المقدمة خدمة للثقافة والادب في المغرب العربى كعادتنا فى هذه المجلة منذ بروزها ننشر في هذا العدد وفى الاعداد القادمة مقتطفات من قصة احد الكتاب الجزائريين المشهورين فى عالم الادب الفرنسي ألا وهو مالك حداد . وهذه القصة تصور نفسية جزائرى أجبر على المنفى بينما كان شعبه فى ثورته الدامية .
الى اخي سعيد الذى مات فى عمر الزهور
-1- كان القطار القادم من مرسيليا نحو باريس فى غمار النشوة ، نشوة سرعته وشوقه ، شأن تلك الخيل تزداد حدة وتوترا كلما اقتربت من الاصطبل . وقال خالد في نفسه : " لكأن هذا القطار يجهد نفسه ليلة امتحان " وكانت دموع المطر تنحدر على زجاج النوافذ . لم يكن خالد قد نام .
انه ما نام قط ليلة امتحان فى صغره ، انه هو أيضا يجهد نفسه على نحوه الخاص مثل هذا القطار ، غير ان القطار يعلم جيد العلم غايته التى يسير اليها ، و هو لا يكلف نفسه مشقة التساؤلات . فهل اتصل سيمون فى الابان بالبرقية التى تلتمس منه أن يأتى لترقبه بالمحطة ؟ . ان المرء يشعر دائما بنوع من اليتم عند حلوله بمكان لا يترقبه فيه احد انه فقير يكاد يخجل لفقره . وليس يشوب هذه الخواطر أى غيرة أو حسد ازاء اولئك الذين يتقبلهم الناس بصدور رحبة وبعبارات قد تكون مبتذلة مألوفة ولكنها تفيض عطفا وصداقة .
فهل سيظفر خالد بمن يسأله ذلك السؤال المعهود : هل كانت سفرتك طيبة ؟ انه لم يشك لحظة فى وجود سيمون على رصيف المحطة . والآن أصبحت الحدائق والمنازل الصغيرة وصوامع الكنائس تقل شيئا فشيئا وهذه الآن أحواز المدينة تعرف بما فيها من كآبة وسكك حديدية عديدة ومحطات لا تحصى ولا تقف بها أبدا ارتال النور . وأخيرا ها هي ذى الحروف الحمراء الضخمة : " باريس - 6 كيلومتر "
كان خالد قد أخذ يعد الكلمات التى سيقولها لسيمون والمظهر الذى سيصطنعه لاخفاء اضطرابه . لقد اجهد نفسه كامل الليل استعدادا للامتحان ، مدخنا لفافة تلو اخرى ، بينما كانت أشباح الليل وحركة الذكريات الدائبة تمر بسرعة من وراء زجاج عيون النوافذ تعلوه غشاوة الظلام . وقفز خالد على الرصيف بخفة مصطنعة ، خفة المسافر العادى لا تضايقه حقيبته الصغيرة ولا مشاكله . ولشد ما كانت وطأة هذه الامتار الاخيرة لم يكن يرى سيمون وهذا احساس غريب يداخله فيستولى عليه ، احساس حيرة وخروج عن الواقع . انه قال : " صباح اغبر ، وانه لاغبر حقيقة .
لا شك أن سيمون يترقبه خارج المحطة . لكن هذا خارج المحطة ولا وجود لسيمون . وكانت محطة ليون بباريس ترفع قائمتها المبتورة الغربية الشكل , محاطة بساعة يدوية . فى سماء تداولتها النوائب . وترقب خالد أن تفرقت جماعات الناس ثم نادى عربة أجرة . لقد أصبح الآن بديهيا ان سيمون لم يأت . - شارع بونابرت ، من فضلك
ان خالدا يعرف فى هذا الشارع من المنطقة السادسة نزلا كان قد سكن به طويلا عند اقامته بباريس . وأثناء الطريق واصل خالد تعجبه من عدم حضور سيمون . ثم قال فى نفسه : " لا بد أنه لم يتلق برقيتى فى الابان . . " لقد كانت هذه المرة الاولى لا يلبى فيها رصيف الزهور النداء . ثم ها ان خالدا قد انكر نزله المعهود ، فقد وقع اصلاح واجهته وابتاعه مالك جديد . وعادت إلى ذهن خالد عبارة للكاتب جيد : " لا تمهد لافراحك . .
