الرسم والشعر هما الفنان اللذان واكبا الحضارة البشرية منذ البداية ، وقد ظلا يهدفان رغم اختلاف الوشائل والصيغ ، الى تصوير الطبيعة والى التعبير عن الواقع الانسانى ، ولذلك كانا منسجمين حتى أن الرسم قد اعتنق جميع المذاهب الشعرية والاجتاز مع الشعر جميع مراحل التجديد تحت شعار واحد . وكثيرا ما استوحى الشاعر قصيده من لوحه وكثيراما استوحى الرسام لوحته من قصيد . ونجد آثار هذا التعاون وهذه لوحة فى ديوان الشاعرة الرسامة المصرية شريفة فتحى "لهب وامواج" الذى أهدت نسخة منه لمجلتنا . وهكذا كان أكثر من قصيد فى هذا الديوان مشفوعا برسم بارع يزيد الصور الكلامية ثباتا ورسوخا ويعمل على جعل الرؤى التجريدية واقعا له شكل وله ظل . ولقد وجدتنى مدفوعا الى قراءة القصائد المعززة بالرسوم قبل سواها لاعتقادى ان الشاعرة ما كانت لتخصها بذلك لو لم تكن أقرب الى نفسها |.
وأول انطباع يحصل لمتصفح هذا الديوان الخالى من كل قرقعة ومن كل تحذلق او تفلسف ، هو هذه الانوثة المتدفقة التى تبرز محتشمة لعوبا ساذجة مغرية ، فى جميع القصائد ، حتى فى قصيد - الله - الذى استهلت بة الديوان وفى الابيات التى تختتمها به بعنوان - تهليلة صوفية - فكانما الشاعره تعبر عن عقدة التبتل عند حواء اثر الهبوط الى الارض ، ولكن حواء لا تتخلى لحظة عن اغرائها حتى وهي مبتهلة الى - الله - كما يبدو من الرسم المرافق لهذا القصيد ، رسم امرأه تستقبل الرحمة بذراعين فى لهف للعناق . ولعلنا نجد خشوعا أعمق في ابتهالات هذه المرأة فى محراب الحب حيث تلتحف بالحياء وبالكبرياء فهى لا تذيع سر هواها وترفض أن تبدو عارية العواطف :
أ أجرد الاحساس من اثوابه
لاكون نهب السمع والغمزات
لا يا صديقى . . . انما لى مبدئى
فالحب عندى من مفاتن ذاتى
فاذا احترمت الجسم فى عوراته
فالنفس كم فيها من العورات
للحب عندى والحبيب قداسة
ومكانة من ارفع الدرجات
فنذرت اشواقى لمن احببته
هى كابتهالاتى وهمس صلاتى
اولى بقلبى ان اراه محطما
عن ان أراه عارى القسمات
القلب محراب يضم عواطفى
او ليس للمحراب من حرمات
هذا سلوك او رأى ما اخال الشاعرة التونسية زبيدة بشير توافق عليه فهى التى تفصح عن عواطفها مجردة عارية صارخة ، وانى وان كنت لا أنتصر لهذه ولا لتلك اذ لكل شاعرة مذهبها وطريقتها ، اعتقد أن الكبت والانفجار أكثر تقاربا مما نظن فهما وليدا الحرمان .
وجميلة رائعة هذه الصورة التى تمثل الامومة فى حبها وحنانها ورعايتها ، يرف من حولها ملاكان ويحوطانها بالتقديس والبراءة ، وفي النشد المصاحب لهذا الرسم نلمس الصدق والامانة وهدهدات الطفولة :
سر يابنى على ضياء نصائحى
تبلغ من العلياء كل مكان
كن فاضلا ، دمث الطباع ، مسامحا
تكسب قلوب الناس بالاحسان
واذا أساء اليك يوما حاقد
فاغفر ، ونعم شريعة الغفران
الحق اقول ، ان ما يمكن ان يعاب على هذا القصيد حشوه باحاديث الوعظ والارشاد ، وكنت أود ان ارى الشاعرة قد اختارت غير هذه الطريقة لبث روح التسامى فى ولدها ، كأن تتصوره حسب المثل التى فى خيالها بأسلوب غير مباشر ، ولكن لعلها نظمت هذا القصيد لاطفال المدارس ، وهذا مما يبرر السهولة .
