فى الاتحاد السوفياتى لم يكتبوا كثيرا عن الاديب العربى رضوان ابراهيم ( * ) مثلا فى قاموس الادباء المصريين لنيكولاى كوتساريف نجد اسمه فى فصل أدباء لم يكن مؤلف القاموس يعرف عنهم شيئا غير الاسم . ومع ذلك نشاط رضوان ابراهيم الادبى يتميز بتنوع الاتجاهات ويفعم باهتمام حى نحو الأدب الروسى والابحاث السوفياتية فى الآداب العربية . وقد ولد رضوان ابراهيم سنة 1919 فى مصر بمحافظة القليوبية وتخرج فى جامعة القاهرة ككلية دار العلوم ، وهذا فى سنة 1944 . وأول مقالة له نشرت سنة 1949 فى مجلة (( الرسالة )) .
ونرى فى نشاط رضوان ابراهيم الادبى عدة اتجاهات وهى :
- اتجاه أدبى - تأليف أشعار وقصص قصيرة ،
- اتجاه صحفى - اشتراك فى عمل مجلات وجرائد ، منها : (( المقتطف )) و (( الرسالة )) و الأهداف (( و الثقافة )) ( مصر ) و (( الاديب )) و (( الآداب )) ( لبنان ) و (( الندوة )) و (( الفكر )) ( تونس ) و (( صوت البحرين )) و (( هنا البحرين )) و (( الحج )) و (( الاذاعة )) ( العربية السعودية ) و (( العربى )) ( الكويت ) والى غير ذلك ،
- اتجاه علم الآداب - نشر النصوص والمخطوطات من تراث الادباء العرب وتأليف المقالات عن الادباء والشعراء العرب والمقالات عن الادب الروسى والمقالات النقدية والمقالات عن نشاط المستشرقين الروس والسوفيات ،
- اتجاه الترجمة - ترجمة من الروسى الى العربى ،
- اتجاه تدريسى - عمل كمدرس فى المدارس ونشر كتبا دراسية .
واذا بينا نشاطه كشاعر فعلينا ان نقول : إنه ألف قصائد عاطفية غنائية تتميز بالرومنطيقية والانفعالية . وأما المؤلف نفسه فكان يسميها (( الشعر المنثور )) . واذا ألقينا أنظارنا إلى آداب العرب الحديثة فنجد مثل هذا الشكل الشعرى عند خليل مطران وأمين الريحانى وجبران خليل جبران . وعلى سبيل المثال قصيدته (( غضبى )) عن شعور الحزن وفراق الاحباب وقصيدته (( التمثال )) عن الهوى والوفاء وقصيدته (( أصداء حب )) عن جمال شعور الهوى والكلف . ومن ناحية الشكل قصائد رضوان ابراهيم مكتوبة بالشعر الحر والقافية منتظمة ولكن رسمها حر ورنيها جميل والاسطر الحرة تليها الاسطر المنظومة والايقاع واضح . مثلا :
ولن تمرح النسمة الفاجره
تزحزح عن ساقك الفاتره
حواشى القميص
وتنثر خصلاتك الفاحمه
على الجبهة الحلوة الحالمه
كطير يصفق فى غصنه
ليستقبل الرحلة القادمه ( الأديب ، ابريل 1958 )
والوزن هنا يمكن ان يقارن بالمتقارب والقافية الداخلية موجودة فى عدة كلمات : تزحزح ، تمرح ، فاجره فاتره ، فاحمه . وكذلك يمكننا ان نلاحظ انسجام الاصوات فى أوائل الأسطر وتوازى الكلمات فيها ، مثلا :
على مطلع الفجر أرنو بعيدا ... بعيدا
لعلى اراك
مع الطل يوقظ زهر الربا
مع النور يمحو خطايا الظلام
مع الطير يستقبل الفرحة الطالعة
مع الشمس تزجى خيوط السلام
مع النيل يضحك للمزرعه
مع القلب يخفق بالحب لك
ويهفو إليك
وبجانب القصائد العاطفية كان رضوان ابراهيم مهتما بالموضوع الاجتماعى السياسى . وقد كتب فى مقالته (( الالتزام والأصالة )) ما يلى :
(( ... اذن فالفن أولا ... الفن الناضح المتكامل ليستطيع أن ينال شرف الدفاع عن القضايا الكبرى ... قضايا الشعوب وحقها فى الحرية والسلام والرخاء )) ( الأديب ، أكتوبر 1958 ) .