- 2 - كانت مدرسة قسنطينة الثانوية ، فى صبيحة ذلك اليوم من شهر اكتوبر 1945 ، هائجة العواطف ، محمومة النشاط ، مقتنعة بمالها من شأن . وهذه الاشجار العجيبة النابتة على الصخور ووسط القار ، يخيم عليها الحزن ويداخلها القر شأنها في ذلك شأن أولئك التلاميذ المقيمين لا تكاد ربط رقابهم تخدعنا عن باطن حنينهم إلى شواطئ الجزائر وأنوارها البيضاء الشاسعة . غير أن النور قد بقيت منه صبابة ، لكنه نور متهالك محتشم تعوزه الرجولة والقحة . وكانت السماء من فوق الساحة الكبيرة مفصحة عن أول مرارة . وهذه الجدران المكسوة بالزليج المشرق تسبغ على أروقة الساحة سحنة من ألوان المستشفيات وكان الاساتذة يتبادلون الاحاديث حول عطلتهم ومآتى سياراتهم ، فيعتقد التلاميذ أنهم غارقون في مناقشات تربوية هامة يحوطها الجد والوقار . كانت البلاد قد أخذت تبل شيئا فشيئا من ربيعها الدامى ) 1 ( . وكانت اللقالق تعد العدة للرحيل . وهذه الجبال المحيطة بالمدينة يكسوها تراب اصفر مغبر كأنما لفح نارا . وكانت الزيغان تنتشى فى غمار دوارها بين فجاج وادى الرمل التى تشرف عليها المدرسة . وهناك فى أقصى الغور ، يزمجر السيل ، لا يرى ولكنه ثابت الوجود مهوله .
وقف ) سيمون كدج ( التلميذ بقسم الفلسفة والآداب ، بالصف عندما دق
الجرس . وشاءت صدفة حركة التلاميذ وتدافعهم أن تجعله إلى جانب خالد ابن طوبال . انهما تلميذان يلتقيان على مقرإ المراهقة الملىء بنبيل المشاعر ؟ يلتقيان لدراسة برغسون وديكارت ، يلتقيان للاعراض عن الشيخ ابن باديس ) 1 ( وعن الشعراء الجزائريين الذين لا اسم لهم يذكر ولا لغة لهم تعرف .
كان سيمون ابن حلاق وكان خالد ابن عامل بالبريد . طلب الاستاذ ) آلان لوتريفاك ( الصمت - وقد كان الصمت موجودا بعد - ثم خاطب الاطفال قائلا :
- سوف تتذكرون كلكم هذه السنة . . نعم ، لقد بقيت عالقة بأذهانهم حقا .
وفي منتصف النهار كان خالد وسيمون ما يزالان يتخاطبان بصيغة الاحترام .
قال خالد : اني أسكن بحي لامي فأجاب سيمون : وأنا أسكن بساحة الاقراص ) 2 (
كانا ولدين لهما من طول القامة أكثر مما ينبغي ومن النحافة أكثر مما يلزم وكانت عيونهما لا ترى ابعد من حسن نيتهما . ان للصداقة معنى في سن السابعة عشرة ، انه الوجدان فى أوائله . وقد ولدت هذه الصداقة كما يولد العصفور الدورى فى احتشام وبدون دوى . لقد كانت صداقة لطيفة فرقة كالعصفور . لكن عصافير السابعة عشرة يحملون بين جوانبهم طموحا خفيا إلى الانقلاب نسورا .
قال خالد : " ان صداقتنا حدث تاريخي ، . لقد كان ذلك جميلا وكان صدقا . ثم أضاف : هل تعرف قصيدى :
أنصتوا ، هذا صدى فرسوفيا .. وهي تغدو اليوم بولونية . ؟
وأجاب الآخر قائلا : انى أقول الشعر أيضا . ان المرء في السابعة عشرة في حاجة إلى لقب يزهو به . ثم ان للبراءة وثائق نبلها وألقاب سلطنتها . انها وجود ، تثبت نفسها قبل أن تفكر فى الغد وفى المصير . وأجمل ما تكون المحاريث اذا سبقت الثيران .
وسرعان ما جمعت الجزائر بين هذين العصفورين الجميلين ، فلم ينقلبا نسرين بل صارا بلبلين بسيطين ، بلبلين طيبين من الطبقة الثانية . وكان ذلك إلى يوم قرر فيه أحدهما السكوت . على المرء أن لا يهمل شأن البلابل المغردة ، وعليه أن لا يهمل شأن البلابل الصامتة . ومهما يكن من أمر فان كليهما شقى غير ان واحدا منهما فحسب يشعر بعدم اخلاصه ، وهذا هو الذى اصبح لا نصيب له فى الليل .
