الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

رواية ، السلطان بين جدران يلدز

Share

وهى رواية تمثيلية سياسية تاريخية وقعت حواشها بالشرق الادنى فى غضون الثلاثين سنة الاخيره تاليف الكاتب البارع

حقوق الطبع محفوظة لمطبعة التقدم ) ( وحقوق التمثيل والترجمة محفوظة للمؤلف )

طبع بطبعة التقدم بتونس نهج الحقيقة عدد ٢

الفصل الأول السلطان بين جدران يلدز يرفع الستار عن السلطان

(السلطان) خانت عهودى حبائبى وزمانى

والشعب لا يرجو سوى خدلانى

دهر يسىء وأمة لا ترعوى

عن غيها بتردد الحدثان

حسبوا السياسة لعبة أو كرة

مخلوقة لتلاعب الصبيان

طمعوا ولو علموا الحقيقة لاكتفوا

بالعيش دون مواطئ السلطان

ظل الاله بأرضه ووكيله

وخليفة المبعوث بالقرآن

سخروا بعمى مع أخى وتوهموا

أن يبلغوا منى مدى الأمانى

إنى سأخدعهم بكل وسيلة

وأقودهم بحبائل الشيطان

حتى إذا ركنوا وسالموا

جرعتهم كأسا من الأحزان

وأذقتهم طعم الهوان ولذة الـ

ضغط الشديد على بنى الانسان

أجعلهم فردا وكلهم أنا

بوسائط التغرير والخذلان

كى يعلموا أنى الفريد بضغطه

حتى غدا نيرون من أعوانى

هذى سياستنا وذى أخلاقها

فلتتخذها أيها الثقلان

(الحاجب) مولاى ان مدحت باشا يريد مقابلة جلالتكم

( السلطان) فليدخل

(مدحت) مولاى ! إنى قد عرضت على مسامع جلالتكم منذ مدة مشروع القانون الأساسى وصرحت لكم أن نشره فى مملكة جلالتكم المحروسة هو الوسيلة العظمى فى حفظ المملكة من الخراب والدمار ! وهو العلاج الوحيد الذى تخف به وطأة التداخل الأروبى فى شؤون هذه المملكة المترامية الأطراف والتى هى مثار التنافس بين الدول وداعية التحاسد . وما من واحدة من هن إلا وتحلم بالاستيلاء على مقر عرشكم . ومعلوم ان هذه النقطة التى جنى عليها موقعها الجغرافى هى جنة الدنيا بلا منازع وإن الذى يربض فيها إذا كان ذا قوة ومنعة يكون هو وحده السيد الحكم فى طول قارة اروبا وعرضها .

ومع ذلك فقد بقيت انتظر جواب مولاى النهائى فى هذا الشان وكنت أود

أن أترككم تدرسون هذا المشروع الخطير درسا مدققا حتى يلوح لكم بما أوتيتم من الذكاء وتوقد القريحة انه هو الترياق المجرب لاصلاح شان هذه المملكة التى اصبحت ميدانا للثورات والقلاقل . ولكن قد طرأت أمور لم تكن فى الحسبان ، أوجبت حضورى لديكم الساعة ، وإلفات نظركم للمسارعة فى إعلان القانون الاساسى . فجلالتكم على علم من أن الامور ازدادت ارتباكا والثورات كادت تعم الوطن المقدس ، والفكر العام بأوروبا قد أصبح متهيج ضدنا وروسيا تواصل السعى فى حل المسألة الشرقية أو بالتالى فى تحقيق أمانيها فى الاستيلاء على الاستانة لا سمح الله . ولقد كنت الساعة عند السير هنرى إليوت سفير دولة بريطانيا فوجدته ممتعضا ورأيت منه فتورا لم أره من قبل . وعندما تجاذبنا اطراف الحديث فى الأحوال الحاضرة أوضح لى حرج

