ماذا أقول عن زكى مبارك ؟
أأقول عنه هو ذاك الاديب الذي افتتن بدراسة الشعر والنثر حتى أنه كان يبتاع الكتاب لمجرد كونه يحتوى على بيت شعر أو قطعة نثرية ؟ . .
أ أقول عنه : هو ذاك العاشق الذي تغنى بفتاة من جيرته . . كانت تداعب قلبه بأحلى الالفاظ كقولها : ( أنت يا ولد عيونك خضر زى عيوني ) وظلت ذلك الفتاة موئل هواه حتى سطت عليها يد القدر ؟ . .
أم أقول عنه هو ذاك الوطني الغيور الذى رفض إغراء السفارات وجاهر بحبه لوطنه ، وشارك مشاركة فعالة فى ثورة عام 1919 بقيادة سعد زغلول وخاض المعارك الادبية وما خاب فى واحدة منها ؟ . .
فماذا أقول في زكى مبارك الذي دافع عن عروبة مصر ، وراسل الصحف بشعره ونثره مهددا الاستعمار ، والذى عاش حياة الغبن ، وأحس بالمرارة والضياع ، وهاله أن يجد نفسه دائما فى المؤخرة ومع ذلك فقد كافح كفاحا علميا دؤويا ونال أرفع الشهادات وكتب يقول : » أنا أخدم وطني بعقيدة صحيحة ولا أقبل درهما في خدمة وطني ؟ « .
فماذا أقول فى زكى مبارك وهو كل هذا وأكثر من هذا كله ؟ . .
- ملامح من حياته :
إن زكى مبارك هو صورة أدبية رائعة فى دنيا الفكر والثقافة وهو أنموذج حي فى أدبنا العربي المعاصر . . تأنس بصداقته ، وتستمتع بأحاديثه وأشعاره ، وتبهرك ثورته. . هو أديب بحق يتميز بقوة الحجة وبالصراحة فى أحكامه ولا يخشى فى الحق لومة لائم حتى وإن خرج عن المألوف فى كتاباته أو فى مساجلاته
يستقبل ضيفه بالترحاب والنكتة ، لكنه يعيش للحب ولا يعرف الكراهية ولا الحقد ، فهو صاحب » النثر الفني « و » التصوف الاسلامي « و " مدامع العشاق « و » الاخلاق عند الغزالي « و » حب ابن أبى ربيعة « و » الموازنة بين الشعراء « .
زكى مبارك هو نمط فريد يشدك شدا بشخصيته المحببة وروحه المرحة ، وعلمه الغزير ، ولطائفه الساحرة ، وعنفه فى النقد ، وأسلوبه المشرق الأخاذ .
كان اذا مر في الصباح بجماعة يقول لهم ما لا يقوله الآخرون . . تعود غيره أن يقول : ( صباح الخير ) وتعود هو أن يقول ( صباح الهوى ) .
وكان اذا مر بقوم فى المساء لا يحيى كما اعتاد أن يحيي سائر الناس ب » مساء الخير « وإنما يقول بصوت جهورى :» مساء الهوى « .
إن الحسن والعشق والجمال هى مميزات هذا الفنان الموهوب ، والكاتب الملاكم ، والوطنى الغيور .
زكى مبارك هو أديب فلاح وكاتب كادح لكن من ميزاته أنه يمتلك قلبا يحب ، وقلما لم يؤجر . . شداه حب » ليلى « فسهر من أجلها ، وكتب من أجلها ، وبكى من أجلها ، وشدته قريته » سنتريس « وهي احدى قرى المنوفية الرابضة على شاطئ النيل فى أرض الكنانة فلم يشأ يفارقها حتى بلغ الثامنة عشرة من عمره . .
فى هذه السن ترك قريته الحبيبة الى نفسه وقصد ( الأزهر ) ليستكمل ثقافته العالية .
ــ فتى » سنتريس « الفلاح :
هذا هو فتى » سنتريس « وهذا هو ( الدكاترة زكى مبارك ) كما أمضى مقالاته فيما بعد . . . ولد فى » سنتريس « فى صائفة ( 1 ) عام 1892 وبها نشأ
فلاحا بين الفأس والمحراث وكم كان يفخر بهذه النشأة القروية ؛ اذ كثيرا ما قال لاصحابه : » إن آثار الفأس والمحراث منقوشة على يدي « .
وفي » سنتريس « تعلم الكثير . . تعلم الجد والصبر والفلاحة ، وفي » سنتريس « تخلق بأخلاق سكان الريف ، واكتسب طباعهم .