وسنة 1956 فى أيام العدوان الثلاثى ضد مصر ألف رضوان ابراهيم منشورات متجهة الى تلاميذ المدارس وفى احداها قصيدته (( فى المعركة )) وها هى أولها :
على خطوط النار إحنا اسود احرار
نحمى البلد والجار ونرد الاستعمار
على خطوط النار
ورضوان ابراهيم تتضح أهدافه السياسية من احدى هذه المنشورات التى قال فيها : (( نحن نريد الحرية لجميع الشعوب ... السلام لجميع البشر ... المساواة لبنى الانسانية ... العمل والخبز لكل الآدميين ... أن يعيش الناس من كل الأجناس والمبادئ متعاونين ... أن يكون العلم أداة تعمير ورخاء وسعادة لسكان العالم ! )) .
وكذلك كان رضوان ابراهيم يعبر عن أفكاره فى قصصه القصيرة المطبوعة فى مجلات مختلفة وفى مجموعة قصصه (( جراح شعب )) وفيها قصص : (( الشيخ مدبولى )) و (( غرزة الحشيش )) و (( الشجرة الملعونة )) و (( طريق العدم )) و (( خبز الحرب )) و (( ورقة التوت )) و (( الفرح )) و (( من جديد )) و (( الفيضان )) . وما قصة (( طريق العدم )) فهى مترجمة الى اللغة الروسية. وفى أحسنها نرى أعلى قيم الآداب العالمية والعربية ونزعتها الفنية - الواقعية النقدية .
وفى ركن زاوية اهتمام رضوان ابراهيم - الناس البسطاء فى بلاده وهم فلاحون وعمال ونساء من الطبقة (( اللى تحت )) وأولاد الفقراء ومصيرهم صعب فى الحياة ويواجهون حياة قاسية . وفى كثير من القصص نرى تأثير الادباء من لحبل السابق على رضوان ابراهيم . مثلا ، قصة (( الفيضان )) مكتوبة بلا شك تحت تأثير (( الشيخ جمعة )) لمحمود تيمور . وبطل قصة (( الفيضان )) الشيخ ابراهيم مثل الشيخ جمعة انسان بسيط من صميم الشعب وفيه روح شعبية أصيلة وهو فيلسوف حقيقى يعيش على وجه هذه الارض القاسية بابتسامة الرضى كما تعيش زهرة فى الصحراء الرمضاء . ولكن عند محمود تيمور فى قصته لا نجد أسباب قسوة الارض ولا لطمات الرياح العاصفة العاتية ، وأما رضوان ابراهيم فهو يصف بطله فى ظروف حياته الصعبة عندما جدبت الارض فى مزرعته بسبب انه تنازل عن ماء الترعة لمصلحة أسرة أخيه الذي استشهد فى معركة فلسطين وثم تنازل عنه لمصلحة أولاد فلاح فقير ، وقد حاول ابنه عبد الله ان يأخذ المياه من ترعة باشا مالك الاراضى فى القرية ، ولكن سرقة المياه أدته الى السجن فقط . ونرى ان الشيخ ابراهيم بطل القصة يحب الناس ويساعد الفقراء وفلسفته فى الحياة هى الصبر . ها هى كلماته الى ابنه : كم مر علينا يا بنى ! وكم قاسينا فى سبيل الاحتفاظ بهذه التربة ! وكم بذلنا لها من العرق السخى والدماء الحارة ! وأخيرا غلبنا بصبرنا واصرارنا ... اين هؤلاء من الغز والترك والمماليك والفرنسيين ... والانجليز ..؟ كل هؤلاء غلبناهم بسلاح واحد هو ... الصبر )) ( جراح شعب ، ص 163-164 ) .
