الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

رضوان ابرهيم، كما عرفته (*)

Share

تعودت أن ألتقى به من خلال دراساته وأبحاثه فى معظم مجلات الشرق مثل " الاديب " و " الاداب " ، و " الهلال " و " العربى " و " الموقف الادبى " ثم كان لقائى الثاني معه فى تونس وبالتحديد فى شهر فيفري 1956 ، عندما نشر بمجلة " الندوة مقالة الشهير " رعاية الادب " الذى حدد فيه مهمه الاديب فى الوطن العربي ودوره الواعي المتجدد عبر السنين والايام .

لمست في كتابات هذا الرجل روحا ملتهبة ، وتنويعا ، وايمانا قلبيا يدفعه هدف كبير جعل عقله فى خدمته .

تبين لى من خلال هذا الاتصال الفكرى " برضوان ابراهيم " أنه كاتب مكثار وأديب طلائعي وناقد حصيف . .

هو لا يكتب فيم يشتم منه التسلية أو التخدير ، أو ما فيه دغدغة الغرائز وتملق الشهوات ، كما انه لا يجرى وراء الكسب المادى ، انه لزاهد فى كل ذلك ، ولكنه فى مسعاه كان يهدف الى افادة القارئ العربى ، وتوعيته ، وتعريفه بماضى حضارته العربية . . ألم يقل فى احدى مقالاته : " أصبحت مسؤولية الادب العربى خطيرة الى حد لم يعهد من قبل . . فاذا كانت سبيله بالامس التسجيل ، أو الترويح . . واذا كان بالامس فن ملحة ودعابة ، أو زينة مجلس ونقل شراب . . واذا كان الاديب بالامس مشعوذا ، او مهرجا ، أو مرفها ، أو ملهاة ملحقة بالركب ، فقد اصبح اليوم دليلا وهاديا وموجها . . لقد تطورت مفاهيم الادب بتطور الوعى ، وعظمت رسالة الاديب بعظم جدية الامور التى نعيش فى خضمها اليوم .

وعاد الاديب رائدا للمجتمع ، وموجها للامة ، يوقظها من غمرتها ، ويضع فى يدها سلاحها وأمام أعينها أهدافها ثم يمنحها الروح والقوة والجلد والصبر . .

لم تعد وظيفته في الامة أن يهدهدها ويغنيها الاغنيات الناعمة حتى تطرب ، أو يقص عليها الخرافات الحالمة حتى تنام . .

بل تبعته فى هذه الآونة أن ينشدها الانغام الثائرة ، حتى تهب ، وان يصرخ في آذانها حتى تثور على نفسها وعلى معايبها ، وأن ينصب لها المشاعل الوهاجة على الطريق حتى لا تضل ولن يقول لها بعد اليوم : نامى ولا تبالي الحياة ، واهجعي هادئة مطمئنة ودعي الكون يصطخب من حولك ، فمالك فى دنيا الناس من ناقة ولا جمل .

ولكنه قائل لها : اعملى واعملى واعملى ، حتى تسودى . . ان الناس جميعا يعملون ، ومن لا يعمل لا يأكل ولا يعيش ، ومن لا يتقدم فى كل لحظة خطوات ، ارتد الى الوراء " . . (1)

وتعددت لقاءاتي بفكر هذا الرائد العربي الواعي ، فاذا بي أتلهف على مقالاته الاخرى فى " الندوة " عام 1956 خاصة ، الدراسات الادبية المعاصرة " (2) و " شعر من نزار قبانى " (3) ، و " المسؤولية الثقافية للجامعة العربية " (4) . . أيقنت بعد اطلاعى على هذه الدراسات الهادفة القيمة أننى كنت فى صحبة رجل ليس ككل الناس ، لانه مفكر واع وكاتب أصيل له ملامح فكرية واضحة . . أدركت أن الفقيد رضوان ابراهيم له رسالة . . هو مؤمن بها ، ومتجه اليها ، ومدفوع الى حمايتها . . ويود أن يمضي في الطريق ليكمل المسيرة عن طريق القلم والحرف .

