مدخل : في الفترة الاخيرة من العام الفارط ظهرت على الساحة الادبية ثانى مجموعة شعرية ( 1 ) طبعت بتونس لامرأة تونسية بعد ان ظهرت مجموع سابقة للشاعرة زبيدة بشير ( 2 ) وهي أولى المجموعات الشعرية النسانية التى طبعت هنا واختفت بسرعة لسبب ما واصبحت من تلك المجموعات التى يسمع عندما والغريب ان الشاعرة اختفى صوتها ايضا من الساحة الادبية لفترة طويلة كأنها اصبيت بصدمة قوية أبحت صوتها أو كأنها قررت أن تكف عن تجربة الكتابة الشعرية لرغبة وانصراف مفعم الى اتجاه آخر دون غيره من الفنون وبهذا الانصراف فرغت الساحة الادبية والشعرية خاصة من الاصوات النسائية وأصبح ادبنا التونسي يفتقر الى اصوات شعرية نسائية ورغم ان فضيلة الشابي ( 3 ) أرادت سد هذه الثغرة فنشرت الكثير من قصائدها ذات الطابع المتجدد بمجلة الفكر لكنها فشلت في النهاية وانتقلت الى المشرق حيث مارست بقية كتاباتها هناك الى حد ظهور مجموعتها الشعرية الاولى ( 4 ) ويبدو واضحا هنا ظهور ازمة شعر نسائى وهذا ما دعانى الى البحث فى اسبابها ومعطياتها وسبل الضعف فيها راجيا من الاقلام المفكرة تسليط الضوء عليها وطرق كيفية علاجها ان فلحنا وما اكتبه الآن ما هو الا تعبير عن وجهة نظرى الخاصة يمكن فيها الخطا والصواب حسبما يتبادر لذهن الممارس
للتيارات الادبية حديثا وقديما والمتعمق في اغوارها ، لكن المهم ممارسة الكتابة فى هذا الموضوع وطرق جميع جوانبه للخروج من الازمة
الازمة واسبابها : بادئ ذى بدء لا مناص من الاتفاق على وجود ازمة فى حياتنا الفكرية والثقافية وهذه الازمة تتجلى فى تعثر الحركة الادبية النسائية وانعدامها ان صح التعبير وخاصة من الجانب الشعرى كما ذكرت سالفا وقد نجد انفسنا مضطر بن فى هاته اللحظة الى مجابهة هذه الازمة بمحاولة جادة لتقصى اسبابها وهوطن الدرن فيها واكتشاف ما ينفع من الحلول ان امكن واذا بقينا فى غفلة عن هذه المشكلة لاسباب تتصل بعزوفنا عن البحث فيها أو انشغالنا بقضايا أخرى تبدو ذات أهمية بالنسبة لادبنا الحديث اعتقد انه من الضرورى البحث عن مسلك يعالج موقف الشعر النسائى ويثبت وجوده او كان موجودا ، فاذا تلمسنا الموضوع من الجانب الموضوعي نجد اشعارا نسائية أنثوية يسكنها الحب والورد والعبق فهي حدائق وبساتين رغم ما فى هذا العالم من المحن والمآسي وضروب من التيارات الثقافية والسياسية والاجتماعية
وهنا أسأل ما هى الارضية التى تنطلق منها الشاعرة التونسية أو التى تقف عليها ، تقول أدبية عربية ( 5 ) اننى اكتب كثيرا عن الحب لاني أومن ان الدعوة الى الحب جزء لا يتجزأ من الدعوة الى تحرير النفس العربية مما علق بها من مفاهيم مغلوطة تعوق تفجير طاقاتها وربما تكون هذه المفاهيم هى بالذات التى سيطرت على أمزجة الشاعرات التونسيات اللواتى حسبما يبدو
