الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

رقصة على وتر الضياع

Share

تململ فى جلسته . ونمت تقاطيع وجهه عن حزن بليغ ، وقال فى باطنه بأسى عميق : المتاعب لا نهاية لها ، والعذاب لم يعرف بعد الخاتمه ، وحياتى مزيج من المتناقضات وخليط من المصطلحات التى أغرق فيها عند خواتم كل شهر : الماء ، الكهرباء ، الكراء . . أف .

نظر باهتياج تجاه الورقتين المطالبتين بتأدية ثمن الماء والكهرباء . وقال بغضب مشوب بأمل ضئيل : يا إلهى ، أما لهذا العذاب من نهاية ؟

شعر بالاختناق ، فارتدى قميصه وسروالة وخرج من منزله هائما . . انعكست أشعة الشمس على صلعته التى تذكر بالصخر الاملس فزادته حرارة . استولى عليه بأس خطير فتساءل : ما جدوى التسكع اذا كان الحزن يستوطنه ؟ . . أوشك على الرجوع الى المنزل ، ولكن سرعان ما عدل عن هذه الفكرة لما رأى أمامه حانة . . انتشى فى ظرف وجيز . . نبضت عروقه بدماء البهجة والسرور . . تعالت الحانة فى ذهنه كبرج بابل ، وأضحى الماء والكهرباء والكراء فى خبر كان . . توجه نحو الباب والقى نظرة " متنبئة " على الداخل. فى آها تغرى بالدخول : شرذمة من الناس لا تتعدى أربعة أشخاص ، وفتاة تسقيهم خمرا ، وزجاجات الشراب المحرم - من مختلف الاشكال والالوان .- مرصوصة وراءها . .

- السلام عليكم يا رجال . رد عليه اثنان : وعليك السلام بغنج وميوعة قالت الفتاة : ألا تخصنى بسلام ؟ قال ضاحكا : السلام عليك  فصاح رجل بدين : السلام عليك او عليكم سيان . لا أهمية لشئ .

فأكد قوله رجل أسمر قائلا : أجل فنحن لسنا فى درس النحو . وقال شاب اشقر باندفاع : ليسقط النحو وليعش الخمر! وتكلم الرابع لاول مرة ، فقال وهو يتفحص كتابا فوق طاولته: - ليسقط الخمر وليعش النحو ! . . تتابعت الاحتجاجات : - هذا كلام لا يقال فى حانة . - هذا حديث المدارس . - حضرتك أستاذ ؟ .

ثار قائلا : هذا يهمنى . شعر بارتياح لولوجه هذه الحانة ، وتساءل : ألا يمكن أن تنحصر الحياة داخل هذه ( الغرفة ) ؟ . . شرب الكأس الاولى ، فالثانية ، فالثالثة ، فالسادسة . . وكان الآخرون يثرثرون وهو صامت . . - أنا " كسرى أنو شروان " . . انتبه اليه القوم ، وقال أحدهم بسخرية : رب وزير أعجبك وهو صامت احتله غضب هائج سرعان ما اندثر حينما سمع " الاستاذ " يقول : وأنا " نابليون " . . لا ٠٠ أحد تلامذتى هو " نابليون " . قال لى فى فناء الثانوية : أمنيتى الوحيدة أن أحكم بعض بلاد العالم كما فعل امبراطور فرنسا ؛ فقلت له : لتحقيق رغبتك اشرب زجاجة خمر مثلجة ، وستصبح حاكما على العالم أجمع دون أن تكون نهايتك فى المنفى !.

- هذا كلام الفصحاء . - هذا كلام العباقرة . - أنت أستاذ الأساتذة قال الأستاذ بهدوء : أنا الحطيئة سألته الفتاة بدهشة : من هو الحطيئة ؟ أجابها البدين : أظنه أحد تلاميذه .!. تجاهله الأستاذ وقال : هو شاعر قصير هجاء . - وهل أنت مثله ؟ - فى قصره فقط. وعم الضحك أرجاء الحانة الدافئة ، وبدأت الفتاة تضحك بإغراء محاولة ان تثير غريزة أحد المخمورين . . انبثق صوته فجأة : - لن تعرفوا من أنا ؟ !