المركز وخطارة المشاكل التى أصبحنا نسبح فيها. ولقد فاتحنى بكلمات ما كنت أظن أسمعها منه . قال لى يا مولاى : إن انقلتيرا وقعت فى ورطتين : فاما أن تميل لتركيا فتخسر سمعتها ونفوذها الأدبى فى المجتمع الدولى وفى الوقت نفسه تظلم الانسانية وتنصر الباطل على الحق وإما أن تجاهر بمناواة تركيا ومناقشتها الحساب فتخسر نفوذها بالشرق الادنى وتضيع مودة رعاياها المسلمين خصوصا الهنود فتفسح المجال لروسيا فترتع كما تشاء . على أننى قد ضحكت كثيرا لما أبلغنى ناظر خارجيتنا قرب انعقاد مؤتمر الاستانه لحل المسائل الخلافية لاعتقادى أنه لا يأتى بفائدة . وان الكأس قد ملئت والصلح قد فاض ولأن جلالة السلطان متصلب على إنى لا أنكر أن مطالب بعض الدول فى غاية الشطط وجلالته تأبى أن تلوث سمعتها فى أوليات مدة جلوسها بأن تمنح المسيحيين امتيازات وحقوقا لم يعرفوها من قبل سيما وأن عاطفة التعصب قد انتبهت كثيرا وحادثة فتاة سلانيك أقوى حجة على ما نقوله .

( السلطان)  يا للحماقة ! يقول تعصب وهو أدرى بالحقيقة من سواه بل هو يعلم ويشارك بأمر دولته فى الدسائس والمكائد التى تنصبها الدول ضد الشرق وأهله .

( مدحت) فقلت له يا مولاى : هون عليك أيها السفير ! ان جلالة السلطان ليس كما تفكر ، بل هو رجل ديمقراطى متنور الفكر يرى ان اصلاح الحالة أمر ضرورى ، وان الاعلان بالقانون الأساسى قد دار فى خلد جلالته يا صديقى القانون الأساسى أحقيقة ؟ ومتى يكون ذلك ؟ هل يكون بعد إتمام أعمال مؤتمر الاستانة ، قلت : لا ! قبل انعقاد المؤتمر بقليل أجابنى - بقليل يا سعادة الباشا آذن لى بالله أن اخبر اللورد دربى ناظر الخارجيه بهذا النبأ العظيم فقلت له : لا ! لا ! يا جناب السفير نحن نتحادث بصفة ودادية فلا نجعل للرسميات علينا من سبيل . ولقد أخبرتنى فى هذه الآونة بأمور لا أظنها رسمية . فأنا أجبتك أيضا ، وكشفت لك النقاب عن بعض الخفايا فان كنت

تعتبر حديثك معى حديثا رسميا فاعتبر ايضا حديثى كذلك - لا ! لا ! ليس رسميا وإنما نحن نتحادث كصديقين ولكن على كل حال أعلمك أن لو توفق جلاله الخليفة لاتمام هذا المشروع وإبرازه من القوة إلى الفعل فانه لا يعدم نصرة ومساعدة من دولة ابريطانيا العظمى

( السلطان) إننى أعجب ويحق لى أن أعجب من هذه المقدمات والتمهيدات التى بادرتنى بها يا مدحت ! ويلوح لى من خلال محادثتك هذه أنك مرتاب فى إخلاصى ، وميلى للدستور . ولقد قلت لكم غير مرة انى دستورى بكل معانى الكلمة ! ولكن آه يا وزيرى كم من صعوبات تحفنى ومسؤوليات تحيط بى أنت تعلم اننى لا أريد الملك وقد قضيت شطرا من حياتى فى عيشة البساطة والشظف ! فأنا فى غنى عن أبهة الملك والثروة والترف !

وقد توسلت إليكم أن تنتظروا أخى مراد ريثما تتحسن صحته ! وتقيلونى من حمل هذا العب الثقيل فأبيتم . وأوقعتمونى فى الفخ . فأصبحت كما ترانى أحكى راكب سفينة عصفت بها العواصف ، والتهمتها النار فاما الحرق وإما الغرق .

ذلك إما ان أعطى الدستور وأعلن بالقانون الأساسى فأعرض نفسى لغضب السفهاء وبقية الجامدين من أفراد الشعب فيتقولون على الأقاويل ويشيعون بين الجهلة والسذج ، اننى غيرت منطوق الشريعة ، وحكمت النصارى فى رقاب المسلمين وليس الخطر فى هذه الأزمة منحصرا فى أميال الشعب العثمانى بل يتعداها إلى إخفاق مساعينا التى بذلناها وسنبذلها فى تفهيم كافة المسلمين ان ليس توجد خلافة اسلامية فى غير سلاطين آل عثمان . وانت تعلم يا عزيزى مدحت ان خسارة مودة ثلاثمائة مليون من النفوس ينتمون لدولتنا ويعترفون بها وحدها انها تمثل النيابة عن النبى الكريم لهى خسارة لا توازيها خسارة