- 3 - كان خالد يعلم غداة وصوله إلى باريس أن رواية بصدد البدء ، رواية سوف تكون الغربة كاتبتها اكثر من أن تكون اطارها . ان الخوف يحل عندما يندر الناس . عليه ان يعيد حياته . انه قد اختار . لقد اختار بصفة نهائية . لكنه يعرف استعمال الفروق الدقيقة . ان ضوء القمر اعشى باهت الزرقة . وهذا نهر السين " يخال نفسه انشودة . وهذا قط يأبى الا ان يلقى بنفسه تحت عجلات سيارة ، ثم كلب هناك . نعم ذلك الكلب الذى يلازم ذهن خالد ، كلب لا يحظى برعاية عمومية ولا ترعاه جمعية رفق بالحيوان
ان الليل لم يجن بعد . هذا الزوج يحدث دويا وهو يبول . كان باب المرحاض منفتحا قليلا . وهذه ) مونيك ( تخلع ثيابها فى غرفتها ، لكنها تسمع أسرار ما يهمس به اليها الابتذال . انها الامور اليومية تصبح معتادة اكثر مما ينبغي والحب لا يصمد دائما أمام هذا التآلف الاقصى . ان وقاحة مونيك هى صدارها الوحيد . وان صدرها لبوده أن يصرخ . شعر . كل ما في المرأة شعر ، ثم لا علينا بمن لا يفقهون . ان الصدرية ضنينة بما فيها . ثم ان اهتياج الصدر هو فى بعض الاحيان شعور بفساد قصيد .
ان مونيك تعرف كيف تكون جميلة : انها تغتسل من حيائها . انها تنساب فى احشاء الليل . صدريتها في لون الورد ، و حب الملوك وردى اللون أيضا . والقصائد متعثرة ، والسكون لم يعد يشمل شيئا سوى الحب . ها ان الشعر ينتهى . كان يجب البول بمهارة .
هذه مونيك تنظر الى صدرها ، وهناك على الرصيف ينظر خالد إلى نهر السين . وتداعب مونيك خصريها كأنهما السنون . وينزاح الشراع وتبرز المرأة . انها تعلم ان بطنها عطية . ويتوق فخذاها إلى الجبروت الطاغي الذي لا يصدر الا عن القوة . والآن فان الصدرية سوداء ، تحمل نوعا ما من الادعاء . ونهر السين مواصل كسله وقد ينزل المطر . ثم ها أن مونيك عارية . لقد رقصت على خيالات جوفاء . انها ما تزال تداعب خصريها . انها تعجب بمشاهدة نفسها وتلتذ الجماع ، أجل والله ! كان سيمون يرغب في الجماع ان مونيك ترهب دائما تلك اللحظة .
كان سيمون ضخما قصير القامة ، وكانت يداه ترتعشان في تلك اللحظة ألقى خالد لفافته فى نهر السين ثم دق الجرس . فكانت مونيك هي التي أتت تفتح الباب .
كان قميص البيت يتكلم بلغة الزهور . أن أشق نظرة هي النظرة الاولى . كان خالد يرى الامور فى سرعة ودقة . فقد كان غطاء الارض الخشبى مفرطا فى اللمعان ، وهذا قط تركى فى زرقة القمر يحلم فوق المعزف ، وهناك في زاوية من قاعة الجلوس طاولة من الخزف الفني عليها مرمدات مختلفة الالوان . قال خالد :
- اعتذر . اني صديق لسيمون . انك السيدة كدج ، من دون شك ؟ وأجابت مونيك بابتسامة . فواصل قائلا : - اني مذنب من وجهين : فلقد حملتكم أولا كلفة فى هذه الساعة المتأخرة ، ثم انى لم أقدم نفسى . انى ادعى ابن طوبال ، خالد ابن طوبال . . ولما ابصر سيمون خالدا غدا بصره خاليا كبصر المرء يفاجئه سيل من النور عند خروجه من موطن الظلام . قال سيمون - كيف ، هو أنت - وأجاب خالد قائلا : - لا يسعني أن أخفى عنك شيئا ! نعم ، هو أنا كنت مارا من هنا : - لكن ماذا تصنع بباريس ؟
فكر خالد فترة طويلة وهو يجلس على المقعد الذي قدمه إليه سيمون وكانت مونيك صامتة واقفة وراء زوجها . . وتنبه خالد فى الحين انه بصدد ادخال خلل علي وضع ثابت قار وانه يزحزح عشر سنوات من العوائد القديمة المألوفة لقد كان صمت مونيك مشحونا بالعداء . سأله سيمون : - لم تبتسم ؟ فأجاب : - لانى اشعر بثقل نزولي ، كالشعرة فى الحساء . فقال سيمون : - إنك جننت وعلى ذكر الحساء فانك ستقاسمنا إياه . لكنك لم تخبرني بعد عما تصنع بباريس . قال خالد : - انى أتيت حاجا فسأله سيمون : - وهل تنوى البقاء هنا طويلا ؟ قال : - لست أدرى . . فالحرب هى التى تقرر . ولم يلح سيمون اكثر من ذلك . كانت الزوارق البخارية النهرية تعانق بأضوائها جزيرة ) سان لويس (
بين الفينة والاخرى وكان الليل يسرى على السطوح في كتل من الالغاز وظهرت بنية جميلة كاحدى الصور . انها نيكول ، البالغة من العمر اربع سنوات فى ثوبها الليلى الازرق . فحدقت فى خالد ثم انضمت الى أبيها . ان الصلة لم تحصل بعد ، فان الاطفال يحبون خالدا فى العادة . قال خالد : - نعم لقد أصبح لي ثلاثة أولاد : ابنان وبنت . فقال سيمون : انك تحث الخطى فأجاب : لا ولكنى عجلان .