يرفضن كل ايمان او وسيلة كشف ضد هذه المفاهيم المغلوطة وبالطبع كما قال احدهم لا يسمح أى امرئ منصف ان يدعى عدم وجود معاناة خاصة بالمرأة من حيث هى امرأة تضاف الى ذلك المعاناة الخاصة للمرأة تحت وطأة التقاليد والمعتقدات الموروثة وخضوعها الكامل فى المجتمعات غير المتطورة لمصلحة الرجل ومزاجه وعقليته وكل اللائى خرجن عن الطوق ونقلن رغبتهن الى التحرر الذاتى انتهين الى الموت الفنى او المهاجرة وهى ظاهرة مشتركة فى الادب النسائى العربى المعاصر فمنهن من ترغب فى كتاباتها التناسق الفنى وحتى الايديولوجى مع الادب الرجالى ولكن ثورتهن لم تكن كاملة ومنهن من ابدين تحفظا شديدا وكانت خشيتهن من المجتمع تحد من انطلاقتهن ذلك ان صراحة المرأة فى المجتمع المحافظ تسئ عادة الى سمعتها الاجتماعية ويبدو ان الشاعرة التونسية تعتقد ان المجتمع سوف يرفضها كلما سلكت سلوكا تقدميا
ثوريا وتتصور انها ستقع فريسة الاذلال والخيبة وايمانها ان هذه التجربة لا يدخلها سوى الرجل وقد سألت بعضهن فكان الجواب ضبابيا يرفض الاتجاه إلى العناية بالمضمون ومحاولة التجديد وطرق ابواب الحداثه بل هن يحافظن على تحكيم الشكل فى الشعر ونظام الشطرين وهذا الاسلوب الكلاسيكي الفج اصبح سهلا لدى القارىء والمفكر واعتقد ان تلك احدى نكسات الشعر النسائى . . فهن رفضن التجربة وان هذا الضرب من الرفض يرجع الى الوضع النفسي المرضى الذى تعيشه نماذج نسائية تعود بها الى مرحلة اضطهادية وتصور انها معقدة فى المجتمع لانها تعامل باحتقار منذ صغرها وبالتالى مسلوبة فمضطهدة وتشعر ان هناك تمييزا فى المعايير الاخلاقية بين الرجال والنساء
حيث يباح للرجال ما لا يباح للنساء وترى أن المرأة هى المسؤولة فى المجتمع عن الخطيئة فقط فى حين ان الرجل مبرأ دائما ، حينئذ تعداد العقد النفسية كان سببا من اسباب الضياع الفني في الشعر النسائى التونسى وتلك اسباب فتور الكتابات النسائية التى تفقد الحبكة والاهمية اذ تطفو عليها العاطفة والرومنسية فكل القصائد رواية غرامية يقابل فيها الشاب فتاة ثم يقع فى غرامها وينتهى الامر بالعناق والتقبيل او بمأساة من نوع آخر فكل الكتابات النسائية أو بعضها يكون شبها كاملا للبعض الآخر ولن تنتقل المرأة من فكرة لاخرى دون ابراز حساسية جمالها وتجسيد انوثتها للقارىء ، وربما مثل هذه الاتجاهات قد تضايق قارىء اليوم فلن يكون الشعر عملا أدبيا رائعا الا اذا غزا قلوب الجماهير المشحونة بالنضالية والحماس والتركيز على قضايا العصر لان
الادب بصفة عامة مرآة لما يحدث فى هذا العالم والشعر أصدق تعبير عن هموم الجماصر والشعر النسائى التونسى فى هذه المرحلة لم يواكب الحركة الادبية المعاصرة لا من حيث الشكل ولا المضمون وقد يتضح هنا للقارئ كلما قرأ شعرا نسائيا تونسيا انه امام قصيدة لا تقدم مشكلة محدودة المعالم ولذلك فانها لا تنتهي بحل ملموس كما يلمس القارىء هوامش جانبيه هى نفسها طرق وأساليب ووسائل لعرض مشكلات اخرى من مشاكل الرومنسية والضياء داخل بوتقة الخيال المزاجى وقد لا يرضى هذا اغلب القراء وخصوصا القارىء المثقف الذى أصبح لا يؤمن بتقديس القبلات وتكديس باقات الورود والبيانات الغرامية فلم يعد مقبولا فى القصيدة المعاصرة مثل هذا الاسلوب الكتابي ، وحتى روائح العطر زعفتها أنوف قراء هذا العصر ، وأومن ان هذا القارىء أصبح بحاجة الى المزيد من المعالجة لقضايانا السياسية والاجتماعية الاخرى لان التفجر الاجتماعى والسياسى والثقافى الذى يشهده الوطن العربي من الضرورى ان يفتح الطريق امام خلق فنون أدبية وثورية دينامية قادرة على