سيما وإنا قد اتخذنا ميل تلك الملائيين من النفوس قوة أدبية أمام اضطهادات العالم الاوروباوى لنا . على اننى لا أخفى عليك أننى أظن بل اعتقد ان منح الامة دستورا قد يعود على فى يوم من الايام بالوبال والسحت وربما أنزلنى يا أحمد من هذا العرش بغاية السهولة فأصبح سجينا فى سراية جرغان أناجى أخى مراد ويناجينى

( مدحت) لا ! لا يا مولاى ! دع عنك هذه الهواجس والخطرات ليس شئ من ذلك يكون فجلالتكم على علم تام بان القانون الاساسى يضمن لكم كمال النفوذ فاذا تأملتم قليلا يا مولاى فى فصوله تجدون ولا ريب أن تولية الصدر بأيديكم ، وكذلك وزيرى الحربية والبحرية . وتلك هى مصادر قوة الدولة ومظاهر سلطانها . وعلاوة على ذلك فانه يخولكم وحدكم ان تطردوا من الممالك المحروسة من ترونه مضرا بالمصلحة العامة او مكدرا للراحة .

( السلطان) لا حول ولا قوة إلا بالله أتريد يا مدحت أن تقنعنى أن إعلان

القانون الأساسى مفيد ؟ كلا ثم كلا ! ولكننى فاعل مع علمى بالعواقب الوخيمة التى تنجم عن ذلك

(مدحت) فاعل يا مولاى إنك والله تاج السلاطين وجوهرة عقده الثمين .

(السلطان) آه ! ثم آه ! يا أحمد فاعل ولكننى شاعر بالبلايا والرزايا التى ستنتابنى من وراء ذلك وإن نفسى تحدثنى بالويل والثبور والذل بعد العزة والمهانة بعد الرفعة ! واحسرتاه ! واسفاه ! كان شخصا أمامى يمثل لى مستقبلى مظلما ! وإنى سأنزل عن هذا العرش مهانا ثم أغرب إلى أقاصى البلاد واحرم من لذة العيش الرغيد فى هذه البلاد التى كستها الطبيعة جمالها ورواءها ، فأصبحت غانية المشرق بل جنة الدنيا . اللهم رحماك فقد أوسعت على الملوك رزقهم وابتليتهم لتذيقهم مرارة الحياة ونكد الدنيا حتى يشاركوا الفقراء والمعدمين في الاتراح والاوصاب ، وتتم حكمة عدلك آه ! وامصيبتاه

تمنيت أن الخمر حلت لنشوة     تجهلنى كيف اطمأنت بى الحال

فأذهل أنى فى بلادى على شفا   رزى الأمانى لا أنيس ولا مال

فيا وطنى ان فاتنى منك فائت     من العيش فلينعم لساكنك البال

(مدحت) رفقا يا مولاى ! فان الهواجس قد استولت على جلالتكم وأثرت عليكم أسوأ تأثير فتركتكم تجعلون المستحيل واجبا ، والعدوم موجودا . وإلا فكيف يمر بالاذهان أن سلطانا ذكيا مثل جلالتكم يروم بهمة عالية احياء سنة من سنن الاسلام واشادة دولة دستورية على أطلال حكومة مطلقة أخنيى عليها الدهر وتمكنت الآلام من احشائها ؟ ثم يتوخى من وراء خدمة الأوطان ونشر لواء العدالة والأمان وبالا غير محدود ونكالا ليس معهودا ؟

(السلطان) رويدك يا مدحت فان الشاعر العربى يقول

والليالى من الزمان حبالى       مثقلات يلدن كل عجيبة

وحذار أن تحتقر صغائر الأمور فان غايتها ان تكون كبائر

إذا لم يسامك الزمان فحارب )

وجاهد ولا تخش ضروب المتاعب

ودع عنك الفاظ الصداقة واحترز

وباعد إذا لم تنتفع بالأقارب )

ولا تحتقر كيدا صغيرا فربما )

حقير أتت منه جسام المصائب

وإن رمت إثبات الدليل فطالما

تكوت الافاعى من سموم العقارب )

الفصل الثانى

يرفع الستار على السلطان معه زوج من الخصيان فيدخل بالاذن جاسوسان وهما فهيم وسليم وكل منهما يقدم تقريرا للسلطان