وأحب الطفل الفقير قريته وأحب أهله فيها ، وعز عليه أن يرى أهله فى » سنتريس « يخرجون في الاعياد للمقابر ليلة العيد ليسلموا على الاموات بينما سكان القرية يصنعون فى العيد الكعك والحلوى ، وهو نادر أن يجد الكعك في منزلهم ، بل كان يجد القهوة المرة ؛ وذلك لان أسرته الكبيرة كثيرا ما كانت تصاب بأبنائها فيمر العيد والاسرة حزينة فيتأثر بها الصبى وهذا هو الذي حدا به فيما بعد فحرر فى كل عيد مقالا حزينا باكيا ومن مقالاته » العيد في سنتريس « وفيه يقول : » وللعيد فى نفس أهل » سنتريس « صورة الفرح والانشراح ، وهم لذلك يحرمونه على أنفسهم فى العيد اذا كان فى البيت حزن ، والاهل والجيران يراعون خواطر من مات لهم ميت ، لم يمض عليه العيد فيمتنعون عن خبيز الكعك « ( 2 ) .
وفى » سنتريس « التى تعرض فيها للغرق صبيا بدأ ينظم الشعر فى جارة جميلة له كانت في مثل سنه . . أحبها زكى مبارك حبا عنيفا وكانت قصائده الاولى الساذجة فيها تعبر عن عشقه لها ، وهيامه بها ، وتدل على أن صاحبها ذو قلب خفاق .
وكما أحب زكى مبارك في » سنتريس « الشعر ، والفلاحة وطيبة القلب ، وجارته الصغيرة الجميلة ؛ أحب أيضا شهامة أهل الريف وصراحتهم وقوتهم، وأحب منظر الصبايا وهن يملأن جرار الماء من السوانى فكان يرنو اليهن بعينية ويهفو اليهن بقلبه ، وأحب فى » سنتريس « تقى الاهالى ؛ فكان يذهب مع أبيه كل صباح الى المسجد ثم يباشر أعماله الفلاحية .
وكم كان والد زكى مبارك يفخر بابنه حينما يشاهده يسحب الجاموسة الى المراعي أو خارجا من مسجد القرية . اذ ما كان يدرى كما يذكر ذلك زكى
واراء نفسه : » وما كان يعلم - طيب الله ثراه - أنى لا أبكر الا لأشهد السرب الاول من أسراب الملاح « ( 3 ) .
و » سنتريس « قرية الشاعر ومسقط رأسه ظل يحبها الى آخر حياته فكم تحدث عنها فى أدبه وفي خواطره : » . . حيث يحلو السمر فى ليالي القمر على شاطئ النيل هناك حيث النجم والشجر والماء والزهر ، فى تلك البقعة المشتبكة الحداول ، حيث السواقى الشاديات ، والطيور الصادحات ، وتحت تلك الشجرة المعطفة الغصون ، المهدلة الشعور ؛ . . هناك حيث أستظرف الحلوس مع أولئك الامجاد شجعان البلاد ؛ أولئك الذين لم تخالط نفوسهم أوضار الحضارة ، ولا سموم المدينة ، فتبدو لنا » سنتريس « و كأنها بسمة فى فم الكون « ( 4 ) .
تلك هي » سنتريس « قرية زكى مبارك الاديب الفلاح التى افتتن بها ؛ إذ فيها نشأته ، وفيها الاهل ، والاحبة ، والصبايا الجميلات ، وذكريات الحب الاول ، والمسحد الذى تلقى فيه الدروس الديية عن الشيخ » محمد غريب « فى عصريات رمضان .
ولشدة حبه ل » سنتريس « لقب نفسه بشاعر » سنتريس « وكان يعتز بهذا اللقب كثيرا .
