زيادة فى التعريف بأدب الشابى نسوق إلى القراء الكرام محاولة فى القصة القصيرة لشاعرنا الفذ تعين الدارسين الذين لم يطلعوا عليها فى مجلة العالم الأدبى (العدد السابع من السنة الثالثة فى 17 أفريل 1932) على آستكمال شخصية أبى القاسم واستقصاء مواطن عبقريته . - الفكر -
عرفته أديبا له حظ موفور من بعد النظر ورجاحة التفكير وجمال الاسلوب وعرفته شاعرا له روح مرهفة كالوتر المشدود واحلام غريبة لا تخلو من الشذوذ وخيال قوى وثاب الى المجهول .
وكنت اذا جلست الى الناس واستمعت الى احاديثهم شعرت بالخمول يدب فى مشاعرى ويستحوذ على نفسى حتى كانما انقلبت قبضة من رماد خابية فى ليالى الشتاء واحسست بالحاجة الى ما يثير عواطفى ويحرك وجدانى ويؤجج فى داخلى نيران الحياة .
اما بجواره فقد كانت مشاعرى تتقد وتتوهج وتتدفق وتستجيش كعاصفة من نار وكنت أحس اننى شعلة حية نامية تضطرم فى موقد هذا الوجود وتندفع طاغية عارمة فى احشاء الزمان لانه كان يحمل بين جنبيه روحا مشبوبة ثائرة تدوى بتيارات الحياة ولم يكن يحمل بركة راكدة اجنة تعكس صفحتها النائمة اشباح الجبال واطلال الغيوم . ولاننى كنت اجد فى صدره تلك النفس الحساسة الطموح الجياشة بشتى المعانى والصور وذلك القلب الشاعر الملتهب الذي يطبع كلاما يلامسه بطابع من نار .
وقد مرت امواج الزمن متعاقبة حاملة الى خضم الابد المجهول اشلاء الموت وانقاض الحياة ولكن صورته ما زالت ماثلة امامى بوجهه الشاحب المهزول وقامته المديدة وعينيه الغارقتين فى ضباب الاسى وشفتيه الذاويتين بلفح الالم وما برحت ذكرى تلك العشية الرائعة حية فى قلبى كانها امسية الامس القريب تلك العشية الرائعة التى اكتشفت فيها مناجم قلبه الذهبية واطلعت على ما فى روحه الشجية من كنوز غريبة كانت علة تعاسته وشقائه .
كان الوقت اصيلا والشمس تلقي على اشجار - بلفيدير - حلة ذهبية ساحرة وفى السماء غيوم رقيقة ملونة زاهية وانا جالس صحبة رفيق الى مقعد من تلك المقاعد الخشبية المبثوثة فى ظلال الاغصان وامامنا سرب من غذارى الافرنج يلعبن لعبة - التنس - فى رشاقة وخفة كالعصافير وكان صاحبى يطالع - تاييس - وفى يمينى انا كتاب - رافائيل - الذى رسم به لامرتين صورا من شبابه الزاخر بالعواطف والاحلام وانا أجيل بصرى مرة فى جمال السماء التى توشحها الغيوم واخرى فى رقة الشمس الذائبة على ذوائب الاشجار وطورا فى فن الحياة الماثل فى هؤلاء الغوانى اللواتى ترنح اعطافهن حميا الشباب .
واقبل صاحبنا الشاعر وانا اطالع صفحة - رافائيل - ورفيقى غارق فى - تاييس - الى ام راسه فقال يخاطبني وهو ما زال واقفا : - عجيب . الا يصرفك جمال الوجود وفتنة هؤلاء العذارى اللاعبات فى مرح الشباب عن اوراق الكتب وقد عهدتك من عباد الطبيعة والجمال ؟ اولا توافقنى على ان الكتب " رغم ما فيها احيانا من غذاء شهى للفكر وللعاطفة " كثيرا ما اركبت الناس متن الشطط فى احكامهم وانه خير لهم لو اخذوا دروسهم راسا عن هذا الكون العجيب ؟
فنهضنا اليه وصافحناه فى حرارة وافسحنا له مكانا بيننا وقلت له :
لو كان الناس يستقون من منبع واحد هو هذا العالم الرائع لكان الناس اسعد حالا مما هم عليه الان ولاستراحوا - على الاقل - من كثير من الاضاليل والاوها التى تثقل عقولهم وتنوء بها ارواحهم فى اودية الزمان ولكن الله لم يطبعهم على غرار واحد فى المواهب والملكات حتى يمكنهم - كلهم - ان يتلقوا دروس المعرفة عن هذا العالم الكبير اما استصحاب الكتب فقد اصبحت عادة لى كلما ذهبت الى منتزه اطالعها حينا واطالع الكون احيانا واسترسل مع نفسى اونة فى عالم كله اطياف واحلام . فاطرق قليلا ثم التفت الى صاحبى وكان قد رجع الى الانكباب على - تاييس - وقال له : وانت ماذا تطالع يا صديقى ؟ فانني ارى كتابك قد فتنك عن كل ما حولك وملا كل فجاج نفسك فاجابه وهو يبتسم - تاييس - فقال : ان هذه القصة الفلسفية جميلة ساحرة ولكنها لا تعدو - كآثار كل اولائك الذين ندعوهم فلاسفة وشعراء ومفكرين - ان تكون ثرثرة نفوس معذبة تحترق فى جحيم الحياة- فقلت كالمنكر - وكيف ذلك ؟ قال : - لقد كتب هؤلاء الفلاسفة والشعراء والمفكرون كثيرا بل اكثر مما يتصور العقل ولكن الانسان ما زال فى صميم هو ذلك الانسان الاول الذي يقضى ايامه باحثا عن طريدته بين ادغال الطبيعة - كعهدها منذ الازل - تلك الغابة الابدة المرهبة التى يدلف في ظلماتها المرعبة ركب الانسانية التائه باقدام مهزولة واجفان مطبقة . . فقال له صاحبى وهو يعابث صفحات الكتاب - فمالك تنظم الشعر اذا يا صاحبى ؟ فتجهم قليلا وطفحت عيناه بمعانى الالم المكبوح واجابه
بلهجة ملؤها المرارة الموجعة وقد افترت شفتاه عن شبه ابتسامة ساخرة . لاننى لم اجد دورا اسخف من هذا امثله فى رواية الحياة السخيفة - فابتسمنا حائرين ثم صمتنا واجمين ثم اطرقنا مكتئبين . واخرج هو سيقارة اشعلها وانطلق بدخن صامتا ثم وضع رجلا على رجل واطرق براسه الى الارض وراح يغنى اغنية رقيقة هادئة كان كثيرا ما يغنيها حينما تكون نفسه طافحة مترعة وافكاره مضطربة هائجة .
ومرت فترة من الزمن مثقلة بالحيرة والشجو والملل كان يتغنى اثناءها بصوت خفيض ندى بالدموع كانما يناجى به نفسه او يخاطب به روحا هائمة فى ذلك الفضاء الذى حوله .
ومر بنا صبى صغير يقتاد قردا وهو يعرضه على النظارة والمتنزهين المنبثين هنا وهناك ليمثل ادوارا علمته اياها العادة والمران فاشرت اليه فى شىء من السخرية والجفاء وقلت لصاحبى الشاعر استدرجه الى الحديث . يا للشقاء والخيبة . اعلى مثل هؤلاء تشيد الامم صروح الامل ؟
فرفع راسه وقال مهتاجا . السخرية . . الاشمئزاز . . الجفاء الكلام ذلك ما علمتنا الايام اما الحقائق فهى تبكى وحدها بين الجبال .
ثم سكت قليلا وقال بصوت هادىء وهو ينظر الى السماء نظرة كئيبة تائهة .
لا تسخر يا صاحبى فان كل واحد من ابناء الانسان يجر من نفسه وطباعه قردا او قردة في مسالك الحياة الوعرة . . واحد يجره من سخافته وادعائه وواحد من غروره وكبريائه وواحد من دناءة الطبع وخساسة النفس وواحد من اقفار الذمة وخراب الضمير . . الى كثير غير ذلك من انواع القردة المعنوية التى يجرها الناس كل يوم وهم لا يشعرون .
ثم نهض واقفا وهو يقول . لقد مللت هذا المكان فهل لكم فى غيره ؟ فنهضنا معه وقلت له ونحن نتمشى بين مخارق الاشجار :
- وكيف تمل هذا المشهد الطبيعى الجميل وامامك اولائك الصبايا اللواتى لم تخرجهن الحياة الا ليحركن فى الناس عبادة الحب والجمال . فقال متضجرا :
- دعونا عبيد الحياة من هاته الكلمات الجوفاء ذات الرنين . ما الحب ؟ ما الجمال ؟ ما الافراح ؟ ما اللذات ؟ ما الاحلام ؟ ما الشهوات ؟ انها ليست سوى اشراك ذهبية لامعة تنصيبا لنا الحياة لتقودنا بها عبيدا مسخرين الى غاياتها البعيدة الغامضة . فقال له صاحبي وهو يحاوره .
وهل تريد منا يا صاحبى ان نتحرر من عبودية الحياة ؟ - فقال :
- لا . لان التحرر من عبودية الحياة معناه الانتحار . . معناه الموت . بل ليس فى استطاعة من قبل اقدام الحياة ان يتحرر من عبوديتها حتى بالموت لان الموت نفسه ليس الا لونا آخر من الوان هاته العبودية المحتومة الخالدة . وانما اريد من العبد المصفد ان لا يكون مغرورا فيحسب القيد المموه حلية مهداة فيتلقاه بالتهليل والشدو والنشيد . اريد منه اذا لم يكن بد من ان يدخل يده في السلاسل والاغلال ان يدخلها وهو عالم انها قيود وان كانت من ذهب .