وتجاوبت كلمات خالد مدة فى ذهن سيمون . لقد كان يسبغ على تأكيداته وقارا مؤلما وجدا يحرج من قد غرق في سكينة أولائك الذين شاخوا قبل الاوان فأصبحوا يجتنبون فى الغالب ان يتحدثوا بغير جدوى . ويتفق له هكذا ان يتكلم فى عبارات تبدو مصطنعة محكمة السبك فى حين أنها تنبثق عفوية وتنبع عن طبع . وسأله سيمون : - هل هى العودة إلى الينابيع الاولى ؟ فأجاب فى هدوء : - لا ! ولكنها تصفية الحساب .
عادت مونيك بعد أن اودعت ابنتها الفراش . ولاحظ خالد أنها غيرت لبستها ، فهى ترتدى ازارا ذا اثناء ، أسود اللون ، موشى بزهور حمراء ، وقميصا صدريا ابيض فى منتهى البساطة والنقاوة شأن كل بنات العائلات . وتفطن خالد ايضا الى انها اصلحت من زينتها ولاحظ بالخصوص يدها الطويلة الباهتة التى وضعتها على كتف سيمون ، معبرة بذلك عن ألفة متينة فيها نوع من التحدى لقد بدأت الحرب الباردة بين امرأة ظريفة على جانب وافر من الجمال وبين شاعر في الحج .
وهبت فى نفس خالد شخصية الظافر المنتصر . وبدأ البراز . واختار خالد سلاحه فى خزينة وسائله : فكان اللطف ، ثم فرض هذا السلاح . وتحرم سيمون بميدان الافكار المجردة فى سرعة ادراك فائقة . ومهما يكن من أمر فقد كان عشاء ممتعا ، ونقدت مونيك كتاب خالد الاخير نقدا صارما . وسخر خالد في نفسه من ذلك النقد واتخذ منه لنفسه موضوع مداعبة لان سوء النية فيه بين الوضوح . واذا اخذت المرأة تبتعد عن العدل فذلك أنها قد أخذت تتقهقر في المعركة كانت
الخمرة جيدة والطعام لذيذا . وكان رصيف الزهور يسبح فى السكينة . سوى نعيب سيارات الشرطة من ناحية قصر البلدية وكنيسة ) نوتردام ( يذكر بأن المشاكل جميعها ما تزال مطروحة . انه الحصار ينتصب ، حصار أجمل مدينة فى العالم . ان باريس لم تعد تحلم في الليل . ولكن القوم هنا فى واحة . كان خالد قد قال : - الليلة لن نتحدث عن الامور الجدية . . انه لم يكن يهرب من الواقع ، غير أنه يرى أن ليس من المفيد ، بل ولا من اللائق الخوض فى مثل هذه الامور على مائدة الطعام .
وبالعكس فان المدرسة الثانوية العتيقة التى تشرف على وادى الرمل والازقة الضيقة كأنها الاعصاب ، وساحة الاقراص ، وساحة سيدى جليس وحي لامى الرابض على الربوة وكل هذه الاعالي فى سيل الذكريات كل هذه الاغراض والمعاني جعلت رصيف الزهور لاتحاذيه مياه نهر السين ومونيك هذه ، نعم مونيك الباريسية التى لا تعرف الجزائر ها هى ذى تصير بل تشعر بأنها تصير أجنبية . لقد شعرت بالخطر وها لونها يصفر عندما سمعت خالدا يسأل بصوته الخافت ذى الوتيرة الواحدة :
- أى سيمون ! هل تنوى العودة يوما الى بلدنا ؟ وردد سيمون تينك الكلمتين كالصدى : إلى بلدنا ؟ وكأنهما قد فقدتا كل معنى وكل محتوى ملموس . - إلى بلدنا ؟ وقطب خالد شفتيه في شبه ابتسامة تنبىء بسآمته ونفوره من شرح حقائق هى عنده من البديهيات . ثم قال : - نعم . إلى بلدنا . ان رصيف الزهور لا ينبئ عن جد .