- في الأزهر :
وحياة زكى مبارك . . وإن كانت مليئة بالمصاعب ؛ فهى أيضا ثرية وخصبة ؛ ذلك انه فى الثامنة عشرة من عمره ترك قريته الحبيبة وقصد الأزهر لاستكمال ثقافته لكن هل وجد زكى مبارك الجو الذي كان يأمله فى الأزهر ؟ كلا . . إن هذا الفتى القروى ما كاد يحل فى البيئة الأزهرية المحافظة حتى وجد نفسه مقيدا ، ولكنه ما صبر على قيده وهو الشاب المتحرر ؛ لذلك رأيناه يرفض ما كان سائدا فى الوسط المتزمت وبادر بنظم الشعر فى الغزل والتشبيب ، ولم بكتف بهذا فحسب بل حمل لواء الثورة على نظام التعليم بالأزهر وأخذ يحبر
المقالات النارية داعيا الى اصلاح التعليم في هذه الجامعة العريقة ، ومقالاته في هذا الشأن تعبر عن أطواقه وتطلعاته وتؤكد على صدقه مثل قوله :
» نريد أن يتغير التعليم في الأزهر والمعاهد الدينية ، نريد أن نكون أعزة وقد صيرتنا هذه التعاليم أذلة ، نريد أن نرسم خطة لنضهة الممالك الاسلامية حتى يغلب الجاحدون على أمرهم فيدخلوا فى دين الله أفواجا من حيث لا يشعرون ، نريد أن نمحو الوساوس التى دخلت في العلوم العربية وأصول الفقه وعلم التوحيد ، ولا يضيرنا أن يخمل ــ بذهاب هذه الوساوس ـــ مئات المتصيدين فى العلم والدين « (5) .
وعاش زكى مبارك فى الأزهر عيشة بسيطة وتابع دراسته هناك بنباهة وذكاء قبل أن ينتقل فى عام 1913 الى الجامعة المصرية بعد أن حذق اللغة الفرنسية فى ثلاث سنوات .
وفي كلية الآداب بالجامعة وجد ضالته المنشودة ، وجد من يحدب عليه من أساتذته أمثال الشيخ محمد المهدى .
واعجاب زكى مبارك بهذا الاستاذ كان دائما كبيرا أفليس هو القائل يوم تكريمه فى الحفل الذى أقامه الطلبة له ؟ . .
وما كانت الآداب إلا طرائقا من الشعر أو ما يستجاد من النثر
فأبرزها المهدى عذرراء غضة تأود تحت الحلى فى الحلل الخضر
مباحث لو غذى ( زهير ) بروحها لأضحت قوافيه أرق من السحر
ولو فقه النيل المبارك كنهها لحول ذياك المزيج الى خمر
- فى ايام ثورة 1919 :
وفي أيام الثورة الوطنية ثورة 1919 كان زكى مبارك فى مقدمة الشبان الثائرين على الاستعمار البريطانى وساهم هذا الشاب الثائر بشعره ونثره وخطبه فى هذه الثورة المحيدة وانتهت به الثورة الى الصورة التى انتهت به . . انتهت به الى الاعتقال والسجن وعن هذا كتب يقول :
» لقد تمردت على الظلم كما تمرد أجدادى فكنت من خطباء الثورة المصرية سنة 1919 ، فاعتقلني الانكليز وصيروني اسير حرب . . إن أيام الاعتقال أورثتنى أحزانا كثيرة وهى أحزان ما زالت تفطر قلبي ، ولكنى أفدت من ايام الاعتقال ، فقد عرفت معنى الاغتراب في الحياة وهو معنى جميل « ( 6 ) .
- في الجامعة :
وما أن طلق سراحه حتى التحق بالجامعة من جديد ونال شهادة الليصانس عام 1921 وفي 15 مارس 1924 فاز ب : الدكتوراه الاولى بتقدير جيد عن رسالته : » الاخلاق عند الغزالي « .
وأمام تفوق زكي مبارك فى دراسته الجامعية عين مدرسا فى الجامعة ( 7 ) وعهد اليه شرح كتاب ( مغني اللبيب ) لطلبة كلية الحقوق بطلب من الدكتور طه حسين .
ولم يقتنع هذا المفكر بما هو فيه من مركز أدبي بل تطلع صوب جامعة ( السوربون ) فى فرنسا ، وعانى في باريس من شظف العيش الشئ الكثير ، وأمكن له - وبعد مرور خمس سنوات من هذا العيش المكدود - أن يحرز على الدكتوراه الثانية برسالته القيمة ( النثر الفنى فى القرن الرابع ) ( 8 ) .
وإثر عودة زكي مبارك من باريس عين استاذا بالجامعة المصرية وهنا ثارت ثائرة طه حسين الذى استغرب تعيين زكى مبارك فى هذا المنصب لما كان بينهما من خصومات أدبية قديمة .
وبالرغم من تقدير الادباء لزكى مبارك ومؤازرتهم له ؛ فان الصراع بدأ من جديد بينه وبين الدكتور طه حسين خصوصا حينما عاد طه حسين الى الجامعة من جديد .