وجمعتني به الصدف ذات يوم بتونس فى ايام انعقاد المؤتمر التاسع لادباء العرب ( مارس 1973 ) . . كان الوقت مساء والجو منعشا . . حدث هذا بمناسبة حفل أقامه " اتحاد الكتاب التونسيين " بنزل " افريقيا " ، تكريما للأدباء

العرب . . قدمني اليه الاديب ابو القاسم محمد كرو قائلا له : " ان الصديق رشيد له كتاب في المطبعة يحمل عنوان " رواد الاصلاح " وسيتحدث فيه عن جماعة من رواد الاصلاح مثل الافغانى ، وعبده ، وبيرم الخامس ، وخير الدين التونسى ، وعبد الحميد بن باديس . . وشد بيديه على يدى . . قال انه يحبذ كتبا من هذا النوع لانه تأثر بحركة المصلحين كثيرا والتهم كل ما كتب حول هذا الموضوع ، كما عاشر الكثير من مريديها وما زال يحن الى الاماكن والاندية التى اعتاد ان يجلس فيها بالقاهرة كل من الافغانى ، وعبده ، وسعد زغلول ، ورشيد رضا ، ومحب الدين الخطيب ، ومحمد فريد . . وفي اثناء حديثنا عن " العروة الوثقى " قال : " انها البذرة الاولى لمقاومة الاستعمار فى شتى مظاهره ، كما حملت على سياسة التغريب والتشويه والتزييف " . كما عرفني بعض أصدقاء محمد عبده الاوفياء له ونوه به كمفكر واع تحمل المشاق فى سبيل مباديه وعن صلاته بالتونسيين التى امتدت منذ زيارته الاولى لتونس فيما بين : ( 6 ديسمبر 1884-5 جانفى 1885 ) ووعدني بالكتابة حول كتابي هذا حالما يتصل به وفعلا وفي بوعده وكتب فصلا عنه فى مجلة " الفكر " عدد ماى 1974 ، كما قدم بعض كتبى فى برنامجه الاسبوعى الادبى فى " اذاعة الكويت " ونشر عنها بعض الكتابات فى مجلتى : " الاديب " اللبنانية ( ديسمبر 1973 ) و " الصدى " التونسية : ( ع. 6 : 17 جوان 1974 ) .

قضينا حوالى الثلاث ساعات فى هذه الجلسة الفكرية الممتعة وأمكنني فيها أن أتعرف عليه كشخص ، وكمفكر . . وناقد ، وانسان يحب البشر ويتألم للمتعبين منهم .

هو يعمل باحدى هيئات وزارة المالية والاقتصاد والتجارة الخارجية بالقاهرة ، وهو يرأس " رابطة الادب الحديث " بها . . عاش فقيرا وذاق مرارة اليتم ، وانهى تعلمه بالقاهرة وأحرز على " الاجازة " فى الآداب ، وعلى عدة شهائد عليا : فى الادب العربى المعاصر . . وفي اللغة الروسية . . وفي علم النفس . . وفى علوم التربية .

واشتغل بتدريس الادب ، وبتنظيم المكتبات وله تجارب فى الشعر الوجدانى كما ألف عدة كتب منها :

أ) مجموعة من " قصص الاطفال " .

ب) مجموعة قصص " جراح شعب " .

ج) وكتبا تحمل عناوين : " ازمة التعبير الادبى " ، و " شعراء العرب المعاصرون " و " تيسير مقدمة ابن خلدون " .