فقلت معارضا : " اى فكرة " ؟ وما جدوى كل هذا ؟ ما هاته الافكار التى تشوه وجه هذا العالم وتجعل من الدنيا جحيما اليما ؟ لا يا صاحبي انه خير لنا ان نعيش فى وهمنا القديم مبتهجين بما تعرضه علينا الحياة كل يوم من افراح وملذات وحماقات جليلة وحقيرة من هذا العالم الجديد الذي يجعلنا نتلقى هبات السماء وكانها لعنات محتومة . . خير لنا ان نبقى اطفالا سعداء بجهلنا من ان نكون جبابرة اشقياء نتعذب على صخرة - بروميتيوس - العاتية "
فاحنى راسه قليلا وقال كمن يحادث نفسه _ ما الجدوى ؟ ما الفائدة ؟ ذلك هو السؤال الوحيد الذى علمتهم الايام ان يرجموا به كل شئ حتى الحقائق يريدون ان يسالوا ما جدواها ؟ يا للسخافة ما لهم لا يسالون الاعاصير عن ثورتها الطاغية ؟ ما لهم لا يسألون البحار عن ضجتها وهديرها ؟ ما لهم لا يقولون للقدر : ما جدوى خلقنا فى هذا الوجود ؟ يا للسخافة .
(ما الجدوى ؟ ما الفائدة ؟ انهم يريدون بهاته الاسئلة الجامدة الفرار من نار الحقيقة المحرقة الى ظل الخرافات والاوهام . يا للسخرية ) . وسكت قليلا ثم رفع صوته عن ذى قبل وقال :
ولكن ( . . . طوبى لعبيد الحياة الذين استطاعوا ان يبتسموا للشمس ويمشوا مع الدهر غير شاعرين بوطأة هاته العبودية المرهبة . . . اولئك اطفال يمشون فى مواكب الايام بأجفان ضاحكة واعطاف راقصة واقدام سكرى بالنشيد . . اما اولائك الذين يقضون ايامهم فى قطف اوراد الحياة وانتزاع اوراقها والبحث فى اعماقها عن البذور الخالدة فانهم اشقى الاشقياء وان حسبهم الناس احى الاحياء . . . اولائك افئدة قريحة تتمشى باعصاب عارية على بساط من لهيب . . . "
وكنا قد وصلنا قمة - بلفيدير - وكان الليل قد شمل السماء والبحر غطى ارجاء الوجود والصمت مخيم على تلك الحديقة الفسيحة المترامية حتى ليعجب المرء لتلك الحياة الزاخرة الجائشة كيف غاضت واين اختفت في هذا السكون ؟
وكانت المدينة تبدو فى حوف الظلام كخيال شاعر مفتون وكانما اعدانا ذلك السكون الشامل فسكتنا وراح كل منا يصغى لاحلام قلبه التى ايقظها جمال الليل الساهم الحزين وراحت الاحلام والافكار والذكريات تغرد اغاريدها الشجية فى صمت الظلام . .
ونهض الشاعر بغتة فانتبهنا وصحت انفسنا من نشوتها المغرية وطارت الى ظلمات الفضاء كل تلك الاحلام والذكريات والافكار وقال : - اودعكما فانا ذاهب - قلت : - والى اين ؟ قال :
- لا اعلم على التحقيق ولكنني ارجوك ان تقول لاولائك الذين يمشون سعداء يجهلهم في مناكب الارض :( ان الحياة امراة ناضجة الشباب كاملة معانى الانوثة وانها لا تهب قلبها الزاخر بذخر الانوثة الحافل بحلاوة الاستسلام لمن يقف امامها باكيا متضرعا شاكنا متوجعا . ولا لذلك الذى يقف تحت نافذتها فى ضياء القمر مشببا بسحر عينيها ورقة شفتيها وفتنة ذراعيها مغنيا لها اشجى الاغانى واحلى الاناشيد وانما تهبه كله لذلك الرجل القوى الجبار الذى يحملها بساعدية الشديدين ويمضى بها قائلا - انت لى -
قلت - فمالك انت لا تكون هذا الرجل ؟ فقال وهو يسدد خطاه الى وجهته المجهولة - اننى لا افعل ذلك لاننى لا يفتنني سحرها المكذوب ولا يغرنى جمالها المجلوب . . . واختفى بين الاشجار الكثيفة كما تختفى الاشباح .
وقد مرت سنون لم اره خلالها ولما سالت عنه قيل لى انه قد ذهب فى رحلة مجهولة لا يعلم احد ما غرضه منها وما غايته .