سمع صوت الأستاذ يقول : أنت بديع الزمان الهمذانى انفجر البدين قائلا : عليك اللعنة . . اخرس فقد ملأت رؤوسنا بالاسماء الموجعة للأدمغة تشجع الاشقر فقال : نحن لا نعرف الا الخمر . ليسقط كل ما يمت للخارج نصلة ! . قال بغضب : يا أولاد الزنا ، قلت لكم لن تعرفوا من أنا !. أجابة الاسمر : ومن أنا ؟ . قال بعنف : أنت . . استوعب الرجل الكلمة بسهولة غريبة ، وقهقه بلا مبالاة. غضب ، فضرب الطاولة بقبضة يده وصاح بعنف ممزوج بالتهديد : من انا ؟ سأله الاشقر بصوت مبحوح : من أنت ؟ . أجاب بكبرياء : أنا عنترة .

علت التصفيقات فى أركان الخمارة ، ولما هدأ الضجيج جاءه صوت الاستاذ وهو يعارض : - ولكنك أبيض اللون ، والعفة ليست " مذهبك " فقد أفرغت فى بطنك عشرين كأسا على أقل تقدير ، وعيناك لم تغادرا - قط - وجه الفتاة .. صاح بحدة : قلت لكم أنا عنترة . - ليحيا عنترة . صرخ الاستاذ حتى انتفخت عروق عنقه : عنترة مات فى الجاهلية . - ليرحمه الله ! - كان رحمة الله عليه عفيفا وشجاعا. - ليرحمه الله ! - كان رحمة الله عليه مجتهدا يحفظ دروسه ويواظب على التمارين اليومية - من ؟ . - ابنى رحمه الله . - وأى علاقة بين عنترة وابنك أججمه الله ؟ . - كان رحمة الله عليه يتغنى بشعره دائما فلقبته بعنترة . انتابه شعور لذيذ بالفترة المرحة التى يمر بها ، وقال باستسلام مروع : لا يحزن فى هذه الحياة الا الحمقى !. شعر بدوار فى رأسه فقال : أرى الدنيا تدور .

- أنت سكران !! .. تساءل غاضبا : يا عباد الله هل الارض تدور أم لا ؟ أجابه الاستاذ : الأرض ترقص !. - إذن من السكران ؟ . كلنا سكارى ..

طلب زجاجة ثانية ، وبقى يشرب حتى عجبت الفتاة منه . رفع عينيه الى السقف فرأى الضوء يتسلط على ناظريه ، وتذكر - فجأة - الورقتين المطالبتين بتأدية ثمن الماء والكهرباء . أحس بعلاقة غريبة بين ورقة الكهرباء ومصباح الحانة فاستوطنته لذة جنونية للتكسير . . رفع الزجاجة ببطء ، ثم دفعها الى أعلى بكل ما فيه من جهد . . اصطدمت الزجاجة بالمصباح ، وغرقت الحانة فى ظلام دامس . . ارتفعت غمغمات السكارى . . بدأ العراك وصراخ الفتاة يطغى على كل صوت . . اللكلمات ترقص على الوجوه ، والكدمات تزخرفها . . أخذ زجاجة - فى الظلام - وحركها يمينا ويسارا ، فارتطمت برأس صلب دون ان تتكسر . بدأ يديرها فى كل جهة وهو يغنى أغنية خليعة . . اصطدمت الزجاجة بأخرى فشعر بحاجة ملحة الى سماع اسطوانة . . طارت الزجاجة من يده . . بدأ يبحث عن زجاجة اخرى . . سقط على طاولة ، ثم نهض لتستقبله لكمة عنيفة رمت به أرضا . . حاول ان ينهض ولكن أقداما كثيرة داسته . . اختلط الماضى والحاضر والمستقبل فى ذهنه . . انعدم عنده الزمان والمكان . . اجتاحته رغبة شديدة فى البكاء . . شعر أن الحركة خفت فى الحانة . . استمع جيدا الى اصوات خافتة : الانين ينبعث من كل ركن . . جذبت انتباهه حركة أنفاس مسموعة فى ركن بعيد عنه . . التجأ الى مكان الحركة . . بصعوبة شديدة تمكن من مشاهدة شبحين مضطجعين بطريقة ملتحمة . . أراد أن يجرهما . . ولكنه سمع صوت الفتاة تقول : كفى . .

أحس بغضب لا محدود وقال فى نفسه : من هو الوغد الذى استغل الظلام ل ....؟.

حاول ان يفرق الشبحين ، فجاءته لكمة قاسية على أسنانه . . وضع يده على موضع الالم وهو يكاد يبكى . . وجاءته لكمات سريعة وعنيفة فارتمى بين الطاولات فاقدا لوعيه . .

اشترك في نشرتنا البريدية