ثم لا يلبث ان يخلبنا " سراب " الشاعرة المتمثل فى كاس الهوى بخاره يحيط بهذه الفتاة النورانية المتجردة ويلفها كالشباك ، فتجثو على قدميها فى استسلام للحب ، الحب المحتوم ، كما يعبر عنه هذا القصيد الجريح ترد فيه شريفة فتحى على لائم ما اخاله الا بعض ذاتها ، ذلك البعض الذى أوحى فى قصيد مضى بالتستر والصبر على الحرمان . فقصيد " سراب " ثورة واستسلام فى آن واحد :
. . يالائمي فى الحب . . لاذقت الهوى
بالله فارحم قد كفانى ما بيا
بالعاشق المضنى ترفق اننى
بشر ، وفى صدرى يؤج شبابيا
الناس تروى طينة من طينة
وانا التى فى الحب جف ترابيا
يا حاسدى فى الحب خذ لك رشفة
هيا وشاركني مرارة صابيا
أتلومنى وأنا على شط الهوى
ضمآنة والماء ملء ركابيا
لو كان لى أمل لخفت لوعتى
او كان لى هدف لهان عذابيا
خل الملام وخلنى فى لوعنى
أجرى بآملى وراء سرابيا
قد عز مائى واستبدت حرقتى
فجعلت من وهم الخيال شرابيا
انها لابيات مثيرة ، اتحد فيها الشكل والمضمون وتجانسا ، فاذا بنا نحس بالرغم من تكرار المعانى ، بهذا الظما المضاعف ، ظمأ من يموت والماء عند قدميه ، ظمأ من يتحول الماء فى يديه سرابا . هذه المعانى حطرت ببال اكثر من شاعر ، لكن قلما صاغها شاعر فى مثل هذا الصدق وهذه الحرارة . وهذه الحال تؤدى بالشاعرة حتما الى صراع داخلى عنيف بين ما يتنارعها من مبادئ وأهواء .
وقد ابدعت الشاعرة شريفة فتحى فى تسجيل هذه الوضعية الاليمة فرسمت امرأة شفافة الغلالة ذات جناحين ، بينما تكبل يديها سلسلة سميكة ، وتلك هى الشاعرة فى طموحها الى الانطلاق وفى خضوعها الى قوة قاهرة تمسك بها وتشد قلبها الذى :
لا يستطيع العيش الا هائما
عبر الفضاء مغربا ومشرقا
كالطير لا يشدو ويصفو لحنه
الا بآفاق السماء محلقا
بنساب من خفق المشاعر وحيه
فيصونمه لحنا شجيا شيقا
وتتجه الشاعرة الى خالق هذا القلب ، وتسجل ما وهبه لهذا القلب من
حرية وطموح وما قابله به من حد لانطلاقته وما خطه أمامه من سبل الحلال والحرام ، وهذه حاله ليس من شأنها ان تبعث الطمأنينة فى نفس من ينكب على ايجاد مفهوم للوجود
ابدعته بيديك حرا جامحا
وغللته بتقاك عبدا موثقا
فاذا بأخلاق تصارع خلقة
حر سجين يبتغي ان يعتقا
واكاد من همى اذوب بحيرتى
والقلب أضحى من قضائك مشفقا
اما اضحيه شهيدا للهوى
أو أن أضحية شهيدا للتقى
أو أن اسلم أمره لهما معا
فيظل فى هذا الصراع ممزقا
م هذهه الجيرة ولم يتحتم هذا الاختيار ؟ ، يبدو من خلال هذه الآبيات أن لحب لدى الشاعرة ما زال يحمل طابع الثمرة الحرام ، والحقيقة ان الحب هو العاطفة الوحيدة التى تسمح للانسان بالتطهر من ذلك الاثم القديم المتوارث فليكن قلبها شهيد الهوى ، اذ لا قيمة لتقوى يساق اليها القلب مكرها ، بينما يبنى قصورا فى الخيال يعب فيها الاثم عبا :
