الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

رفقا بالقوارير يا . . .

Share

لقد نشرت مجلة " الفكر " فى عددها قبل الاخير ( فيفرى ) نص تهمة وجهها نحوى السيد جعفر ماجد .

ويدعى صاحبنا ان موضوع " اسطورة موجة " الذى نشرته فى مجلة الفكر قد اخذته عن قصيدة نشرت له فى جريدة الصاح تحت عنوان " حكاية موجه " ، ويقول فى ما يقول " انى اتهم السيد رشيد الغالى بانه اخذ من قصيدتى اكثر مما يجب . . ويتجاوز حدود الاقتباس . . مع استعمال اساليب للتعميد . . " ثم يورد قصيدته كحجة على صحة دعواه ويكتفى بذلك . .

فان صح قول بعضهم عن الشعراء بانهم كتلة عواطف وبانهم سطحيون فى آرائهم فان هذا القول لا يصح تمام الصحة فى عصرنا وخاصة عند الشعراء " المثقفين " الدين يدرسون الهندسة والكيمياء والفيزياء والجبر وعلم النفس ومختلف الفلسفات . . فلعل هذا يخفف من وطأة سيطرة عواطف وتغلبها عليهم ويكسبهم ، على الاقل ، عادة التريث واستعمال العقل . . وصاحبنا  محظوظ فهو يتابع تعلمه العالى . .

والآن اعود لاسائله هل فكر فى معانى الكلمات التى اوردها فى تهمته : " التهمة ، الاقتباس وحدوده ، اساليب التعمية و . . الباحث النزيه . . "

ولا اظن ان الاكتفاء بالقاء التهمة والتهجم يكفى لادانة المتهم . فالتهمة تبنى على اصول . كان عليك ان تقدم دراسة تبرز فيها الجوانب التى اخذتها من قصيدتك ثم تأتى بالبراهين والادلة مع ايجاد منطق هذه البراهين وتقديمها فى اطار مصمم يعتمد الدقة والضبط والتحليل

كنت اظن انى ساواجه نقدا نزيها وان صاحبنا سيلبى مطالب هذا النقد ( ابراز المحاسن والمساوى مع الادلاء بالتوضيحات ، الاراء الشخصية ، التوجيهات . . ) ولكنى فوجئت بطفل يتلعثم . .

فالنقد فى حد ذاته جميل اذا بنيت اصوله على المنطق والا فان امثال هذه التهم تدفعنا الى ثرثرة فارغة لاكنه لها . وعلى كل حال فها أنا ارد على التهمة على تفاهتها فالحكاية والاسطورة يختلفان " لو كنتم تفقهون " فالحكاية هى الكلام المنقول او الخبر الموصوف ، وفى الحكاية لا بد من عودة الى ينبوع الحادثة ومن نقل اشخاصها بشىء من التصرف و . . . الخيال . . . اما الاسطورة فهى شىء آخر . فجذر الكلمة هو ؛ س ط ر . وسطر الشئ

اى كتبه وخطه ووضعه . والاسطورة فى اللغة هى الحديث الذى لا اصل له وفيها معانى الوضع والخلق ولعل الخلق له علة اولى تدفع بالشىء الى ان يكون . او الى الكينونة . .

وليس لاسطورتى المتواضعة اصل وانما هى وليدة عوامل جعلتها " تكون " وهذه العوامل تتمثل فى استراتجية البلاد التونسية وفى الحروب التى دارت من اجل افتكاكها .

والتاريخ يحدثنا عن هذه الحروب من القرطاجنيين الى الوندال الى الروم . الى العرب الى . . الفرنسيين . وما معركة بنزرت الا حلقة من حلقات تلك الحروب وما هى الا نفس من انفاس البربر الذين يحاربون خلال التاريخ الانسانى . من اجل استرجاع السيادة . . اذن فاسطورتى وليدة هذه الاستراتيجية وهذه الحروب ومن وحى احداثها . .