( فهيم ) مولاى ، إن جماعة الأشرار الملقبين بحزب الأحرار ما زالوا يكيدون المكائد لجلالتكم وان كان الله يحرسكم بعينه التى لا تنام علما منه سبحانه فى بقائكم عز الدولة ومجد الاسلام . وبناء على ذلك فقد أوحى إلى منذ عشرة أيام أنه توجد فى العاصمة مؤامرة من أولئك الخونة القصد منها الاعتداء على شخصكم الشريف وقد قضيت هاته الأيام أنا وأعوانى فى الكشف عن هذا الأمر الفظيع . فاستفدنا بعدة إفادات وان لم نصل للضالة المنشودة ، وإنما غاية ما علمت ان محل المؤامرة قريب من أيا صوفيا وان اعضاء المؤامرة يلبسون القبعات عوض الطرابيش ليحملوا الناس على الظن بأنهم من تابعية إحدى الدول الأوروباوية . وقد وقعت لى شبهات فى البعض ، إذ كانوا حقيقة أوروباويين . على أن مخبرى نفسه لم يهتد إلى وجه الصواب . فتحاشيت القاء القبض عليهم خوفا من حدوث أزمات سياسية ومشاكل تكدر راحة جلالتكم . وعلى كل حال بثثت العيون والارصاد وراءهم وجئتكم لتأمرونى بما هو الواجب .

( السلطان) إنى أشكرك يا فهيم على إخلاصك لسدتى ، وتفانيك فى حبى . وآمرك بالقاء القبض على من شئت ، ولا يهمك أمر الدولة التى ينتسب إليها . فأنا أعرف كيف أتخلص من احتجاجات سفيرها تخلصا يجعله راضيا من الغنيمة بالاياب . ولتعلم يا فهيم إنى احبك كثيرا . وفى نيتى أن أجعلك فيما بعد رئيس الضابطية ، وربما رقيتك إلى مسند الصدارة . ولكن أوصيك أن لا تذيع هذا السر لأحد ، ولا سيما الصدر ، فانه يحسدك ، ويسعى فى ابعادك عن بلاطى . وقد جعلت لك جزاء عن عملك الشريف الدال على إخلاصك وعبوديتك ، وهو ألف ليرة سيدفعها لك مدير الخزينة الخاصة . وإذا اتممت المأمورية على وفق المرام فانى أجازيك بانعامات جمة وأوسمة عالية تجعلك فى مصاف رجالى الامناء .

بعد هذا يدخل سليم )

(سليم) مولاى قد تظن ان تأخرى عن تقديم التقارير فى بحر العشرين يوما المنسلخة ناشئ عن تقصيرة وقلة اهتمامى بخدمة أقدام جلالتكم . والحقيقة انى قضيت تلك الأوقات فى الكشف عن أمر هام جدا ، وسر غامض للغاية : وهو ان جماعة من الأشرار قد قاموا بعمل رذيل سافل يرومون من ورائه مس ذاتكم الشريفة والتعدى على شخصكم بوضع مادة الديناميت فى ممر جلالتكم بين القصر وجامع تكية ظافر

(السلطان ) ماذا تقول يا سليم الديناميت ؟ إنه والله لامر فظيع ! يريدون ان يقتلونى قبحهم الله . فان نجانى الله من شرهم اقتلهم جميعا ، وأنسى فى تعذيبهم كل شفقة ورحمة ! زدنى أيها العبد الأمين

(سليم) نعم يا مولاى ! يريدون أن تمس ذاتكم لا سمح الله . ولكن ولله الحمد ، لم يفلحوا . والله لا يصلح كيد الخائنين على ان جلالتكم تستطيع ان تترك الصلاة فى الجامع المذكور ريثما نقبض على هؤلاء الابالسه الاشرار أخفق الله سعيدهم . أما بحثى ، فانه وقف عند حد أن محل هذه العصابه الباغيه فى بايغلى ، وانهم الى الآن لم يستحضروا الديناميت . وقد سافر ثلاثة منهم إلى ثغر إزمير حيث مستودع هذه المادة الجهنمية ، والباقون لم يجتمعوا فى المحل من حين سافر رفاقهم . وعليه اطلب من الأعتاب أن يصدر الأمر السلطانى فى مراقبة الأرصفة ، وانتباه مأمورى الكمارك ، وأن يتضاعف عدد أعوانى