شيدت لى دنيا بجنات الخيال
وبنيت لى عشا بأحضان الليالى
وهربت من أسرى ، ولذت بجنتى
احيا . . والفى فى الهوى روح الجمال
فى واقع الدنيا انا ملك القضا
حملت من أقداره فوق احتمالى
أما هنا فى جنتى فانا القضا
أنهى وآمر كيف شئت ولا ابالى
ان دعاة اكساء الواقع حلة من خيال ، لا يهدفون الى الفرار من الواقع ، بل مهم يريدون ان يثأروا لانفسهم منه ، وهذه هى الفكرة التى تسود هذا القصيد المحلق فى اجواء الحرية التى لا تحد . وفيها لها مع الحبيب موعد ليتساقيا الخمرة المشتهاة ولكن قصور الخيال التى تسكنها الاطياف المعبودة وحيث تغفو القلوب الحالمة ، سرعان ما تتبخر كلما فاجأتها انوار الصباح
وهنا اذا ما الفجر أيقظ غفوتى
أصحو فأدرك ان للدنيا مآلى
فأعود ادلف فى غياهب طينتى
ومع النهار يتم اسرى واعتقالى
لهفى علينا . . كم نضيع عمرنا
نبنى بأوهام قصورا من رمال
ومن أطرف ما فى ديوان " لهب وأمواج " - رباعيات الزهور - وهى عبارة عن ضمة أزهار جمعت تسعة ألوان . وخصت الشاعرة كل لون برباعيه رقيقة حاولت فيها ان تعطى لكل زهرة مفهوما ، وخصت كل رباعية بلوحه معبرة اذ اسندت لكلا زهرة وجه فتاة تارة سمراء وطورا شقراء ولكل وجه اغراؤه وسحره فاذا هذه الباقة نغم وعطر وجمال ومنها أختار لكم هذه الوردة :
والورد يحكى قصة العشاق
فى لونه شعل من الاشواق
هو بهجة الهيمان يوم تلاق
ولواعج الوهان يوم فراق
وهذه الزهرة الاخرى أيضا :
والنرجسات الناعسات دلالا
صاغ الغرور قوامها المختالا
فاذا أتى صب يريد وصالا
جاوبنه فى كبريآ . . لا . . لا
وهذه الزهرة كذلك :
والاقحوان كبسمة الآمال
فى الحب معناه انشغال البال
اوراقه فيها جواب سؤالى
أيحبني ؟ . . أم لا ؟ أيعلم حالى ؟
ان من يقرأ هذه الرباعيات يتعلم لغة جديدة ، هى لغة الزهور ، كما تترجم عنها شريفة فتحى ، في هذه البساطة وهذا الدلال وفى هذا الأسلوب الذى يجعلنا نتلقى من هذه العيون النرجسية غمزات واعدة ،
... وطويت الديوان فلم أجد له عبارة تلخصه احسن من عنوانه " لهب وأمواج " ففيه اسطورة الصراع بين النار والماء ، الماء الجارف الهائج ، والنار المتأججة فى اشواق المحبين وانفاسهم ، وليس فى هذا الصراع غالب ولا مغلوب ، وهل أفصح وأجمل من صورة الغلاف التى تمثل امراه قانية الفستان تنهش الامواج قدميها ، أتراها ابنة البحار أفروديت ؟ ام تراها الشاعرة شريفة فتحى فى ضلالها وهداها وفي هواجسها الخائفة ؟

