الإهداء : إليها تلك التى لم تتقدم لتكسر معي المحراب القديم . . . إليها تلك التى اختارت أن تقبع بحياء فى الظل وان تقول نعم ! نعم ! . . .
خطوات الابتداء :
فى المنطلق كنا مادة لزجة فى ظهر رجلين . . وذات يوم أصبحنا أبعادا حالمة تنمو وراء ضباب مشوش. .
ثم تطور وجودنا الندى بتفرقع جنسى فى عملية شرعية ، تعانقت فيها الخبول الجامحة . . .
وحبلت بنا الايام بعدئذ طيلة سفرة شاقة فى بطن امرأتين ، ثم لفظتنا عظاما ولحما ودما على أرض الجحيم والعرق والجرح والدمع . . .
المهرب :
وكان لا بد -عزيزى - من أن نعرض ظهرين الى هذا الجلاد الزمانى ليلهبها ويحرقها . . فيعلو صراخنا مفزوعا . . يعلو . . . ثم يتمطى فى مطارح السماء الفاجرة ، ويبحث لنا عن قمقمنا العاجى ، فنهرب اليه معا . . ونذبح وسطه
" العبث " ، ونبدأ رحلة بلا عطش . . بلا جوع . . بلا قلق . . بلا تأزم على صهوة الدهر الهرمية المخشوشبة . .
وكان الحب اذن ! حبا عنيفا يعانق الرب!...
مسافرة جديدة :
وبدأت تجربتى !...عرفت عندئذ أن ابحارا وجوديا بدون عينيك هو ارتماء عبثى فى طاحونة الوعى المنتحر فوق أرصفه العمر المشنوق بحبل الانهيار في النهاية المرقونة على دفتر الاجبار . . .
أجل ! أحببتك يومها - يا ثمرة العمامة - أحببتك - فنقشتك حروفا نارية على حائط الشعور الاخضر. . . أحببتك - فدبجتك معلقة شعرية بماء عروقي ، وماء مقلتي ، وماء أعصابي . . .
كنت أنت-حبيبتى- أول انثى تركبين قطارى ، المتخبط على سكك الاغتراب فى جبال الجفاف والقحط والفراغ . . .
وعند ركوبك ، سالت شفتا قطارى الحزين عسلا ، ومطرا ، وقمحا ، وزيتونا . . وانعطف مع المنعرج ، لينطلق من جديد فى مسيرة عملاقة نحو المطلق . . .
المنعرج :
فى الماضي ، كنت استنكف من أن أصلى فى محراب الحب أو تحت قباب المثالية . كانت المرأة في مدينتى الوحشية مجرد بركة غارقة يسبح فيها جسد الرجل المغوار كلما سخن واحمر ، وثار . . ويركض فيها كالحصان حتى الكلال
وتهشم وجه الماضي شظايا ، عندما وقفت أنت فى طريقي المحدودب ، ذات لحظة ، وتغير منظاري للحياة ، والوجود ، والانسان . . وعرفت ان الحب هو الرصاصة الوحيدة التى تقدر ان تلقى بالعبث فى بالوعة الانعدام. . وعرفت أيضا ان المرأة ليست جسدا فحسب ، وانما شيئا أسمى . . أسمى . . وبزغت يومئذ نزعاتي الافلاطونية ، واعتنقت هجرة صوفية فى قندول هادىء على أمواج بلا شطآن . .
الاغتسال :
بحبك - غاليتى - رحت أتوضأ ، وأغتسل من رجس الايام المنسلخة . . . بحبك حطمت جلاميد نبتت طويلا على دربى ، وأرجعتني طويلا القهقرى . . وطويلا جعلتني أفر . . أفر من وجه الحياة . . نعم ، الحياة التى لولا الافيون الذي شربته من عمق عينيك ما كنت أقبلها ، وما كنت أتحمل مأساتها المقيته . .
الرسالة :
من أجل خلق انسان جديد فى أعماقك . . وفي أعماقى من اجل اشعال الحرائق فى دماغك . . . من اجل حملك على عض الحديد الذى يكبل يديك ورجليك . . من أجلك أنت . . أنت فقط ، قررت أخيرا أن أعيش ، وان أكدح الى ان يطل الشفق ، وان أعرق حتى يجف جسمى . . وان أتجرع علقم المقاومة ضد " مافيا " العدم . .
نداء :
كنت قبل أن يزرعك القدر - قيمة خالدة - على شارعي المعوج ، كنت انسانا كأيها الناس ، أذبح قواي على شفرة الزمن الكلب ، دونما فلسفة ، دونما مثل اعلى ، دونما معنى ، دونما حب ، تماما مثلما تعيش البهائم والحشرات والذباب على قطع السكر الوسخة . . .
كنت - حبيبتى -فى منحدر وعر ، موشكا على السقوط على وجهى فى حقل الجليد الجامد الذى يأكل من حذائى ورجلى ، ويثلج حركاتى : فلا عنقا مشرئبا. ولا يدا ممدودة الى الامام ، ولا أذنا حارسة ، ولا عينا مفتوحة . .
وأطلت أنت عندئذ كخبزة فى ضوء قنديل . . أطللت بجمالك الحورى ، ننظراتك الشاردة فى أفق بعيد . . بمشيتك الناعسة . . وبالحلم الذى تخافه القرية وأحبه أنا . . القرية المقدسة . . التى تنكر الحب والحنان ، لأنهما فى دستورها حرام. .
ولأن اللقاء فى قانونها اجرام . . اجرام . . قريتنا غزالتى - عجوزة حلوة الحديث والتخريف ، تؤمن " بالمكتوب على الجبين "وترمى فى الكانون " الجاوى " و " الوشق " و " الداد " لتتجنب العين ، وتسحق الجن والشياطين . . وتذبح القطط والفئران والكلاب والجراد على قباب الاولياء قربانا يبطل فعل السحر والشر والغرم . . وتتقيأ باستمرار ديدان السخف والجهل والعار . .
قريتنا الآكلة من حصير الزاوية ، والشاربة من زيت الزاوية ، والنائمة على عتبات الزاوية ، ترفض قطعا ان تحيل العواطف حريرا ، وتدمر القلوب " بنابالم" التقاليد ، وتقمع رهبان الهوى قمعا أزليا ، لانها لا تعتقد الا في " الصداق " و " الهدية " والولائم الثرية ، و"و كل واحد يخو لحمة قد فمو". .
قريتنا-يا من أريد أن تزيل الضباب عن عينيك - ما زالت تخرف . . تخرف . . تخرف وما لتخريفها من انتهاء الا بثورة شعواء . . ثورة تعتقنا من ربقة الخرافة المهترئة . . خرافة الجدات المدفونات فى توابيت الانحطاط .