ومع ذلك فان رصيف الزهور على جانب كبير من الجد . اذ ان الاستاذ سيمون كدج المحامي بمحكمة الاستئناف يملك به شقة على جانب كبير من الاناقة والجمال . ومع ذلك فالاستاذ سيمون كدج المحامى بمحكمة الاستئناف يروى للناس نجاحه في الحياة فوق معلقة من النحاس تصقلها الخادمة كل
صباح . ومع ذلك فالاستاذ سيمون كدج المحامي بمحكمة الاستئناف قد استبدل سيارته بأحسن منها منذ زمن قصير ، وابتاع مصيفا ريفيا يقضي فيه عطلته بسانت لونار من مقاطعة بروطانيا التى ليست هى بمسقط رأسه . ومع ذلك فالاستاذ سيمون كدج المحامي بمحكمة الاستئناف متزوج بمونيك ، تلك المرأة الفاتنة التى يشع ناظراها ببريق زرق الزهور ، والتي تعد بين أجدادها أمير الا ووكيلين عموميين . وردد خالد جملته فى شئ من الالحاح والقسوة : - ان رصيف الزهور لا ينبئ عن جد
ذلك أن الاستاذ سيمون كدج المحامى بمحكمة الاستئناف ، قد قضى قبل ان يصبح الاستاذ سيمون كدج المحامى بمحكمة الاستئناف - ما يقرب من عشر سنوات يتغنى ببلاده وبمآسيها و امالها . ذلك أن شبانا من الجزائر قد رددوا قصائده . ذلك أن خالدا قد سرد على امه ، وهى لا تحسن القراءة ، أقاصيص كتبها سيمون كدج . ذلك ان خالد ابن طوبال الصحافى والكاتب المتشرد قد أصبح المصيبة المتنقلة في هذا البيت السعيد . هذا البيت الذى لم تكن له مشاكل ولم يأبه به التاريخ . ولما انصرف خالد ، اظهرت مونيك لسيمون من اللطف والرقة ما لم يكن قد رأى مثله قط قبل تلك الليلة .
- 4 - الغربة هى عادة سيئة على المرء أن يألفها . الغربة هي مثلا هذا الشارع ، هي النور ينطفئ ، هى الليل يتمطى كأنه الدهر ، هى كآبة النزل الباهتة . الغربة هى الحرب . ها باريس ، رقصة الفالس فى لون الخزامي ، تداخلها السامة والملل . ان الحرب تدور ليلا . وان الليل هو الذي يسوى كل شئ وهو الليل يعيد كل شىء إلى الشك والنقاش ، بين مرور عربات الشرطة وداخل حى سان جرمان حيث يخيل للناس أن كل شئ مباح لهم . . اين هي تلك البيوت ، والاطفال لا حقائب لهم ، وتلك الروح الرومنطيقية الشائعة فى السهرة الهادئة . واين هم أولائك الجريئون الذين تسمح جرأتهم بانبعاث أضواء القمر وانبثاق أنوار الغرام والحب ؟ .
ان باريس عادة سيئة على المرء أن يألفها . لقد كان دائما في سحنة خالد ما يذكر بالسفر . وانه يشعر بأن السفر سوف يكون طويلا . ها دوى المفتاح يقرع مثلث النحاس المذهب . ان الغربة تنحصر فى حدود رقم سخيف ، عدد غرفة بنزل . وهذا البواب يتناعس . لا ، إنه لايتناوم انه ينام . وهذه الكف المرسومة بالمداد الاسود على اللافتة تشير الى مكان المرحاض ان الشقاء له لون البنفسج القاتم . ان هذا النزل من الصنف ذى النجمتين لاشئ سوى بطاقة مونيك فى الصندوق المخصص للغرفة عدد 7 . بطاقة مونيك التى تقول : " لقد كذبت الليلة الماضية . انى معجبة كثيرا بكتابك الاخير أرجوك أن تسمح بأن نتلاقي ثانية . استسمحك فى تقبيل يدك تلك التى تكتب . .
ان ارجاء البرهان أو تعطيله موكول أمره الى سيمون . ان الحرب قد أصبحت ذريعة عند الجميع ما عدا خالد الذى يعلم مقدار ما تخوله من تعلات لاولئك الذين يخافونها فلا يشاركون فيها ، ولتلك التى هى اجمل من خطيئة فهي تهب نفسها لانها لم تعد تملك ما تهب .
ذلك أن الماضي له كل الحقوق . وهو ما يبرح أن يعود ، يمشى بخطى وئيدة خافتة أحيانا ، وأحيانا ينقض كالوحش الكاسر ، فيفرض نفسه ويفرض شريعته ، سواء أكان ذلك الموعد برصيف الزهور أو بفجاج وادى الرمل او بأى مكان . هو يحضر فيخضع أمامه كل شىء انه اكثر الملوك اتصافا بصفات الملوك ، يحمل معه ضماناته ومعاييره ، وتبدو عليه علامات سيادته . انه يهمس فى الاذن وعلى الوسادة ، انه يخاطبك بجوار المدفئة وبجوار مخيم الطريق . وهو الوحيد يعرف التكلم ، وهو الوحيد له الحق فى الكلام لانه الوحيد لا يحمل تذبذب الحاضر ولا ادعاء المستقبل . وهذا التاريخ ، نعم التاريخ نفسه لا يكتب الا فى صيغة الماضى .
