتراق الجنس

ولكنها يخالف كل التخالف من الناحية الخلقية فهى فى ذلك بين طبقة عليا ، وطبقة دنيا ، ولا وسط .

والطالب كفرد قد يحتاج الى الاختلاط بالطبقة الدنيا ، كما يسعى الى التعرف والتماس الفائدة من الطبقة العليا

ولكنه إن وجد من نفسه الجرأة والشجاعة فى الثانية - فمن له بالمناعة النفسية والحصانة الخلقية في الأولى ؟

ان سريان التبذل والانحطاط الخلقي كسريان الامراض الوبيئة ، بل هى اسرع ذيوعا وانكى نتيجة ، وبحسب ذلك تترتب قيمة الطالب فى الحياة باعتباره لبنة فى بناء مجتمعه

فمن هو المجتمع غير الأفراد ؟ ومن هم الافراد غير هؤلاء الطلبة الذين سيؤلفون مجتمع المستقبل ؟

والقاعدة العامة المتوارثة فى الاحتكاك بالطبقات ومعاملة الخواص والعوام انما بنيت على احترام الكبير ومساواة المثل والعطف على الصغير ، وهى إن شذت فى تكوين بعض الغرائز فلن تشذ فى عرف المنطق والعقل والتقاليد

المتوارثة المؤسسة على تهذيب العواطف وترويض طبيعة الانسان على مبادئ الخير والفضيلة .

وتلك هى السبيل التى تنشىء بين الافراد والجماعات وشائج الحب وتربطهم بروابط الولاء وتنتهي بهم الى القدوة الحسنة .

ومتى وحدت المناعة فلا خوف من الاختلاط ، وانما تتأتى المعرفة بعد التهذيب بقى بعد ذلك ان نبحث العوامل والصفات التى يجعل من الطالب خطيبا مؤثرا وكاتبا قديرا .

ويرى بعض الناس ان الخطابة منحة موهوبة قبل أن تكون فنا مكتسبا ولكنها فى رايي إن اوجدتها الهبة فلن يفقدها الاكتساب ، بل تتساوى فى الناحيتين ولا تختلف فى الصورتين .

فالخطابة كما أرى جراة فى الألقاء وجلاء في التعبير وبراعة فى الأداء ، قبل أن تكون جهارة فى الصوت ومهارة فى الاشارات

الجرأة والبيان جل عوامل الخطابة بل كلها ، والجرأة إن لم تكن غريزة ممنوحة ، فقد تكون عادة مكتسبة يوجدها الشجاعة الادبية ويعقلها المران

أما البيان فهو من خصائص الكاتب القدير الذي يستطيع ان يلمح للخاصة ويفصح للعامة ، فيرتفع الى الاجواء حينا ويهبط الى الوديان احيانا يخاطب الناس على قدر عقولهم كما جاء فى الحديث الشريف .

والمقدرة الكتابية ، فرع عن التعليم العالي واهم ما يحمل على التوجيه إليها واكتسابها وفرة التحصيل الادبي والتشبع بأساليب كبار الكتاب وطرائق محاولاتهم لبسط ارائهم وتقرير افكارهم فى اذهان القراء والمستمعين لاستمالتهم الى تمييز ما يقولون والانقياد لما يريدون .

الكاتب محدث قبل كل شئ وما يحتاجه المحدث من صدق فى التعبير وحساسية فى التاثير وجنوح الى الافادة يحتاجه الكاتب كذلك والا خلت كتابته من صدق الاحساس وحرارة العاطفة واصبحت هذرا لا طائل تحته . وناهيك بما لعبته الخطابة والكتابة من ادوار هامة فى تواريخ الحروب

والنهضات وما لنا نبعد ، أفليس القرآن الكريم بيانا - بل واى بيان هذا الذي عاش يصارع القرون ويغالب الآباد بروعته وتأثيره .

بل وهذا الحديث الشريف الم يكن بيانا يهدى المضل ويقرع الباطل وينير السبيل للسالكين .

فاستمع لقوله تعالى ) لو انزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ( . ) إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون (

بل وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم" لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها إن الرائد لا يكذب أهله - أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " .

قوة ايمان ؛ وصدق حساسية ، وحرارة عاطفة ، وهدي فكر ، تلك هى مقومات البيان الرائع الأخاذ ، وان لمن البيان لسحرا .

أنتهى بالبحث عند هذا الحد ، وأعتقد بأن الموضوع كان يستحق عناية اكثر واهتماما اكبر - لولا خشية الاطالة التى لا تحتملها صفحات هذه المجلة فمعذرة من القراء . وتحيتى للاخ الكريم .

اشترك في نشرتنا البريدية