د) وترجم عن اللغة الروسية عدة مؤلفات هامة منها كتاب عن " الادب التونسي " و " نظريات ابن خلدون " المطبوع بتونس عن ( دار المغرب العربى ) للمستشرقة الروسية "سيفتلانا باتسيفيا " ، استاذة اللغات الشرقية بجامعة " لينينجراد " والتي يعود لها الفضل فى التعريف بابن خلدون فى الاتحاد السوفياتى كمفكر عربى تتلمذت عليه الماركسية واعتمدت على نظرياته فى الاجتماع والاقتصاد والسياسة والتاريخ .

ومن خلال حديثي معه تبينت أن الرجل لا يحب الحديث عن نفسه ، لكنني أحرجته بأسئلتي وافتككت منه هذه المعلومات التى تبرز عصامية الرجل وجهاده الادبي وما أسهم به فى تغذية الفكر العربى فى معظم مجالات الادب بالوطن العربى واذاعاته خاصة فى مذايع " القاهرة " و " صوت العرب ، و " الكويت " و " دمشق " و " العراق " ، و الدوحة " ، و الجزائر " .

وتعددت اتصالاتى بهذا المفكر عن طريق المراسلة المستمرة او عند زيارتى له فى القاهرة في صائفة 1974 . . أدركت من خلال هذه الصداقة أن هذا المفكر العصامى ، الذى كافح الفقر والمظالم ، وهزأ بالاتعاب وتحدى الصعاب ، لو أراد أن يلعب بالذهب لاستطاع ، ولكنه فضل العيش الشريف . . فضل أن يعيش صوفي الروح يخدم أمته ، ويناضل فى سبيل أصالتها بما استطاع .

أدركت أنه يحمل فى نفسه أملا كبيرا لذلك سارع باقتحام الصعاب حتى لا يتعثر الشباب فيها أو تكون حائلا بينه وبين مسار الامة الطبيعى وضياء المنار الخالد الذى أقامه الاجداد طيلة أربعة عشر قرنا .

عاش الاستاذ " رضوان ابراهيم " طيلة حياته يكتب . . كتب فى تمجيد للغة العربية وثقافتها ، وأشاد بالنضال العربى ، وبشر بالوحدة ، وتغنى بالبطولات ، وباهي بالمواهب الشابة ، ودافع بقلمه عن قضايانا المصيرية ، وخاصة قضية فلسطين ، وأزمة المثقف العربى ، وأشكال الشعر والقصة . ومن أيادى رضوان ابراهيم على تونس أنه اخلص اليها . . أمد مجلاتها وصحفها " كالندوة " و " الفكر " و " الصباح " و " الصدى " و الثقافة " بعديد

البحوث طيلة عشرين عاما ، كما قدم الكثير من المؤلفات التونسية عن طريق " اذاعة الكويت " مثل : " السد " و " حصاد قلم " و " دراسات " و " أدباء  تونسيون " و " التوت المر " و " أعلام من بنزرت " و " الشعر التونسى المعاصر " .

وقد راسلني منذ بضعة أشهر طالبا مني أن أمده ببعض القصائد الشعرية للاساتذة : الهادي العبيدى ، ونور الدين صمود ، ومحمد العروسي المطوى ، وأحمد القديم ومحمد صالح الجابرى ، والهادى المدنى ، وعبد العزيز قاسم ، والطاهر الحداد ، وسعيد ابو بكر ، والشاذلى خزنه دار . . وفعلا انجزت طلبه وكانت آخر رسالة مني اليه منذ شهر تقريبا راسلنى على اثرها شاكرا ومعلما بان له دراسة عن " الشعر التونسى وتياراته " .

بمثل هذه الاعمال الادبية الجادة كان الاستاذ رضوان ابراهيم يعبر عن حبه لتونس ولثقافتها وفكرها وأدبائها . . وعنده أن الكتابة الاصيلة هي من أنفس الفنون ، وأن الشعر الجيد سيبقى غذاء ما دام للناس عواطف ومشاعر وأحاسس ، وان الفن الادبي الرائق سيظل الى الابد متعة للاذهان وبهجة للقلوب رغم تفوق الروح العلمية .