ان خالدا هو الخطر . لقد فهمت مونيك ذلك من اول وهلة . ان خالدا له
شكل الماضى . فعيناه لا تريدان النظر الى بعيد ، فهذا شعره المجعد القصير كأنه الزبد يقذفه البحر ويوكل اليه ان يتجمد . والبحر هو الماضي الحي ولكنه الماضى أولا وبالذات . - هل تعرف ) بلوا ( - لا
وكأن القصر يبدو كأنه من صنع حلوانى زين واجهة دكانه في يوم عيد . فحجارته الحمراء ترسل نفسا فيه السكينة والهدوء . وهذه غابات ) صولونيا ( تمد اشكالها الهندسية الدقيقة نحو ) شفرنى ( على مدى البصر . - اذن ما رأيك في سيارتنا الجديدة ؟ هل هى جيدة السير ؟ وعض خالد شفتيه لكى لا يرد بقوله : - اني أسخر من كل ذلك !
ها جدول كأنه من مناظر مسرحية غنائية بالقرب من ) بوفرون ( . اوقفت مونيك سيارتها . هذه الاشجار تعبث ، وهذا زورق ، كسته روحه الرومنطيقية بالصدإ , يتأرجح بين القصب . تبدو الغابة كثيفة . وهناك تضطرب احدى الضفادع . ان نور القمر يعلق بالاشجار . وفي الاسفل جسير مضحك حلو الشكل يخال نفسه آية فنية رائعة . واقترب القمر ، و( البوفرون ) مستسلم للنوم والعشب خائف فرق . وتجول الخواطر بذهن خالد : " ان فرنسا جميلة داخل بلادها وفي أرضها . ان المرء لا يفكر في الحرب هنا عندما يتذكر فرنسا .
ولكن ركبتى مونيك اظهرتا عزيمة قوية ، وكان ) البوفرون ( يرتل اسطورة عتيقة ولم تكن الاشجار تحدث بشئ سوى الحب يترقب الاغتنام وهذا النهد يتراءى ابله لطيفا . كانت أوراق الاشجار رخصة . وهذه المماشى المرسومة للصيد والقنص بالخيل لا تزيد الغابة حضارة . وضوء القمر علق بالاشجار دوما ! ان ركبتى مونيك فيهما شىء من الزرقة على الجوانب . وفي مجرى ) البوفرون ( تعانق قضبان القصب سمكة انقليس راقصة . وثار الليل في جسد مونيك
تحت خمائل الغابة كان خالد يلقى حصى فى الجدول . وكان سقوط الحصى يحدث نقطا متتابعة فيها حيرة وترقب . اما المونيكة فقد كانت تود من يتمتع بها وهذا خالد يفكر في أمه . فلا الركبتان في لطف استدارتهما ، ولا النهد الصغير ذاك العصفور المسكين الذى يحضن حنانا محرما ، ولا الفم الضمآن إلى البوح بالاسرار الملموسة ، ولا الصدر الذى لا يكاد يحوى تعلاته ، ولا الجدول الحامى الذي يجرى في عروق المرأة . . كان خالد يفكر فى أمه . وعبثت الريح بالفستان انها ريح تواطؤ . لكن لا شئ يستطيع حولا ولا قوة ، فلا الريح ولا الحمائم المهداة إلى أيد سلطانية ، ولا حتى ) البوفرون ( ولا حتى ) صولونيا ( ، ولا حتى الغابة . .
كان خالد هو الذى ساق السيارة فى طريق العودة ، وكانت مونيك تترنم بلحن شائع وكانت السيارة تخترق عزلات ثلاث : عزلة السهل وعزلة الليل وعزلة خالد ، قالت مونيك فجأة : - انى جائعة . فأجاب : - سنتناول العشاء بمدينة ) أورليان ( . لكن ألا تظنين أن سيمون سيتحير من أجلنا ؟
- سأقول له أن أمي قد استبقتنى عندها إلى ساعة متأخرة - وإن رأى أن يهتف إلى أمك ؟ - ستقول أمى انها استبقتنى عندها فقال خالد في سخرية لاذعة :
- حقا ! يمكن أن يقال أن التضامن العائلى يسود عندكم . لقد كان لا يقبل التواطؤ على الاثم ولا نوايا السوء المبيتة . واكتفت مونيك بأن ابتسمت بدون ان تشعر بأى حرج . فلقد كان فى استهتار خالد شىء من البراءة . هذا الخريف يأتي فيسدل على النجوم حجابة ، وكانت الطريق الرئيسية عدد 20 خالية من حركة المرور .