وليس لاسطورة ( سيزيف ) اصل او واقع ولا لشخصية ( سيزيف ) وجود ذاتى وانما ولدها التفكير الانسانى ، خلال العصور ، بعد الامعان والغوص فى اسرار الوجود وعلته وفى الانسان ووجوده ، وغاياته واهدافه ومنطق حيويته . . وساعيد كتابتها باكثر دقة . . نعم ساعود ، وسأعيد نشرها متى تسمح الظروف لذلك لان الاعمال المرهقة حالت دون الانتاج . .

واظن ان مقالى رمزى . تونس الفتية ، العبقرية فى طور " الخلق والدفق والتوليد " تصنع ماهبتها . ماهبتها هذه المتميزة بها . والماهية كل . والكل متكون من عناصر . ومن عناصر الكل التونسى او الماهية التونسية ، من عناصرها بنزرت . وهكذا نرى ان معركة بنزرت شىء لا بد منه . . ولا يجدر بى متابعة شرح اسطورتى وانما سأترك هذا للقراء . . . والآن نعود الى قصيدتك واسالك : اين قصيدتك من هذه المعانى التى اشرت اليها ؟

كان على ان اقف عند هذا الحد واترك للقراء الاجابة ولكنى سأحاول ان امر بالقصيدة . فهى عموما جميلة ، فيها سبك ونسج وصناعة . . اما الوحدة المعنوية فهى مفقودة او تكاد ان تنعم . ففى القصيدة قسمان :

القسم الاول : المقطع الاول والثانى والقسم الثانى : المقطع الثالث والرابع - والخامس والسادس

وموجتك هذه لم اتفهم ما تشير ( ون ) بها اليه . فانى اجدها تارة " تطوى الطويلا " واخرى منهوكة ومدهوشة . ثم هل اردت الاشارة الى شىء عند ما اوردت الموجة فى صيغة النكرة ؟

اما القسم الثانى فهو لا يختلف كثيرا عن المتنبى او ابى تمام او غيره فى وصف المعارك . . فانت فى هذا الباب ماهر . . .

كان عليك ان تعود الى نفسك وتخلص الى مشاعر فتصور كل ما يختلج فى اعماقها فتكون بذلك قد اخلصت لمبادىء الصدق الفنى . . ولا ادرى ان كنت تعتقد انك لبيت مطالب الحكاية المنظومة ، او مطالب الملحمة ؛

واخيرا اريد ان اشير الى ان صاحبنا قد ادخل تحويرا على نص القصيدة التى نشرها فى جريدة " الصباح " . وبما ان حجته الوحيدة فى تهمته هى القصيدة كما نشرت فى جريدة الصباح ، كان عليه ان لا يحور شيئا

الصباح

ليت شعرى اى ارض تبتغى

ليت شعرى هل تريد المستحيلا

الفكر :   شئ

الصباح

يشرب الانغام منها ذاهلا

ليت فيها بعض ما لا يعلم

الفكر

ان بعض اللحن لغز مبهم

الصباح

كل شئ حوله فى حيرة

بينما للحسن ثغر يبسم

الفكر    غارق

الصباح

دوت الارجاء صوتا واحدا

قاصفا يجتاحها مثل الرعود

الفكر

دوت الارجاء صوتا واحدا

قاصفا يجتاحها مثل الركود

الصباح

خلدت للمجد سفرا خالدا

خطه بورقيبا بابا فبابا

الفكر : "          مشرقا وهنا تحوير آخر بسيط .

ومما لا شك فيه ان هذا التحوير بغير نوعا ما مرامى القصيد " فالشئ " له مدلول يخالف " الارض " و " الرعود " تخالف " الركود و " وحوله " غير " غارق " و " ليت فيها بعض ما لا يعلم " غير " ان بعض اللحن لغز مبهم " لا ادرى ان كان هذا الفعل ينم عن شىء فى نفسية صاحبنا . . لا ادرى .؟ وانما اعترف ان صاحبنا قد ادرك ان اسطورتى رمزية فمال ، فى تحويره الى لغة الرمز والشمول والعمق والايحاء

واخيرا اشكر لصديقى ماجد تهمته الشريفة لانها دفعتنى الى الكتاب موضوع لم يسبق لى ان طرقته ولو يسمح فيتفضل لاطلعه على مذكراتى ليشاهد انى رسمت اطار الاسطورة ايام الواقعة . . .

اشترك في نشرتنا البريدية