تقع مدينة رقادة فى الجنوب الغربي للقيروا ، في سهل فسيح ممتد كثير البساتين والمزارع ، يصفه المؤرخون بانه كان ضيعات قبل احداث البناء به ، وهو اخصب الاراضى المحيطة بالقيروان ، حتى ان الحبة تعطى مائة حبة فى سنوات الخصب ، وكان الطبيب ابن اسحاق طبيب ابراهيم الثاني الاغلبي يعرى راسه حينما يخرج من القيروان متوجها الى رقادة ، لطيب الهواء واعتداله ورقته ، بالاضافة الى ان هذا الاتجاه هو المجال الوحيد لتوسع مدينة القيروان لانها مهددة من الجهات الاخرى بالسيول والسباخ.
يتفق جميع المؤرخين على ان اسم رقادة مشتق من الرقاد ويذكرون ان ابراهيم الثانى الاغلب بالارق ، فنصحه طبيبه ان يرتاد المواضع عله ينام ، فنام فى موضعها فسميت رقادة . بينما يذكر آخرون انه مشتق من رقاد الجثث بعضها فوق بعض فى مقتلة وقعت في المنطقة بين الورفجوميين والاباضيين سنة 140 ه . والحقيقة انى اشك في صحة الروايتين ولكنى لا املك حججا ادعم بها شكى سوى انهما لاتلو كل منهما من جانب اسطورى ، ولعل اسمها مشتق من كلمة لاتينية لم نطلع عليها بعد ، خاصة وان موقع رقادة لم يكن اكتشافا اسلاميا محضا بل آننا نملك ادلة اثرية تثبت انه سكن قبل الاسلام ، فوجود المقبرة ربها ، وما تحتوى عليه من فخار بعود الى القرون الثلاثة الاولى للميلاد يدل على ذلك ، بالاضافة الى ان كثافة المقابر تدل على وجود تجمعات سكنية ، وان المستوى المادى لهذه التجمعات كان مرتفعا نسبيا نتيجة لرقة الفخار ، وجودته
ثم ان هناك نصا تاريخيا يفيد ان الاغالبة كانوا يترددون ويتنزهون في هذا المكان ، ونتيجة لكل هذه المعطيات اعتقد ان ابراهيم الثاني لم يختر موقع رقادة صدفة ، بل انه كان يعرفه ، ولهذا تنتفي حكاية النوم والارق.
وان الاسباب التى دعته لبنائها لم تكن النوم او الرغبة فى اللهو كما بنسب اليه ذلك المؤرخون ، خاصة وان له فى ملاهي العباسية وقصورها ما يغنيه عن رقادة . ولكن المعتقد انه عمرها نتيجة لأسباب سياسية عسكرية فالذى يتطلع الى دراسة عصر ابراهيم يجد ان الاضطرابات والخصومات على جميع المستويات السياسية والعقائدية الفكرية او الدينية ، بلغت اشدها ، فالاضطرابات التى قام بها الموالي في العباسية ، والجند المقربون في تونس ، كذلك لاننسى الخصومات الدينية مع الاباضيين فى الجنوب ومع فقهاء القيروان انفسهم . لكل هذه الاسباب ولغيرها اراد ان يبنى لنفسه مدينة محصنة يستوطنها ، فكانت رقادة ، وقد ايدت الاثار ذلك فإن القصر الذي كشفت عنه الحفريات بابراجه واسواره ومدخله المنحني يدل على انه عمل اولا وبالذات ليكون قلعة دفاعية ، ومقرا للسكنى بعد ذلك ، كذلك يذكر الرحالة الاصطخرى انه توجد خارج القيروان ابنية كانت معسكر آل الاغلب وتسمى الرقادة ثم اننا نجد اشارات كثيرة فى كتب التاريخ الى انها استعملت كمعسكر للجيوش الصنهاجية
بالاضافة الى اننا اذا تتبعنا حركات انشاء المدن فى تلك العصور نجد ان الاغراض العسكرية كانت على رأس الاسباب التى تدعوهم لذلك . فإن المهدى الذي قال حينما بني المهدية : الآن امنت على الفاطميات ، يدل ، على انه كان ينشد الامن لا اللهو او النوم . كذلك قول عقبة حينما اسس القيروان : لئلا يطرقها صاحب البحر.
وفي التأكيد على هذا الجانب لايمكن اهمال الجانب الشخصى ، والرغبة فى التعمير خاصة إذا كانت البلدان تتمتع بثروات هائلة ، كما كانت افريقية فى القرن الثالث وما كان يدره عليها توسع الزراعة ونموها ، وتوسع الفتوحات من ثرواات طائلة.