ومن آرائه : انه لا بد أن نكون حذرين من الدعوات الهدامة المدمرة التى تريد ان تقطع صلاتنا بتراثنا وبماضينا الحافل بالمآثر ، كما كان يوصى الكتاب بالشجاعة ، وطالبهم بالفناء فى سبيل المبدأ والعقيدة ، ودعاهم الى الالتزام لكن دون الخروج عن المتعة الفنية الجمالية ، اذ لا استغناء عن اى واحد منهما ، فهو يقول فى هذا الشأن :

" ولا تعارض بين أن يكون الادب لنفسه وبين أن يكون للمجتمع ، فانه لا يحمل الى المجتمع شيئا ذا قيمة ما لم يكن أدبا ذا قيمة يرضى الذوق المرهف والحاسة الجمالية ثم يطلقها متفجرة تنير سبيل الحرية ، وتنسف العوائق ، وتسير بالانسان الى هدف نبيل " (5) .

ومن دعواته أنه ألح على تواجد مقاييس وانماط جديدة فى النقد الادبى لان النقاد العرب لم تكن لهم وجهة علمية مدروسة أو فلسفة واضحة فيما يكتبون

من آراء نقدية ، طالبهم بامعان النظر فى الاثر المنقود حتى لا تنمو وسائل الهدم والتدمير ، كما اوصاهم بعدم القسوة ، لا ن القسوة جارحة وقد تثنى العزائم عن الانتاج ، كما دعا الى التراجع فى الاحكام حتى لا يمتد الطريق الشائك أمام المنحرفين .

وهو يرى أن الكاتب الصادق المؤمن المسؤول يجب ألا ينحاز الى رأى أو الى مبدأ أو شخص ، لان ذلك يفقد العمل الادبى قيمته فى رأى الحق والتاريخ .(6)

هو يطالب الكتاب دائما بالتزام الصدق والحق فيما يكتبون . . يناديهم بالدقة ، وبتجنب السرعة والتزييف . . يؤكد في هذا الشأن :

" لا بد من العدالة ، وتسليط أضواء الضمير ووزن مصير الاحكام أمام التاريخ يوم ينصب لهذه الاقلام موازينه العادلة " . (7)

هذه بعض آرائه تجدها فى مقالاته ويحدثك عنها بلهجة رصينة هادئة وبروح انسانية رقيقة فتحس بسر اللمسات الرائعة فى حديثه وكتابته . . تلاحظ في مبرات صوته وفى تعاببيره أن الرجل يحمل ملامح واضحة . . فى الفكر . . فى الجهاد . . فى الكتابة . . فى المزج بين مختلف التيارات الفكرية المعاصرة .. فى الهدف الاكبر . . هدف الكاتب الاصيل الواعي والرجولة الحق .

ورغم مظهره المتواضع ولين طبعه ، تشعر اذا ما خلوت الى " رضوان ابراهيم " او تجاذبت معه أطراف الحديث انك أمام رجل خير بطبعه قد آمن برسالة وتعذب طويلا فى سبيل حملها وتبليغها .

لقد كون شخصيته مرحلة ليصبح كاتبا مسؤولا يضئ الدروب ، ويدفع المواهب ، ويغذى المشاعر . . رفض " رضوان ابراهيم " الادب المحنط الذي يزيد فى تخدير الشعوب واذلالها للحاكمين ، وترفع عن الكسب المادي وعن الرتب والالقاب الوهمية وظل يعمل قرابة نصف قرن من اجل تعميق المثل العليا وتوضيح الفكر الاصيل ، الملهب للاحاسيس والعواطف . . المفجر للثورات . . الهادف الى توعية الاجيال وخلق الرجولة فيها .

فتحية اليك ايها الصديق الاعز . . وليتقبلك الله برحمته وغفرانه وليجزيك خير الجزاء .

اشترك في نشرتنا البريدية