السلطان ) سيكون ذلك كما ستعزز أعوان فهيم . ولا حاجة لى إلى شكرك ، وإظهار ما لك من الاخلاص نحو ذاتى المقدسة . فذلك أمر مشهور ومعلوم وقد وهبتك خمسة آلاف ليرة جائزة عن عملك المشكور وسعيك المبرور ستقبضها فى أقرب وقت . ومتى ظفرنا بأعدائنا أكافئك فوق ما تتصور وربما رقيتك فى القريب إلى منصب سام ، وقد يكون وزارة الداخلية التى أرى انك أهل لها لوقوفك على أسرار داخلية البلاد . وإياك أن يصل هذا النبأ للناظر الحالى . فانه يبغضك كثيرا يا سليم . وطالما وشى بك إلى . وأنا اتصامم على سماع مفترياته .

( بعد خروح فهم وسليم يدخل على السلطان أبو الهدى والشيخ أحمد ) .

(السلطان) اننى والله منقبض الصدر محزون الفؤاد من هؤلاء الأحرار ، وفى الحقيقة الأشرار ، ولمظاهراتهم بالعداء ضدى ، وتشهيرهم بى بتلقيق الاكاذيب ، ونشر الاضاليل فى عاصمة الجمهورية الفرنسويه لتحريك سواكن الشعب الفرنسوى ، والتأثير على الفكر العام الاوروباوى . ولقد قبلت نصائحكم وإشارتكم في مطاردتهم بالبلاد العثمانية . ولكن لم أترو قليلا فى الأمر . ولو أمعنت النظر لما اكتفيت بآرائكم من أن إبعادهم عن التراب العثمانية كاف لاطفاء جذوة حركاتهم الممقوتة . ولو عملت برأى لأبدتهم عن آخرهم واسترحت راحة أبدية . ولكن سبق السيف العذل ؛ ونفد سهم القضاء . ومع ذلك ، فلا ينفعنى إلا الصبر والجلد واستعمال الحيل والثبات والاعتماد على النفس

أقل نوائب الأيام وحدى     إذا جمعت كتائبها احتشادا

واإخدع فتية لم تحتترمنى   إلى ان اجتنى منها المرادا

فان نفرت بذلت لها النضار وإن عطفت فرشت لها القتادا

الى أن ترجع عن كل غى   وتخضع لى وتطرح العنادا

آه ما اشقى السلطان وما اشد عنائه ! طيب الله مرقدكم يا جدودى ! فقد عشتم سعداء تعملون بحرية ولا ينقم عليكم أحد . أما أنا فقد قيض الله لى زنابير إن اقتربوا لسعوا ، وإن ابتعدوا شوشوا . ولكن لا بد من العمل

وعلى الاثر يدق السلطان الجرس فيدخل عليه باش كاتب ويؤدى المراسم )

(باش كاتب ) ماذا تروم جلالة مولاى أطال الله بقاءها ؟

( السلطان) ارسل فى هذا الوقت تلغرافا إلى سفيرى بباريس مضمونه أن يذهب فورا إلى وزير خارجية فرنسا باسمنا ، ويطلب منه بالحاح طرد جماعة تركيا الفتاة ، وعلى الخصوص أحمد مراد . وقل له ان يعده فى مقابل هذا الجميل بأنى أتساهل مع دولته فى مسألة تقرير نفوذها بالشرق ، والاعتراف لها من جديد بحماية كاتوليك السلطنة العثمانية

(باش كاتب ) سمعا وطاعة يا مولاى !

(السلطان) ما العمل يا أبا الهدى إذا لم يقترن هذا السعى بالنجاح :

(أبو الهدى ) إذا لم يوافق ناظر خارجية فرانسا على التماس جلالتكم ، فان هناك وسيلة أخرى ربما تكون أقرب للنجاح وادعى لراحة جلالتكم من هؤلاء الطغاة الذين اتخذوا الاتجار بالوطنية صناعة لهم

(السلطان) وما هى ؟ قل وأوجز !

(أبو الهدى ) هى ان تستهوى ذينك الزعيمين أحمد ومراد بالمال ، وتعدهما بالمناصب العالية والرتب والالقاب

(السلطان) صوابا قلت يا أبا الهدى . انك والحق يقال مفرج الازمات ومزيح المدلهمات .

( ثم يدخل على السلطان باش كاتب )

(باش كاتب ) سيدى ومولاى قد ورد على تلغراف من طرف سفير سلطنتكم وها هو

(السلطان) اقرأه بدون إمهال .