ومهما كانت الاسباب الداعية الى تأسيس رقادة ، فإن المؤرخين يذكرون ان ابراهيم بن احمد الاغلبى شرع فى بناء مدينته رقادة فى شهر صفر سنة 263 ه . نوفمبر 876 م . واول ما بني من قصورها قصر الفتح، واستقر به قبل اتمامه سنة 264 ه . 877 م .
ومنذ ذلك العهد اخذت فى التوسع والنمو حتى قدرت مساحتها بـــ 24 الف ذراع واتخذت دارا ومسكنا وموضع فرجة للملوك ، وبنيت بها القصور العجيبة ، وعمرت الحمامات والاسواق ، والفنادق ، وقد ارتفعت هذه القصور وسط البساتين اليانعة التى حفظت لنا كتب التاريخ اسماء بعضها: كقصر الصحن ، وقصر الفتح ، وقصر البحر ، وقصر الرصافة ، وقصر بغداد ، وقصر المختار وغيرها . وقد حمل هذا الاشعاع المطرد ابن الابار على ان يقول انها صارت اكبر من القيروان
ولم تقتصر على سكنى الامير وحاشيته فقط بل سكنها ايضا بعض اهل الخدمة والمقربين من الامراء الاغالبة ، فقد بنى ابراهيم دارا كبيرة لضيافة البلزميين الذين اتقدمهم من بلادهم الى رقادة سنة 280 ه . يصفها للمؤرخون بإنها تشتمل على دور عديدة ترجع الى باب واحد وامر كذلك ببناء فندق كبير لايواء بعثة من الزاب قدمت عليه فانزل لهم به واجرى عليهم الخلع والارزاق ...
وتذكر النصوص التاريخية ان احد المهندسين بني لزيادة الله الثالث قصر البحر وانه بناه على اربع طبقات ، الامر الذي ثار عجب المهدى الفاطمي الذي قال : " رايت شيئين بإفريقية لم ارهما بالشرق هما قصر البحر برقادة ، وماجل باب تونس بالقيروان " فتعجب المهدى يدل على ان التطاول فى البناء لم يبتدع بعد بالشرق ، وان المهندس الافريقي هو المبتكر لهذا النوع من العمارة وانه هو الذي حمله مع الفاطميين للشرق ، خاصة وان علو البناء يبدأ ذكره في القرن الرابع في القاهرة .
احيطت هذه القصور بالبساتين اليانعة التى اغترس فيها صنوف الثمار الطيبة وانواع الرياحين ، وقد جلب لها الماء من مسافات بعيدة على منشآت اعدت لذلك من حنايا مرتفعة او قنوات تحت الارض وبنت الفساقي العظيمة بدقة وصلابة لتستطيع خزن وتصريف المياه الكثيرة ووزعت هذه المياه على القصور في قنوات تحت الارض وقسمت بمصارف وفتحات في غاية الدقة والنظام ، وان الذى يشاهد ما كشفته الحفريات من من منشآت مائية للتوريد والتصريف ومجار واسعة عميقة يعترف بما لهؤلاء الامراء من عناية بالماء والزراعة .
يحيط بهذه القصور والفنادق والاسواق سور له سبعة ابواب نعرف منها باب سالم ، وباب القيروان ، وخارج السور كان الملعب الذي تقام فية صلوات الاعياد ، والاحتفالات العامة ، وقد استقبل فيه زيادة الله الثالث سفراء الدولة البيزنطية .
وقد راعي ابراهيم في تخطيط مدينته ان تنفسح طرقاتها لتجول فيها العربات التى كثر استعمالها فى العصر الاغلب ، والتى من اجلها عبدوا الطرق ورمموا الجسور .