ولم يمض وقت طويل حتى أبعد زكى مبارك عن رحاب التدريس فى الجامعة : ذلك أن طه حسين رفض فى عام 1934 تجديد عقد زكي مبارك في الجامعة وقال :
» أنا لم أستشر فى تعيينه فلا أستشار فى تجديد عقده ! . . « .
وكانت مأساة محزنة . . أبعد زكى مبارك عن منصبه ووراءه مسؤوليات ووراءه أيضا خمسة أبناء . .ولم يهمل زكي مبارك هذه الفرصة دون أن يكتب فيها . .
كتب زكى مبارك مقاله الشهير فى » البلاغ « ( 9 )
» طه حسين بين البغي والعقوق« والذي قال فيه :
» لو جاع أولادى لشويت طه حسين وأطعمتهم لحمه « .
واهتز لهذه الحادثة كبار الادباء في مصر من ذلك أن ابراهيم عبد القادر المازني كتب يقول : » إن الدكتور طه حسين أصبح ممن يملكون اشباع البطون واجاعتها وأنه صار يضرب اللقمة التى ترتفع بها اليد الى الفم ويطيرها فتسقط على الارض فتفوز بها الكلاب ويحرمها الانسان « (10) .
أما زكى مبارك فقد تصرف تصرف الرشداء ولم يأبه بصنيع طه حسين قال قولته المشهورة : » والذين يحاربوننى لم يطمعوا فى محاربتى الا لظنهم أننى رجل أعزل لا انحاز الى حزب من الاحزاب وليس لى فى الحكومه عم أو خال . . .« .
ومضى صاحب » النشر الفني « يشق طريقه بعزيمة صلبه ، فاشتغل بالصحافة والادب . .كان يكتب في كل خميس مقالا بعنوان : » الحديث ذو شجون « فى » البلاغ « بينما كانت مقالاته الادبية تملأ صفحات مجلة » الرابطة العربية « وكان يخصص جزءا من وقته لاعداد رسالته عن ( التصوف الاسلامى ) لنيل الدكتوراه من الجامعة المصرية الجديدة .
وفي ماي 1937 عين مفتشا للمدارس الاجنبية بعد حصوله على الدكتوراه الثالثة فى أفريل من تلك السنة ، وفي هذه الاثناء أطلق زكي مبارك على نفسه : ( الدكاترة زكى مبارك ! . . ) ثم سافر الى بغداد للتدريس بدار المعلمين العليا لمدة عام واحد فحسب .
ومتنت رحلته الى العراق ايمانه القوي بالعروبة والقومية العربية .
ومكنته اقامته بالعراق من أن ينجز عدة كتب منها : ( عبقرية الشريف الرضي ) ، و ( ليلى المريضة فى العراق ) و ( ملامح المجتمع العراقي ) ، ويصور زكى مبارك تأثير العراق فيه فيقول : » كوتني بغداد تم شفتني . . كوتني لأني عشت فيها محبوسا لا أدرى أين أذهب . . وشفتني بغداد لأني أنست بسواد الليل حين فاتنى الانس بسواد العيون « .
- فى القاهرة من جديد :
ورجع الدكتور زكى مبارك الى وطنه فخورا بما أدى فى العراق وبما أضافه الى الادب والفكر هناك ولكنه لم يجد ما يرضيه فقبل عن مضض خطة التفتيش من جديد الى ان أعفي منها ونقل الى ( دار الكتب ) بأمر من النقراشى باشا رئيس وزراء مصر وقتئذ .
وإزاء هذا الوضع الجديد تردى حال الاديب الفلاح زكي مبارك وأيقن أن المتاعب ما زالت تلاحقه بسبب صراحته وثورته على الاوضاع .
وفي شدة أيام ضيقه هذه ينشر قصيده المعروف » الناس والزمان « ، وفيه بصف حاله وقسوة الناس عليه ومما جاء فى هذا القصيد :
خطوب الدهر لم تخفض جناحا بعزمته القوية قد سموت
قضيت العمر ما أحد رآني على باب لمخلوق وقفت
ولا علمي اهنت ولا بياني ولا بمدارج الاطماع سرت
سضى محنة وتجئ اخرى وليس لمحنة الاحرار وقت
ويبقى خاطرى شهما شجاعا أصول به وافتك ما أردت
بهذا العقوق قوبل الرجل ، لكن هل سكت زكى مبارك ؟ . . وهل أوقف معاركه الادبية ؟ . . أبدا . .