وان فؤاد الشيخ ابراهيم الصافى هو سبب حب الناس اليه ولذلك عند السجن يجتمع هؤلاء الناس ويطلبون حرية ابن الشيخ ولا يتركون المكان طوال الليل حتى الصباح ، وفى الصباح فيضان النيل الغزير سقى أراضى كل الكادحين . وان فيضان بحر النيل هنا رمز ارادة الشعب المصرى فى
العدالة والحرية والسعادة للجميع . ويصف رضوان ابراهيم صور الحياة الريفية فى مصر وهو خبير فى ظروف القرية المصرية لانها منها : ولد فيها ونشأ فيها ، وعلى سبيل المثال صورة الفرح فى قصته (( الفرح )) التى نرى فيها كيف تستعد العروس للحفلة ونسمع الاغنية التقليدية (( يا حنة ... يا حنة ... يا قطر الندى )) ونراها على يدى الروس ونسمع الاغانى وزغاريد النساء وسرور الرجال . هذه القصة عن احتجاج المؤلف ضد الجهل والعادات القاسية والوحشية . أما قصة (( الشيخ مدبولى )) فبطلها مخادع غشاش يستعمل جهل النساء واعتقاداتهن فى الخرافات ويأخذ منهن نقودهن وجواهرهن ، وتقع بسببه الأسرة الكاملة فى حالة العوز والفقر عندما يمنع فلاحا من ان يذهب للعمل فى السكة الحديدية بحجة انها من بناء الكفار . وفى هذه القصة نلاحظ تأثير محمود تيمور وخاصة قصصه (( الشيخ سيد العبيط )) و (( عم متولى )) و (( رجب افندى )) ، حتى عناوين قصص رضوان ابراهيم فيها تشابه بقصص محمود تيمور . ويتجه رضوان ابراهيم بانتقاد حاد ضد الظواهر الاقطاعية فى الريف المصرى ، مثلا فى قصة (( الشجرة الملعونة )) وصف تعذيب فلاح بضرب السياط . وموضوع مصير المرأة القاسى نراه فى قصص : (( خبز الحرب )) و (( طريق العدم )) و (( الفرح )) . وفى القصص فى مجموعة (( جراح شعب )) ينتقد رضوان ابراهيم شر الظروف الاجتماعية ولكن لا يرسم الطريق لازاحتها . فأول محاولة له أن يبين مثل هذا الطريق هى فى قصته (( ابن الثورة )) المطبوعة فى (( سلسلة القصص النموذجية لمكتبة النشء العربى )) سنة 1960 وبطلها يتيم عديم البيت فقير يسعى الى طريق النجاح بمساعدة الدولة وكده المستمر ، وفى أول القصة تطرده بنت الباشا القاسية ويصبح اليتيم المسكين على حافة الموت ، ولكن بعدما ذاقت هى بنفسها صعوبات الدنيا تغيرت وتزوجت بهذا اليتيم الكدود . وان فى هذه القصة نرى بوضوح قوانين الاصلاح الثورية فى ايام الرئيس جمال عبد الناصر وتأثيرها على الحياة المصرية ومنها مساعدة الدولة لليتامى والمتسولين وتكوين المزارع التعاونية وتقديم المساكن للعمال والفلاحين وتقديم الماء النظيف لهم والمساعدة الطبية والى غير ذلك .
وكتابة القصص للشبان شئ طبيعى فى نشاط رضوان ابراهيم الادبى وهو ليس اديبا فقط بل هو مدرس ومعلم وانه قام بالتدريس فى المدارس الثانوية فى بداية طريقة منذ سنة 1946 ، وأول كتاب له كان كتاب (( النصوص الادبية ، كتب مدرسية )) ( القاهرة ، 1949 ) . ويوجه رضوان
ابراهيم بعض مقالاته فى المجلات الى رجال التربية والتعليم ( مثلا فى (( المقتطف )) إبريل ومايو سنة 1951 ) . أما فى سنة 1960 فظهرت الى النور (( المختار من كتاب مقدمة ابن خلدون )) وقد قدم له وزير الثقافة المصرى فى تلك الايام ثروت عكاشة كاتبا ما يلى : (( من السمات البارزة للعصر الحديث العناية بتراث الماضى ودراسته وتفسيره ، فقد آمن المحدثون بأن الماضى ليس شيئا مضى وزال ، وانما هو يرتبط بالحاضر اوثق ارتباط ويؤثر فيه أبلغ تأثير ... والثقافة اليوم لم تعد وقفا على الخاصة وانما هى حق للخاصة والعامة على السواء ، ومن هنا نبتت فكرة تقريب هذا التراث ، وتيسير أمهاته، بنشر مختارات منه وتناوله بالشرح والتبسيط وتصديره بمقدمه تعرف بالكتاب وبأغراضه ، ودراسة عن المؤلف وحياته ومنهجه وآثاره ... ... )) . ومختارات من مقدمة ابن خلدون قد حققها رضوان ابراهيم ووهبها للقراء من الدوائر الواسعة مقدما لهم من جديد هذا المؤرخ الاجتماعى العربى العظيم .