لم يدم حكم عبد الله بن ابراهيم طويلا ، اذ قتله ابنه زيادة الله الثالث وتولى مكانه ، وامر الدولة فى تراجع ، فقد اسلم هذا الامير قياده الى اللهو ، وترك امور الدولة فى ايدى الغلمان والجوارى حتى وصلت ببعضهم الحظوة عنده ان ضرب اسمهم على الدراهم والدنانير وقد اغتنم ابو عبد الله الداعى هذه الفرصة فشدد الخناق على الدولة المحتضرة ، فأخذ يتقدم بجيوشه نحو العاصمة واصطدم بجيوش زيادة الله عند الاربس فكانت الهزيمة للاغالبة . ففر زيادة الله الثالث الى الشرق حاملا معه اغلي الكنوز واثمنها وبذلك ابتدات دولة الشيعة فى افريقية سنة 296 (909) وبفرار زيادة الله فر سكان رقادة من الامراء والحاشية واهل الخدمة الى المدن الاخرى ، واصبح الناس الى المدينة فانتهبوها واخذوا من بقايا اموال بنى الاغلب ومتاعهم وصنوف الانية من الذهب والفضة ، وحفروا فيها الحفر بحثا عن الاموال ، واقتلعوا اقفال الابواب ولم تسلم من القلع حتى زخارف الدواوين وابيحت المدينة للنهب مدة خمسة ايام حتى ارسل ابو عبد الله من يضبط امورها فوجد الناس بين داخل وخارج ، فامر الخارج الا يعود والداخل بالخروج فارغا .
وفي يوم السبت مستهل رجب سنة 296 ه . دخل ابو عبد الله رقادة ووجوه القوم مشاة بين يديه مهنئين بالفتح والنصر وامن له زيادة الله ودولة الاغالبة فامنهم وردهم ردا لطيفا ، واجابهم في خصوص ذم زيادة الله ، بانه كان قويا وله دولة شامخة ولكن امر الله لا يدافع . ونزل بقصر الصحن ووزع دورها على رجال كتابه .
وبعد مدة من استقراره بها جهز جيشا لفك اسر المهدى الذى كان مسجونا بسجلماسة ، ودخل به رقادة سنة 297 فتلقاه اهلها وأهل القيروان . فسلموا عليه فرد ردا جميلا وساله اهل القيروان تجديد الامان لهم فقال لهم انتم آمنون في انفسكم وذراريكم ولم يذكر الاموال فذكره بعضهم في الاموال فلم يجبهم .
بدخول المهدى رقادة ابتدات دولة جديدة في افريقية فقد امر بأن يذكر اسمه في الخطبة ، و على النقود ، والبنود ، وتلقب بامير المؤمنين ، ودون الدواوين وامر بان يزاد فى اذان الفجر " حي على خير العمل " وبذلك كانت رقادة أول مدينة بعد بغداد فى تاريخ المدن الاسلامية ، ونافستها الخلافة بعد ان كانت تابعة لها ، ولم تصبح عاصمة لافريقية فقط بل عاصمة عموم المغرب من طرابلس الى المغرب الاقصى وكما نافست مكة دينيا فقد بلغ الحال ببعض متطرفي الشيعة ان اصبحوا يولون وجوههم في صلاتهم جهة رقادة ثم الى المهدية بعد ذلك ، حيث يسكن المهدى ومدحه احد شعرائهم :
حل برقادة المسيح
حل بها آدم ونوح
حل بها احمد المصفي
حل بها الكبش والسذبيح
حل بها الله ذو المعالي
وكل شئ سواه ريح
وبعد فترة وجيزة من جلوسه على عرش الخلافة في رقادة امر المهدى بقتل الداعي واخيه لما بلع الى علمه عنهما انهما اشتركا في مؤامرة ضده . ولا نعلم هل انه اراد التخلص منهما ، كما وقع لابي مسلم الخرساني وابي سلمة الخلال او انهما اشتركا فعلا في المؤامرة .
وهكذا عمرت رقادة للمرة الثانية ، بحاشية المهدى ، ومنهما كانت توجه السياسة الجديدة للدولة الجديدة ، وبدأت ترسل الحملات العسكر
للقضاء على الدويلات المتارجحة فى الجزائر والمغرب الاقصى فقضى على دولة بني مدرار فى سجلماسة ودولة بني رستم في تاهرت ودولة الادارسة وملك جميع ذلك
ولم ينس المهدى العداء التقليدى بينه وبين اهل السنة في القيروان ورأى ان مدينة رقادة لا تحميه منهم لقربها ولتحصيناتها الضعيفة ، فأخذ يرتاد الاماكن على الشاطئ حتى عثر على مكان المهدية وهو رأس داخل في البحر صخرى الشواطئ بحيث ان السفن لا تقترب منه الا بصعوبة بالاضافة الى انه يسهل تحصينه بسور متين على البر يصل بين البحرين ، وهكذا كان فاصبحت المهدية من امنع الامكنة واكثرها تحصينا وامنا .