- ماذا ؟ إنك مجنونة ! لقد كاد خالد أن يخرج عن الطريق في المنعطف . وأعاد السيارة الى الاتجاه القويم بجهد وقد كانت تماس الاشجار الكبيرة على جانب الطريق ، وأنت العجلات . لقد قبلت مونيك يمنى خالد . حقا ان لها مثابرة واصرارا فيما تعزم عليه . قالت مونيك : - لقد كنت انذرتك انى مقبلة يوما ما هذه اليد التى تكتب . . وأجاب خالد بصوت غير بين : - هذه اليد التى هى الآن تسوق سيارة . وقد أخذ خالد على نفسه فى الحين ما كان يشعر به من عطف ولين يداخلانه . لقد كان شعر مونيك ينشر عبير طلاسم السحر . وها هي ذى تقول في صوت يتسم بجد غريب : - سوق السيارة أو الكتابة ، أليس الامر واحدا ؟ وأجاب خالد :
- على شرط أن لا ندع القيادة تفلت ، يا مونيك كدج . وكأن هذا التدقيق فى التسمية قد أدخل على المرأة شيئا من الاستياء . فاشعلت لفافة واعتكفت في صمتها . وكانت أول أنوار مدينة أورليان قد أخذت تلوح . وهذه النوافذ المفتوحة الزجاج يتسرب منها نشر المراعي النائمة وسأل خالد فى خبث : - هل ما تزالين جائعة ؟ فأجابت : - ان جوعى أشد ما يكون
وابتسم خالد وقد راق له ذلك . لقد هبت فيه شخصية الغازى . ان مونيك صغيرة فى منتهى الصغر لكنها كبيرة كأكبر ما يكون نهم المرأة وشراهتها وبعد الاكل سألت الكاتب قائلة : - كيف يجب ان افهم ما قلته لي منذ حين من أن شر ما يمكن أن يطرأ على الانسان هو أن يشبع شهواته ؟
ولم يجب خالد بل ضغط على المعجال واندفع بالسيارة نحو باريس .
-5- قبل خالد آخر الامر أن يضرب موعدا لمونيك - بالمدينة - غير بعيد عن رصيف الزهور ، في حانة كثيرة الضوضاء يكسوها طابع آفاقى تقع وراء مستشفى ) اوتيل ديو ( وكان ذلك في يوم ذكرى 11 نوفمبر ) 1 ( . كان خالد متكئا على المصرف يراقب حركة شيخين في منتهى النظافة يرتدى كل منهما بدلة تلوح فيها آثار البلى والتهلهل لكنك لا تجد فيها للوسخ أثرا . انهما من سكان مأوى الشيوخ العجز يحمل كل منهما في المكان المخصص للوسام من بدلته خيطا رقيقا ذابلا . لقد كانا يتخاطبان بصيغة الاحترام . لقد كان مشهدا ممتعا ومؤثرا ومحرجا ايضا
كان أحدهما يقول : - لا ! لا ! لقد كنتم دفعتم الثمن فى المرة الفارطة . فيجيب الثاني - وهل قبضتم جرايتكم ؟ ويقول الاول : - أما والله . . اني اود ان تتناولوا على نفقتى شيئا بعشرين فرنكا .. لقد قال ذلك باعتزاز فيه عدم اكتراث وتكرم ليس يشوبه حساب ، كبعض الاثرياء يقول لك : أأعجبك هذا الرسم لرونوار . اذن فهو ملكك . ثم صاح قائلا :
- يا غلام ! هات كأسين صغيرتين من الخمر . لقد كانتا كأسين صغيرتين جدا من الخمر الحمراء . وكان ينبغى ان يشاهد المرء حركة " الدولة الداعية ، عند بسط نقدها . ثم واصل احدهما بعد سكون التذوق :
- لا داعى الى التذمر . لقد اكلنا فى الغداء دجاجا . لقد كان نصيبي جناحا هذا قدره . - حقا ، لا داعى الى التذمر . لقد كان نصيبى انا فخذا هذا قدره . وكانت ايديهما ترسم فى الفضاء مقادير دجاجة في حجم حيوان ضخم من حيوانات أول الخليقة . وكانا يتغامزان ويتحادثان : - نحن الآن أحسن من أن لو كنا عند الراهبات . اليس كذلك ؟ ؟ - نعم والله . فلا حاجة عندنا إلى الصلوات . . وأضاف أسنهما مدققا : - هناك أشخاص يحبون التحدث غيبة وزورا انك تعلم .. ووافقه صديقه بحركة رصينة من رأسه وأضاف : - لا ! لا داعي الى التذمر .