(باش كاتب ) سيدى صاحب الجلالة والبطش ، قد قام هذا العبد الأمين بما أمرتمونى به بمجرد وصول تلغراف جلالتكم إلى . وقد لبثت مع ناظر خارجية دولة الجمهورية نحو نصف ساعة ، وبعد أن عرضت عليه مقصدك الشريف وبينت له مراد جلالتكم اعتذر لى وامتنع من الموافقة على اقتراحكم وهذا ما صرح لى به : إنى أتأسف يا حضرة السفير لعدم إمكانى قبول ملتمس جلالة السلطان صديق دولتى أصالة عن نفسى ، ونيابة عن الشعب

الفرنساوى . وأصرح لكم بصفة ودادية بانى لا أقدر أن أفاتح أحدا من كبار رجالنا برغبة مولاكم . وليكن فى علمكم بان هذه البلاد التى امتزح ترابها بدم أولئك الأبطال الذين جاهدوا حق الجهاد فى تحريرها ، ورفع نير الاستعباد عنها يستحيل فيها مصادرة طلاب الحرية ، ومعاكسة ذوى المبادى الوطنية

أما نفوذ فرانسا بالشرق . فمع شكرى لجلالة السلطان فهو أمر قد تقرر منذ أحقاب ، ولم يختلف فيه اثنان

(السلطان) هكذا قال ؟ فأذن ما العمل ؟ ويلاه قد أصبح أحمد وحزبه الشرير من الناس الذين تحترمهم الحكومات الكبار . ولكن قد التجأت إلى رأيك يا أبا الهدى ، فهو رأى سديد . ارسل أيها الباش كاتب تلغرافا الى سفيرى بباريس ، وحول له تلغرافيا على حساب الخزينة الخاصة ثلاثين ألف ليرة ومره على لسانى أن يستميل أحمد ومراد بالمال ، فيعرض على الأول عشرين الف ويعده بأرفع منصب بعد الصدارة ؛ ويعرض على الثانى عشرة الاف ويعده برئاسة مجلس الرسومات بشرط ان يرجعا عن فكرهما ويتوبا من ذنبهما وفى مقابلة ذلك أعفو عنهما فيرجعان إلى الاستانة تحت كنف عنايتى ورعايتى السلطانية .

(باش كاتب ) سمعا وطاعة لك يا مولاى وشكرا على برك ورفقك برعاياك المتهوسين .

بعد ذلك يخرج )

السلطان) قد أخذنا رأى أبى الهدى ، وهو مفيد جدا ورشيق فى بابه . وأنت ما رأيك يا شيخ أحمد لو لم تنجح هذه المساعى وامتنعا من الرجوع

(الشيخ أحمد ) أرى يا مولاى إن وقع ونزل أن أفضل مسلكا يجب اتخاذه هو ان نكتب جلبا لأحمد بواسطة الطلاسم وسر الحرف ، فيطير قلبه شوقا إلى الاستانة ، ويرجع اليها مكرها أما مراد ، فانى أظن بل اعتقد إنه يقتنع بملحوظات سفير جلالتكم ويعود للعاصمة فى أقرب وقت سيما وهو رجل من ايننى بوجه آخر أفيد من هذا .

السلطان) هذا جواب غير مفيد يا شيخ لأن تأثير الطلاسم وسر الحرف لا يظهران فى مدة وجيزة ، وأنا أرجو المسارعة كى لا يتسع الخرق على الراقع آتنى بوجه آخر أفيد من هذا .

عند ذلك يسعل الشيخ كثيرا وفى تلك الأثناء يأتى تلغراف من سفير باريس )

( باش كاتب ) سيدي ما قد جاء تلغراف من سفير جلالتكم بالعاصمة الفرنسوية .

(السلطان) املة على بمزيد السرعة ، فان قلبى يكاد يخترق من هذه المجريات التى اقلقت بالى وكدرت راحتى

(الباش كاتب ) سيدى ومولاى صاحب الجلالة والسمو ، قد بذلت كل ما فى وسعى من الخداع والدهاء والحيل فى التاثير على أحمد ومراد . فخدع الثانى حتى قبل بمرغوباتكم . وقد استلم العشرة آلاف ليرة ، وسافر على رتل الشرق السريع قاصدا الآستانة . أما الأول وهو أحمد فقد هزأ بى كثيرا