ولما انتقل الى المهدية سنة 308 ه . هجر رقادة ساكنوها فدخلها الوهن وبدأت تخرب شيئا فشيئا ، وهو امر طبيعي لعدم العناية بها وصيانتها .
ودخلت رقادة طي النسيان مدة 24 سنة ثم طفح ذكرها من جديد ، ففي نص تاريخي ان القائم الخليفة الثاني الفاطمي ، فر من وجه صاحب الحمار من رقادة الى المهدية سنة 332 ه . مما يبعث على الاعتقاد انها بقيت مستوطنا ولو لفترات قصيرة للخلفاء استنتج ذلك من هذا النص ، وهى نصوص تاريخية اخرى تفيد ان الامراء الصنهاجيين كانوا يسكنونها بين الحين والحين ولفترات طويلة نسبيا .
بهذه النصوص التاريخية ندحض قول البكرى الذى يذكر ان المعز الفاطمي لما ولي امر بهدم منازل رقادة ولم يبق منها غير بساتينها وقا نواصل ذكرها وسكناها من طرف الصنهاجيين الى سنة 443 ه . اى الى فترة الغزوة الهلالية ، فقد كان الصنهاجيون كل هذه السنين ينزلون بقصورها ويرسلون منها الهدايا الى الخلفاء الفاطميين بالقاهرة ويرسلون منها الحملات العسكرية ضد المارقين بالمغربين ، حتى جاءت افواج الهلاليين وانهزمت جيوش المعز بن باديس امامهم فامر باخراج عمته السيدة ام ملال وعياله وحرمه من رقادة واخذهم الى المهدية وبذلك ينقطع ذكر رقادة من الكتب التاريخية ، فاستنادا الى هذه النصوص ، اعزو هدم رقادة وخرابها الى خراب افريقية ابان الهجرة الهلالية التى محت نضار افريقية وازدهارها والقتها فى طيات الخراب والدمار وللتدليل على ذلك
اذكر نصا يشهد بسلوك هذه الارجال البشرية ، يقول النص : " خرجت من القيروان وسرت ليلا ، فكنت اكمن بالنهار فلم امر بقربة الا وقد سحقت واكلت ، واهلها عراة امام حيطانها من رجل وامراة وطفل ، يبكي جميعهم جوعا ، وبردا ، وانقطع المير عن القيروان وتعطلت الاسواق ، وامسك العرب جميع من اسروه فلم يطلقوا احدا الا بالفداء مثل اسرى الروم ، اما الضعفاء والمساكين فقد امسكوهم لخدمتهم " .
وبعد حوالى الف عام من خراب رقادة كشفت الحفريات بقايا قصر من تلك القصور التى عددت بعضها وهو مبنى بالطوب التى الذى يشتمل على حوالي 160 غرفة عدا الممرات والدهاليز مربع الشكل يحيط به سور خارجي تدعمه ابراج نصف دائرية وبداخله صحن يحيط به رواق من الجهات الاربع تفتح اليه الغرف وبه غرفتان رئيسيتان اكبر واوسع من الأخرى لكل منهما حنية يظهر انها كانت تحمل قبة اما سقفهما فقد كان محمولا على اعمدة مزدوجة.
ويشتمل قسم منه على مجموعة من الشقق لسكنى الحرم ، يفصلها عن المقر الرسمي للامير ممر اشبه بالدهليز.
كما خصصت به ثلاث مجموعات بنائية للاغتسال كحمامات تشتمل على الغرفة الباردة وغرفة المابيين ، والغرفة الحارة ، وقد جلب الماء الى هذا القصر في مجار وقنوات تثير التعجب لاتساعها واحكام بنائها ، تدخل القصر تحت اسس الجدار الشمالى الشرقى وتمر تحت تباليط الصحن فى قنوات واسعة مبنية بالأجر ، ومغطاة به ، الى الفسقية التى يتوسط الصحن ومنها يوزع على الحمامات والغرف ، اما تصريف المياه المتعفنة فتمر في مجار اخرى تحت التباليط ايضا بعضه يذهب الى آبار عميقة في القصر نفسه ، وبعضه يخرج من تحت الجدار الجنوبي الغربى .
وقد كسيت جدران الغرف الرئيسية بزخارف على الجص تمثل عناصر نباتيه او هندسيه او كتابيه ، وفد استعملت الزخارف النباتية كالاوراق المختلفة للعنب او الا كافتس ، والوريدات وجرائد النخل وعناقيد العنب في مساحات مربعة احيطت باطر جميلة من الاشكال الهندسية كالدوائر والمربعات او الاشكال النجمية او الخطوط المستقيمة او المنكسرة وغيرها .