كان تأليف القصص عند خالد استماع ونظر . وكان يعثر على الفكرة من افكاره فى الطريق وعند الناس . كان يعمل بكل مكان ولا يأخذ على نفسه سوى كونه ملاحظا اجنبيا خارجيا . على أنه كان يشعر في تلك الاحيان بانه قريب الصلة بغيره وانه ملك لهم . لقد كان ذلك مصدر ارتياحه الصناعى الوحيد . وكان هذا الرضى يصدر عن حساسية يبررها ما تتصف به من كرم ونبل اكثر من صدوره عن نزعة انسانية مقررة مصطنعة وسأل أسن الشيخين صديقه قائلا :
- اين كنت في مثل هذه الساعة ؟ " فى مثل هذه الساعة " أى فى يوم 11 نوفمبر 1918 . وفكر الرجل ثم مسح شاربيه وقال : - لقد كنت في الوحل . وهاهما اليوم غارقان فى العفن ، لكنهما قد تغديا دجاجا . - ما قولك في كأس أخرى بعشرين فرنكا . - ماذا يا عزيزى ، انك اصبحت لا تحسن التصرف . لقد تجاوزت
الحد في بسط يدك . وفي تلك اللحظة دخلت مونيك الحانة . كانت ترتدى فستانا من الصوف فى لون الرماد يميل الى الزرقة ، فكان يبرز قامتها المنقولة بلا شك عن بعض رسوم الازياء الحديثة المفرطة البذخ . وكانت تتأبط مظلة ذات رأس من العاج . كانت تبتسم وكان ثغرها أحمر وكانت عيناها زرقاوين .
وسألها خالد : - أترغبين في تناول شئ ؟ قالت : - كلا ! في غير هذا المكان ! والتفت الشيخان فقال أحدهما : - طبعا ، انه مكان فى منتهى الرداءة وردد الآخر : - نعم ، قد كنت أقول انى كنت فى مثل هذه الساعة غارقا فى الوحل .
- 6 - لقد كانت مونيك هى التى تتحدث عن الجزائر ، وكان خالد يشك احيانا فى صدقها . وقال خالد : - اما الجزائر فإنى سوف أفنى من أجلها . فأجابت : - كلا لا تقل ذلك ! انها فى حاجة اليك
وابتسم خالد ازاء هذه العبارة المخصصة للمتبئين المولعين بالاراجيف والكذب . فانه يوجد عدد لا بأس به من الناس يرون ان الكاتب ضرورى لحياة مجموعة مكافحة ولبقائها . ويا له من خطا جميل ! نعم يا له من خطا جميل انه خطا لكنه في منتهى الروعة والجمال . فالكتاب لم يغيروا قط مجرى التاريخ ، ذلك التاريخ الذى يحمل من الكفاءة والرشد ما يمكنه من السير بدون مرشد او دليل . فالكتاب ، سواء كانوا قصاصين أو شعراء ، وأصحاب الفن والابداع بصفة أشمل ، ليسوا فى الحقيقة سوى شهود ، نعم ليسوا سوي ظواهر اضافية لا أثر لها في شيء . ذلك ان المرأة الفاتنة جميلة بدون اعانة
مصفف شعرها . ومهما ادخل هذا المصفف على شعرها من الروعة والاغراء فانه لا يمكن ان يدعى انه هو الذى أنبته . فالغابة تحجب الاشجار ، وهو لعمرى امر حسن . والوطنى لا يكون الوطن كله ، لكن الوطن هو الذى يسمح بوجود الوطنيين وما عدا ذلك فهو ادعاء باطل ، وكل مقاومة لا ترمي إلى هذه الغاية ليست فى الحقيقة سوى تمرين بلاغى بسيط .
- إيه مونيك ! ليس أحد ضروريا لاحد ، الا فى أوج الكفاح وفي حدود لحظة خاطفة يتعين فيها القيام باعباء مسؤولية عابرة . فلا وجود لقطرة الماء التى تفيض الكأس ، بل يجب كثير من القطرات كي تفيض الكأس ذلك كل ما فى الامر . وقالت مونيك : - لكنك تناقض نفسك بنفسك ! فلماذا تقبل أن تكون شجرة وسط الغابة فأجاب بدون تردد : - انها مسألة شرف ! وألحت مونيك قائلة : - والحب ؟ ما هو نصيب الحب عندك ؟ قال : - الحب أمر خاص ، لا يهم غيرى . ثم سكتا . وأشد ما يذهب خالد الى الغيظ والتوتر عندما يكون بازاء هذه الضروب من الخلط .
لقد بقيت بعض الاعلام بشارع ) شانز يليزى ( وكأنما هي بعد مطر الصبيحة ثياب كئيبة نشرت كى تجف وكان سؤال خالد مباغتا اذ قال : - لكن ماذا تبغين منى فى الحقيقة ؟ وجاء الجواب في منتهى البساطة - أريدك أنت .