ان زكي مبارك بقى حاملا قلمه وظل شاهد السلاح فى وجوه الذين حاربوه فى رزقه بدل أن يناقشوه بالحجة ، فصراحة هذا الاديب الفلاح كانت من النوع الشاذ من ذلك أنه نشر فى احدى افتتاحيات ( الرسالة ) نقدا لخطاب العرش فتارت ثائرة على ماهر رئيس الوزراء وقرر قطع اشتراكات الحكومة في ( الرسالة ) وحاول ( الزيات ) تسوية الموقف لكن رئيس الوزراء ظل غاضبا على زكر مبارك ، وطلب منه أن يعتذر فى ( الرسالة ) والا يفسخ العقد الذى بينه وبين وزارة المعارف فما كان من زكى مبارك الا ان أبى ولم يعتذر وقال : » إني لا أعتذر عن مقال كتبته وأنا أعتقد أنه حق ، وللوزير أن يفسخ العقد ، فمن الفضيحة ( لوزارة المعارف ) أن يكون أحد كبار المفتشين بها موظفا بعقد . . . « .
وأمام هذا التحدى والاصرار ظل هذا الاديب ضحية الملاحقة والحرمان وتألم من هذا الغبن كثيرا . . يقول والالم يعتصر قلبه : » إن بنى آدم خائنون . . تؤلف خمسة وأربعين كتابا منها اثنان بالفرنسية وتنشر ألف مقالة في البلاغ وتصير دكاترة ومع هذا تبقى مفتشا بوزارة المعارف ! ! « .
بمثل هذه المشاعر كان هذا الاديب يعبر عن مأساته . . مأساة الفنان المطوق بأغلال الزعانف وأشباه الرجال . .
إن غيره كان يتمتع بخيرات مصر ومناصبها العالية ، أما هو فلا يدري ماذا يفعل مع هذا الحظ المنكود !
وشاء القدر أن ينهى آخر فصل من فصول حياة هذا الاديب الكبير الذي انتابته أزمة حادة فراح يبحث عما يبعده عن مآسى الحياة المكدودة ووجدها فى النهاية . . وجدها فى الخمرة . . إن الخمرة هي الدواء الشافى لهمومه .
وكان ما كتب له فقد سقط زكى مبارك فى شارع عماد الدين بالقاهرة ونتيجة للسقطة على الارض كانت وفاته يوم 1952/11/23 وعمره ستون عاما .
تلك هي خاتمة مطاف زكى مبارك الذي كان يخوض الملاحم الفكرية بشجاعة نادرة وعنف شديد طيلة الثلاثينات والأربعينات . كان يريد أن يكون الاديب الصادق في أدبنا الحديث وفي مجتمعه وفى هذا كانت مأساته ومتاعبه .
هو فنان حالم . . حلم بالحب . . وبالمرأة التى صورها في أدبه تصويرا مثاليا . . وبالمجتمع الفاضل . . وبالحياة المثلى . . لكنه وجد الحياة شيئا آخر فافتقد الواقع وعاش طيلة حياته ثائرا وحائرا .
هذا هو الاديب الفلاح الذي زوج في سن مبكرة وهو طالب بالازهر بفلاحة طيبة بسيطة من ( سنتريس) . . إن زوجته الفلاحة ، هي وإن حفظت عرضه لكن لم تعوضه ( الحب الكبير ) الذي كان لا بد منه بالنسبة اليه . . ووجد ملهمته فى » ز « أو ( ليلى المريضة فى الزمالك ) لكنها فرت منه يوم أن تعرض للاضطهاد فى عمله فأسف وحزن .
تلك هي شخصية زكى مبارك الاديب الفلاح الذي مات فقيرا لانه أنفق عمره فى خدمة الادب ولم يكن له سناد من الاسندة التى رفعت الكثير من الادباء . . عاش مأساة جيله ولم يتقيد بغير الكلمة الحرة الصادقة لكن كان لصدقه اثر سئ عليه فعاش برما بعد أن حاربه ذوو السلطة حتى في رزقه وفى خبز عياله .
إن ظروف حياته كانت قاسية جدا وهى نفس ظروف أجواء الظلم عامة لقي فيها هذا الاديب الحساس من صنوف الهجر والغدر والمعاناة ما يعجز القلم عن تبيانه . . وفى خضم هذه الظروف بدأ انطفاء تلك الشخصية الفكرية المعتدة بنفسها بعد أن قدمت صورة عن الاديب المتعب المكدود الذي فر من لواقع المقهور ، ولجأ إلى الشراب والعزلة ، بعد ما أبدع على السطح ، وقدم الباقات من أغاريد الشكوى والحنين والحب .

