أعلم أن وصمة على الجبين لا تزيلها قصيده ،
وأن جرحا مزمنا يستنزف الإباء لا تضمده قصيده.
لكنني أعلم حق العلم ...
أن جباه العز مهما أذعنت للظلم ،
وأطرقت للضيم ...
لابد أن تهب فيها النخوة المجيده
على زئير غضبة ترسله قصيده .
أعلم أن كبرياءنا حزينه ،
ما فتئت من زمن حزينه:
تبكى سيوفا حرة المعادن ،
غريبة ليست لها مواطن ،
تنام فى أغمادها بضاعة مهينه،
تنتظر السواح أن " يشرفوا " المدينه.
سيوفنا المسكينه ...
تاريخها يقرأ فى القلاع والمراصد الحصينه ،
تاريخها : تكبيرة ترسلها المآذن
10
فتخشع الفجاج والمدائن،
تاريخها الحب الذي أطاح بالضغائن
وظفر الإيمان والعقيدة المتينه ...
بالضربة المكينه ...
فى لب كل غادر وخائن.
سيوفنا المسكينه ...
تاريخها يقرأ في تنهيدة دفينه .
أعلم أن كبرياءنا حزينه .
وانه بالرغم عن جراحنا الثخينه ...
أوجاعنا هادئة سواكن .
لكنني أعلم حق العلم ...
أن شرارة النضال لم تزل شديده ،
ترقب نفخة على الرماد كيما تضطرم ،
وأن صيحة الكرامة الشهيده ...
لابد أن تبلغ سمع " معتصم"،
اذا صحت عزائم النوم ...
على نشيد نخوة تنشده قصيده .
أعلم - ياطعينة الإباء - يا عروبه !
ياخيرة الشعوب والأجناس !...
ان روائع الأشعار لا ترد أرضنا السليبه ،
و "القدس" لا ترد باليراع والقرطاس ،
يا حسرتي عليك - يا عروبه - !
زيتونك المائس في المزارع الخصيبه ،
وبرتقالك المعطر الأنفاس ،
وما بني " أمية " ، وشيد "العباس" ،
وقبة " الأقصى" الطعينه الكئيبه ،
والحرمات كلها فى ارضنا تداس :
تدوسها كتائب وحشية ، غريبه
تحمل فى نعالها الوباء والأرجاس.
يخجلني - يا أمتى الحبيبة -
أني أواجه التاريخ ذا الصحائف الرهيبه ...
منكس الجبهة ، حاني الراس ،
وفي يدى يعصف الفراغ والافلاس
لأنني فرطت في أمجادك العجيبه ،
وضعتها فى قينة ، أتلفتها في كأس ،
عندما انقشعت الغيوم والأغلاس ...
أجدتني في الساعة العصبية ...
لا جانب معزز ، لا قوة ، لا باس.
أعلم - ياطعينة الإباء - يا عروبه !
أن روائع الأشعار لا ترد أرضنا السليبه ،
والقدس لا ترد باليراع والقرطاس.
لكنني أعلم حق العلم ...
ان جحافلا عتيده ...
سوف تطل من عهودنا العهيده ...
خفاقة العلم ،
كما تطل في الظلام الدامس الرجم ...
على صدى تكبير تصعد من قصيده .
أعلم - يا منجبة الابطال ! -
يا أمتى العريقه ...
أن جراحنا عميقة عميقه ،
لكنما إيلامها سكن .
أعلم أن نشوة القصائد الرقيقه ...
هيهات أن تزيل من اعماقنا الحزن ،
وتمسح الغصة من حلقوم ممتهن.
كل ضمير عربي هوة سحيقه :
يعصف فيها عاصفان : الغيظ والشجن ،
منذ انفصام عروة وثيقه ،
كانت تضم شملنا وتحفظ الوطن.
أعلم - يا منجبة الأبطال -
أن شعوبنا أصابها الوهن ،
منذ اشترت أوهامها بجوهر الحقيقة ،
ومادرت فداحة الثمن .
شعوبنا تنكرت لواقع يموج بالمحن ،
والتفتت للامس تنشد المفاخر الغريقه ...
فى لجج الزمن.
شعوبنا تبحث عن أفيونها فى الكتب العتيقه .
فى قصة يقصها مشعوذ لسن ...
عن مارد من جن ...
ذي ضربة خاطفة رشيقه ،
يطلقها فى دكنة الغمار ومضة أنيقه ...
من سيف " معد يكرب " ورمح " ذى يزن ".
أعلم - يا منجبة الأبطال -
يا امتى العريقه ...
أن شعوبنا أصابها الوهن .
لكنني أعلم حق العلم ...
ان خرافة . الافيون ، مهما طولت ، لا بد ان تتسم ،
لابد ان تنحسر الأوهام عن عزائم جديده ،
تخلقها فى لحظة سعيده ...
رشة ملح تلهب الألم ،
ترشها على جراحنا قصيده .