وقد اظهرت هذه الزخارف الروح التجريدية للفنان فبتحويره لها عن اشكالها الطبيعية ابعد عن نفسه تهمة التقليد والنقل عن الطبيعة وحشر شخصية وعواطفه فى القطعة المرسومة فلم يعد يرسم ورودا واوراقا او اغصانا ملتوية او متشابهك بل اصبح يرسمها كما تتفاعل مع انفعالاته واحاسيسه .
اما الاشرطة الكتابية فتتمثل في آيات قرآنية او ادعية صالحة ، كتبت بالخط الكوفي الجميل ، اما غائرة او بارزة وقد لونت الغائرة بالوان زاهية كالازرق والاحمر .
تحتل هذه الزخارف الجصية النصف الاسفل من الجدار او تستعمل كعضادات واطر للشبابيك والمداخيل وقد الصفت على الجدران بمسامير حديدية فوق طبقة من الجبس .
اما اعالي الجدران فكانت تزدان بقطع من الزليج ذي البريق المعدني التي عثرنا على قطع جميلة منه ، مثل تلك التى تزين محراب جامع القيروان ، مما يدل دلالة واضحة على ان صناعة هذا النوع الجميل من الفخار كان صناعة افريقية .
لكن اهم ما تفخر به رقادة هو تلك المؤسسة العظيمة التي كانت تسمى بيت الحكمة وهى الجامعة التى اسسها ابراهيم الثاني لدراسة الرياضات والفلسفة والفلك والطب وغيرها من العلوم غير الدينية لانه هو نفسه كان مولعا بعلوم الرياضيات خاصة بالفلك والتنجيم .
ورغم ان اخبار هذه الجامعة نادرة غامضة لان كتب التراجم اهملتها شديد الاهمال فلم تكتب عنها وعن اخبار علمائها الا نادرا ، لان مؤلفي هذه الكتب كانوا ينظرون الى هذه المؤسسة الجديدة نظرة غير مرضية ولان الامير ابراهيم نفسه كان مولعا بالرياضيات وخاصة الفلك والتنجيم فقد اسس هذه الجامعة وجلب لها اساتذة في كل الفروع العلمية من الشرق وخصص لها اموالا لشراء الكتب وآلات الاختبار والتجربة واوقف لها كتبة وقيمين ونساخين ومترجمين واشرف بها علي مجالس المناظرات والمجادلات المشهورة بين رجال السنة والمعتزلة وكان كثيرا ما يحضر هذه المجالس ويشترك فيها كما كان ابنه عبد الله الثاني يحضرها ويشترك فيها ايضا خاصة وقد كان عالما له نظر حسن فى الجدل كما يقول ابن الاثير .
وهذه الجامعة هي التى ارست قواعد المدارس العلمية في افريقية حتى رز فيها مؤلفون وعلماء دونوا فى جميع فروع العلم ، خاصه الطب الذى تعدد المختصون فيه حتى اصبح لبعضهم شهرة واسعة فيما بعد كأحمد ابن الجزار وغيره وكان بعض اطباء الدار يجلسون فى شوارع القيروان يكتبون الوصفات للناس بدنانير ويصرفونها على الصيادلة لجلب الدواء .
كذلك نشطت هذه الجامعة حركة الترجمة عن اللغة اللاتينية خاصة وان اغلب الامراء الاغالية كانوا يتقنون هذه اللغة ومن اشهر رجال بيت الحكمة اسحاق بن عمران الطبيب وهو الذى ظهر به الطب بالمغرب، وعرفت الفلسفة ، وكان طبيبا حاذقا مميزا بتاليف الادوية المركبة بصيرا بتفرقة العلل ، وقد الف كتبا هامة منها : كتاب الماليخوليا ، ويصفه المؤرخون بانه لم يسبق الى مثله ، وكتاب في الفصد ، وكتاب في النبض ، كذلك اشتهر من بين مدرسيها اسماعيل الطلاء الذى كان يدرس الرياضيات وكان غاية فى النجامة ولما انقرضت الدولة الاغلبية اضطر للعمل بتحضير الطلاء للسيدات (ماكياج) لضمان قوته لان بيت الحكمة انقلبت في العصر الفاطمي الى مقر للدعاية والجدل الديني بين رجال الشيعة واهل السنة .