التعبير عن توترات مجتمعنا وتطلعات جماهيره العريضة وتبين لنا مؤشرات التفجر الاجتماعى والسياسي التى نعيشها اليوم ان الفن لادبى بشتى اشكاله وفنونه هو المرشح الوحيد ليكون لسان المرحلة الحالية والمعبر عنها واذا نحن انتقلنا من مرحلة المؤشرات الخاصة نجد من الضرورى تحول الادب النسائى طبقا لمعايير نعيشها ونمارسها ونرى من الضرورى ولزاما على المرأة الادبية تغير اسلوبها الكتابي ومحاولة تعصيره فكما تعصرت بلباسها وديكورها وحياتها الاجتماعية والخاصة من الضرورى ان تتعصر ثقافتها وقصيدتها وهذا الطلب لن يهدى او يمنح او يباع انما هو حصاد مجهود تنقيب ان صح التعبير اى من الضرورى على الشاعرة التونسية ان تخرج من بوتقة الروتين والانحلال العاطفي الى ممارسة الكتابة الجادة والتعمق فى كل الكتابات الحديثة
التى تعج بها الصفحات الادبية كتبا كانت أو مجلات او صحفا ونستنتج من هنا ان ازمة الشعر النسائى ربما يكون مردها الى أمرين اثنين أولهما انهزامية الشاعرة التونسية او شعورها بها وعدم ممارستها لثقافات العصر بجمودها وركودها ولامبالاتها بهذه الثقافات ثم الزواج الذى اصبح احد عراقيل الابداع الفني عند الشاعرة فكثيرا ما تكون نهايتها الادبية ليلة الزفاف وربما هذا نتيجة عقد نفسية او افكار مرضية كما ذكرت واذا مارسنا العملية بالشواهد والمؤيدات نجد ان زبيدة بشير كتبت قصائدها كلها قبل الزواج سوى النادر بعده وفاطمة الدريدى جف سيلها عندما خطبت ومرجع هذا ان صحت تنبؤاتى ان الشعر النسائى التونسى يفتقر الى ارضية ادبية صلبة تشد الشاعرة شدا إلى آخر لحظة من حياتها تتطور كلما تطورت الحركات الادبية وتزداد نضجا وممارسة يوما بعد آخر وهذا يفرض خلق ارضية ثقافية تنطلق منها الشاعرة
وتتبع كل الكتابات الحديثة وتساير كل الاتجاهات بامعان ومنطلق هذا ايديولوجية ثقافية متشبعة وممارسة جادة لا استهلاكية لقضاء مأرب أو رغبة وهذا يبدو لى من اعسر الامور فى زمن تكف فيه الشاعرة عن الكتابة مطلقا كلما ارتمت بين احضان حبيب العمر فهي تكسر القلم وتعزف عن الكتابة وتدخل قائمة ربات البيوت وأظن ان هذه الظاهرة لا توجد سوى بتونس فكل الشاعرات فى الشرق والغرب حافظن على حركيتهن الادبية حتى النفس الاخير ومنهن من تضاعف نتاجها بعد الزواج والانجاب وهذا يرجع الى صلابة ارضيتهن الثقافية فالارضية الادبية الصلبة لا تنضب او تنكسر حينئذ لا من خلق ارضيه صحيحه وسليمه لشعرنا النسائى لنخرج من الازمة حسب رأيى مؤملا مشاركة الاخوة القراء واصحاب الاختصاص فى معالجة هذه الازمة

