- 1 -
لمن اشكو له بثى وحزنى ( *) وأصفيه المودة من بنيها
ومن افضى له بحديث نفسى إذا ساحى خلت من ساكنيها
ومن أرتاح بالنجوى إليه وألمس فيه ناصحى النزيها
وقد أصبحت فى بلدى غريبا وإن كنت المشار له النبيها
وليست غربتى إلا افتقارى لمن يغدو له عندى الشبيها
وإخوانى مضوا فى كل درب وأقفرت النوادى من ذويها
فلا صوت يناجينى وألقى على نغماته العيش الرفيها
ولا نفس اميل لها ارتياحا ومن دون الأحبة أصطفيها
وقد جربت حظى من زمان وقلبت البواطن والوجوها
فكنت أضيق بالنظرات ذرعا وأخشى البادرات واتقيها
وأشعر أننى من غير درع أخوض لظى الحروب وأصطليها
فطورا يلتقى نحرى بسهم يمزق مهجتى ويجول فيها
وحينا تلذع الجمرات جلدى وتترك فيه لفحة مشعليها
فلا أشكو ولا تستاء نفسى وإن نقمت على متنقصيها
ولولا أننى أحيا بأمسى وأحلم بالمنى وأحى إليها
وأومن بالنهاية وهى عتق يريح النفس من مستضعفيها
. . لضافت بى الحياة وكنت عبئا على عملائها ومشعوذيها
ولكنى صبرت برغم حملى لأثقال تنوء بحامليها
ولم أشك الزمان ولم يؤدنى من السبعين ثقل من سنيها
ولى اغلى رصيد من هدوء به نفسى من مرهقيها
فكنت ألوذ بالصبر اعتصاما به إن كان منتقصى سفيها
ولم اعتب على أحد لعلمى بأن النار تأكل ما يليها
وكم غالطت بالآمال روحى وإن لم اخل من حرص عليها
ألوذ به إذا ما ضاق ذرعى ولفتنى الهموم ببردتيها
وغام الجو واشتكت الأغانى خفوت الصوت عند ملحنيها
وأظلم فى عيونى درب عيشى وأسقط فى يدى وتهت تيها
. . صديقى بل اخى وابنى إذا ما تعددت النعوت لمجتليها
وملء الصدر و المهدى لروحى هدى ومعيذها من مبغضيها
لقد أحييت فى نفسى رجاء وكنت ولم تزل من منعشيها
سلكت بمهجتى سبلا فجاجا تشوق لو اننى من سالكيها
ولكنى سئمت السير حتى مللت إقامتى وزهدت فيها
وظلت وحشتى تزداد عمقا وكنت أسيغها حرصا عليها
وما خلقى التشاؤم غير أنى رهيف الحس أستقرى الوجوها
ونفسى لا تقيم لأى لون من الأحقاد وزنا أو تعيها
. . ألم تشعر بذا فنزحت عنها وعدت كواحد من زائريها
وفارقت المغانى وهى لهفى عليك وما رحمت معذبيها
- 2 -
نفذت إلى الصميم فهجت نفسى ( * ) وأجريت الدموع بمحجريها
وكنت كمن نوى إخماد نار فاضرمها بما ألقى عليها
وهل فى الذكريات إذا اثيرت سوى بعث التأثر فى ذويها
لعمرك ما الحياة سوى احتفاظ بكنز من عواطف صادقيها
نعود له إذا ما طاف خطب بساحتنا وضايق ساكنيها
وتنفق منه عن سعة إذا ما تنكرت الكنوز لجامعيها
فان نفد الرصيد وأرغمتنا ظروف لا نطيق العيش فيها
فهل تجد النفوس لها قرارا وهل تصفو الكؤوس لشاربيها
وهل نحيا على مضغ المآسى وتبقى الطيبات لمنتقيها
. . فكيف يطيب لى عيش ونفسى تحس بغربة تقسو عليها
وتشعر بالسكون يمد ظلا ويكتسح الرحاب وساكنيها
وتجفونى الحياة على ترامى مسالكها ووفرة خاطببيها
أفيق على فراغ ليس فيه سوى الأصداء توحش سامعيها
فأقضى الوقت فى عد الثوانى وأستدنى نهاية ما يليها
وأفرح بالدقائق حين تمضى محملة بما قد جد فيها
كما فرح السجين بما تقضى من اللحظات عند مسجليها
فلا الساعات تدفعها الثوانى لتلقي عبئها عن منكبيها
ولا الأفياء تمسح ما تبقى من الأضوا برقة راحتيها
كأن الوقت سمر فى مكان عليه الشمس ضمت ساعديها
ولست اليوم أدرى ما سألقى وهل ستنال نفسى بغيتيها
وهل أقضى البقية من حياتى على صور تطيب وأرتضيها
وليس تهمنى وأنا قريب من السبعين حال أشتهيها
وحسبى اليوم أن احيا وحيدا على ذكرى أناجى تاركيها
فأذكر من مضى من اصدقائى ومن ترك الديار لعامريها
ومن كانوا بها دفء النوادى وزينتها ونغمة مطربيها
زهورا تملأ الأنفاس عطرا وتنعش بالشذى متنشقيها
وعاشوا كالفراقد شع منها ضياء دافئ غمر الوجوها
وكالأطياف لطفا حين تلقى أحبتها وتدنو من ذويها
صديقى يا مجمع شمل نفسى ومكرمها بحضرة مزدريها
رددت لى الشباب شباب روحى فعاد بريقه فى مقلتيها
وغنى ( جعفر ) فاذا خيوط من الآمال شدتنى إليها
فمن نبعيكما نديت لهاتى بألحان صفت لمردديها
وفى حرميكما أبصرت روحى ترفرف فى خفارة أجدليها
. . ولن أنسى مجالس أصدقائى بدكانى ونقدهم النزيها
وقد دار الحديث على صفاء كما صفت العقار لمدمنيها
فتمتزج النفوس وتلتقى فى متاهات يلذ الركض فيها
ونرش من سلاف الشعر كأسا وجعفر كان أمهر عاصريها
ونحسب أن آلهة القوافى تناجى نخبة من ملهميها
فلا الساعات نوليها اعتبارا ولسنا فى اللقاء بحاسبيها
ولكنى امتحننت بنثر عقدى فأقوت ساحتى من عابريها
وراش الدهر أسهمه فأصمى وأدمى مهجتى وسطا عليها
وألجانى لأن أبقى بأرضى وأحرسها وألقى زائريها
وأحفظ ما تبقى من تراث سيذهب لو يباح لنازليها
. . وإنى سوف أبقى ما بقيتم على حفظ العهود لحافظيها
أقيم بها كما شئتم وأرضى بما كتب القضاء لعاشقيها
وإلا - وهى ثالثة الأثافى - (( فلستم فى الحياة بداخليها )) ( 1 )
رضيت بما رضيتم فاذكرونى بما لقى الشهيد على يديها