وسخر منى وقال لى فى ملاء من الناس : قل لسيدك السلطان ان يتنازل لى عن عرشه ، ويبعث لى بوسام خندان آل عثمان ، ثم ينتظرنى هل أقبل ملتمسه أم لا . يا لكم من مجانين ! أأخون وطنى وأرضى بسعادتى والملايين من الامة تقاسى ألوان العذاب ؟ تبا لى إذا رضيت بذلك وسحقا لى متى أبيع حب الأوطان بالرتب والنياشين ! أتروم أيها السفير المغرور أن أقبل دريهمات مولاك ، وهى مختلسة من جيوب فقراء الأمة وممتصة من دمائهم . وكتب يا مولاى فى ذيل التلغراف حاشية وهى هذه :

(السلطان) لا تقرأ . كفى ! كفى ! فقد كدرتنى هذه الوقاحة . وكان الأولى أن اترك هذا الشاب المجنون وحزبه الملعون يسبحون فى ضلالهم ، لا أن أتنازل لهم حتى أخذتهم العزة بالاثم . فحسبهم النكاية وبأس الاضطهاد

بعد خروج الباش كاتب ، يخاطب السلطان ابا الهدى بقوله )

(السلطان) إنى متأثر والله يا أبا الهدى ! افهل عندك من دواء لهذه الحالة المحزنة ؟

(أبو الهدى ) دع عنك يا مولاى عوامل التأثر . واترك الاهتمام بهؤلاء الاطفال . فهم صبية صغار لا شان لهم ولا تأثير على شهرتكم الذائعة فى أطراف العالم الاسلامى وعلى فرض انهم يحدثون حركة فكرية بين الاتراك فكفى مولانا قوته الأدبية بين كافة أفراد الأمة العربية التى هى العنصر الأكبر فى المملكة العثمانية . وقد تكفلت لكم وأتكفل من جديد بان الأمة العربية معكم . فهى تفديكم بأرواحها وأموالها إذا طرأت أمور لكم لم تكن فى الحسبان وعليه فليهدأ بال مولانا وليطمئن ! فان الله معكم أينما كنتم وأينما حللتم ومن كان الله يرعاه آمن مما يخشاه .

على إثر ذلك يدخل الباش كاتب على السلطان

(الباش كاتب ) إن مراد قد حضر يا صاحب الجلالة ، وهو يرجو من مراحمكم السنية ان تسمحوا له بالمثول بين أيدى جلالتكم . فهل تأذنون له بذلك ؟

(السلطان) نعم . دعه يدخل .

( مراد) جرمت وأيم الله اننى مجرم

ولكن مولاى يرق ويرحم

فمن لاذ بالعرش الحميدى باسط

يديه ينال ( كذا ) العفو وهو مكرم

فدم يا فريد العصر خير مملكا

روى الحلم عن آل كرام تقدموا

السلطان) قد عفونا عنك يا مراد . ولكن لا بأس من العتاب إذ هو كما يقال صابون القلوب ما جراك يا ولدى على مخالفتى والمروق من طاعتى

(مراد) عفوك يا مولاى فلا تعاتبنى ؛ فقد كفانى ما قاسيته من وخز الضمير ورجوع نفسى على باللائمة . ولكن ينتظر مولاى سيرتى المستقبله فهى إن شاء الله تغسل حوبة الماضى

السلطان ) كيف حال أحمد يا مراد ؟ هل هو فى نعمة والمال متوفر لديه .

( مراد ) لا مال لديه ، ولا نعمة . وإنما يملك ذلك القلم الدساس الذى يفترى به على خليفة رسول الله وأعدل ملك على وجه الارض مع بدلة أوروباوية يلبسها عندما يدعوه أحد وزراء فرانسا أو رئيس الجمهورية لمأدبة أو احتفال

السلطان ) يا للعجب ! أصار أحمد من الناس الذين يجلسون فى مآدب الوزراء والرؤساء ؟

(مراد ) نعم يا مولاى ! فهو مكرم مبجل عند الشعب الفرانسوى ورجاله الكبار . وسأقدم لكم تقريرا مسهبا فى شأن أحمد وحزبه أفصل لكم فيه القول تفصيلا . والآن استودعكم الله وأدعو لكم بكل جوارحى بطول الشفاء

(السلطان) اذهب يا مراد فى أمان الله . وإياك أن تتذكر ماضك فقد عفوت عنك ، ونسيت سوابقك .

- يتبع -

اشترك في نشرتنا البريدية