وبقلم رضوان ابراهيم عدة مقالات فى الآداب العربية قديما وحديثا . وهو كان يجب الشعر العربى ونجد نحن صدى أصوات الشعراء العرب من البلدان المختلفة على صفحات أعماله الادبية ومن اهمها نشر وتقديم بحث لأحمد زكى أبى شادى (( شعراء العرب والمعاصرون )) سنة 1958 . وقد كتب رضوان ابراهيم عن ابن زيدون وابى القاسم الشابى واحمد شوقى ونزار قبانى وغيرهم فى مجلات : (( الاديب )) ( مارس 1956 ومايو ويونيو 1958 ) و (( صوت البحرية )) ( مايو 1954 ) و (( الندوة )) ( يونيو 1965 ) والى غير ذلك .
وفي سنة 1863 تخرج رضوان ابراهيم فى القسم المسائى لمدرسة الالسن العليا بتخصص فى اللغة الروسية وبدأ فى ترجمة الادباء الروس الى العربية ، وقد ترجم قصص لأنطوان تشيخوف وهى : (( السيدة المجهولة )) ( فى (( الأديب )) يناير 1963 ) و (( ورقة اليانصيب )) (فى (( الأديب )) ابريل 1963 ، و (( مغنية الكورس )) ( فى (( الآداب )) يونيه 1963 ) ، و (( دعابة )) ( فى (( العربى )) يونيه 1963 ) . وترجم كذلك من مؤلفات مكسيم غوركي وأركادى حيدر . مثلا : قصة (( الحجر الساخن )) فى (( النضال العربى )) يونيه 1963 ، وكذلك يورى ناجيبيين ، مثلا : قصة (( البلوط الشتوى )) ( فى مجلة (( الكاتب)) ديسمبر 1964 ) ، وغيرها . وحتى الآن توجد فى أرشيف رضوان ابراهيم الخاص نصوص بعض القصص المترجمة من الروسية غير المنشورة . ويمكننا
القول : إن رضوان ابراهيم قام بتعريف وسائط القراء العربية فى البلدان المختلفة بالثقافة والآداب الروسية .
وكان رضوان ابراهيم يهتم بمؤلفات المستشرقين السوفيات ومنها مؤلفات اغناطى كراتشكوفسكى ، مثلا ترجم مقالته (( حماسة البحترى وأول من حققها فى أوربا )) ، ومؤلفات المستشرقين الآخرين عن ثورة 1952 فى مصر وعن أمين الريحانى وعن ابن خلدون وعن يوسف ادريس وعن تأثير الادب الروسى ، وخاصة تشخوف ، على الادب العربى ، وكتب مقالات نقدية عن مجموعات قصص مترجمة من العربية الى الروسية مثل : (( الوجه الجديد )) ( قصص تونسية ) ، و (( الجسر الحى )) ( قصص المقاومة الفلسطينية ) . وهذه المقالات منشورة فى جريدة (( الصباح )) التونسية ( سبتمبر 1972 ) ، وفى مجلة (( الآداب )) البيروتية ( سنة 1973 رقم 9 ) .
رضوان ابراهيم معروف فى وطنه وخارجه كشاعر واديب وكباحث ادبى ومترجم وكناقد ادبى ومدرس وإن نشاطه واسع جدا وثقافته واسعة رائعة ، وسيعيش اسمه فى ذكرى الشعوب خالدا الى الأبد .