اما حركة التعريب وتدريس العربية فقد سبقت العصر الأغلبي بكثير فقد قدم علماء العربية ومدرسوها منذ القرن الاول ، فما ان اهل القرن الثالث حتى اصحت مدرسة صلبة الاسس انجبت علماء اجلاء من ابناء البلاد تضاهى ما كانت عليه اختها المشرقية وكان على رأس هذه المدرسة عبد الملك ابن قطن الفهرى ، شيخ اهل اللغة العربية والنحو والرواية ورئيسهم وعميدهم والمقدم في عهده وزمانه عليهم ، وكان من احفظ الناس لكلام العرب واشعارها ووقائعها وأيامها....
تطورت ابحاث هذه المدرسة حتى وصلت مرحلة الاختصاص في العصر الاغلب فقد تخصص المهدى فى النحو واخبار العرب ، وامتاز حمدون النعجة بغريب اللغة وامتاز اللؤلؤ في النقد والغريب ، وله كتاب في الضاد والظاء وابن الوزان بالعروض وغيرهم كل تخصص فى فن وتبرز فيه كما تخصص بعضهم في بعض الدراسات الادبية دون غيرها ، ووصل ببعضهم التعمق الى اختصاصات ضيقة جدا كان يهتم احدهم بدراسة شاعر واحد فقط فالداروني مثلا تخصص في دراسة شعر ذى الرمة وكان اعلم الناس به ...
وكانت منتديات رقادة والقيروان تعج بالشعراء الظرفاء لكن مؤلفي التراجم عفر الله لهم اهملوا هؤلاء الزناديق حسب رابهم فلم يترجموا لهم الا نادرا لذلك قلت معلوماتنا عنهم ، ومن النتف القليلة الواردة نستطيع ان نقول ان شعراء القرن الثالث في افريقية تكلموا فى كل اغراض الشعر العربي ولكن شعرهم بين الجزالة والضحالة اما اغلبيتهم فيقلدون شعراء الشرق .
وكان الفقهاء ينظرون الى الشعراء نظرتهم الى مارقين زناديق فقد شهد اربعون عدلا ضد الشاعر الفزارى على انه يستهزىء نكلام الله فقتله القاضي وصلبه ، يقع هذا فى القيروان ، بينما نجد ان النشابشتى وهو من جلة علماء العراق فى القرن الثالث يتبع سير الخلعاء من الشعراء امثال ابي نواس والشاعر الخليع وغيرهما ويلم نتف اخبارهم من الادبرة والحانات واماكن اللهو وغيرهما ليدونها بدون تحرج بكل ما فيها من مجون ومروق على الدين او على الاخلاق العامة .
سجل لنا كل ذلك فى كتابه الدرايات الذى يعد من اجمل كتب ادب المناسبات والمجالس في الادب العربى .
لكن يبدو ان الامراء الاغالبة الذين تمتع اغلبهم بثقافة عالية واسعة كانوا يعقدون مجالس الادب والشعر دون اى اعتبار للفقهاء المتزمتين ويحترمون الشعراء ويصلونهم بالصلات السنية فقد ذكرت النصوص ان بكر ابن حماد الشاعر الاديب كان ينتجع الامير ابراهيم الثاني برقادة ويمدحه بغرر القصائد فقدم عليه ذات يوم فمنعه فتى الامير بلاغ من الدخول لان الامير مصطبح مع جواريه في الجنان فاحتال حتى ابلغه قطعة شعرية ارتجلها منها :
خلق الغواني للرجال بلية فهن موالينا ونحن عبيدها
اذا ما اردنا الورد في غير حينه اتتنا به في كل حين خدو دها
ثم ارتجل بيتا آخر :
فإن تكن الوسائل اعوزتني فإن وسائلي ورد الخدود
وبلغت الرقعة الى الامير فقراها ودفعها الى الجوارى فانشدنها واظهرن سرورا بها وشفعن اليه لى ان اخرج الى بكر بن حماد صرة مختوما فيها مائة دينار .
وبعد .
فهذه سيدي الرئيس عجالة عن تاريخ رقادة التي يشرفها اليوم ان تبعثوا لها تاريخها الحافل من جديد بعد ان رقد الف عام او ما يزيد ونبتهل الى المولى جل وعلا ان يمدكم بالعافية والسعادة كي يصبح مجد رقادة ومجد تونس ازهى واعظم مما كان .
هذا نص المحاضرة التى ألقيت بين يدى السيد الرئيس الحبيب بورقيبة بمناسبة مرور الف عام على تأسيس مدينة رقادة .
م ش
