وضع صاحب المقهى أمامه كوب العصير وقطعة كبيرة من الحلوى التى يهفو الى أكلها دوما . قال ضاحكا :
- أخدمك بنفسي يا سيدى ، والحساب علي . سيكون الكل مجانا اليوم .. قال والدهشة تحفر وجهه :
- ألم أرك منذ اسبوع عابسا.. ومنذ شهر ، ومنذ سنة.. بل منذ عرفتك ..كان العبوس طابعك . فما الذى غيرك ؟
قال ضاحكا وبطنه يضحك مداعبا سروال الضيق الذي يعانقه ، والسروال يضحك بدوره وهو يلثم الحذاء الجديد اللامع كخد الزنجية التى رآها منذ أيام . قالت له وشفتاها الغليظتان تصطكان ببعضهما : قبلني . . قال مترنحا ورأسه يدور من المفاجأة . . لا . . اعادت الطلب واحمرار صاخب يرتع بعينيها . " قلت قبلنى ايها ال.." قال بعناد مشاكس : لا رفعت يدا سوداء كقطعة ابنوس وصفعته على خده . زادت صفعة اخرى واخرى . بقى مبهوتا يرمق الافق وفرائصه ترتعد . حينما عاد الى رشده . فكر ان يعيد لها الصفعة . نظر حوله . لم يجدها . من يومها وهو يتساءل أين رأى هذه الزنجية ؟ فى أى ماخور التقى بها ؟ فى أية حانة ؟ أمام أى مسجد ، في اليقظة أم في المنام ؟ أم الحمى هى التى .. ؟ نسي ذلك ..
- انتهى زمن العبوس يا أخي . جاء زمن الضحك الضاحك . فلنفرح معا ..
انسحب من أمامه ضاحكا ليلتقى باصحاب ضاحكين دخلوا المقهى لتوهم . عاد يتساءل أين التقى بتلك الزنجية اللامعة الخدين ليعيد لها الصفعة , والناس حوله يضحكون . هرب من المقهى قبل ان ينفجر ضاحكا . سمع صوت الزنجية يطن فى اذنه "بل هو زمن الخوف الضاحك.. اخبر هؤلاء البله ,
وحسبهم ضجيجيا " مد يده محاولا مسك الصوت او صاحبته . لكن يده لم تمسك غير هواء بارد شكه بقوة . بقى الصدى يردد ضحكة شعر انها سوداء حالكة كليل طويل مضجر .
سار فى الطريق متعجبا.. ما هذا الهرج الذي يغزو قلب المدينة ؟ ما الذي جرى ؟
قال أول ضاحك صادفه : - ألم تسمع الخبر ، لن نخشى بعد اليوم من النهاية . رسخت اقدام العالم وطابت لنا الحياة .. - من اخبرك بذلك ؟
قال وهو يزداد ضحكا : ألم تسمع الراديو ؟ الناس كلهم فرحون للنبأ السعيد . كتب لنا الخلود . الا تضحك معنا ؟
- ان كان الراديو يبشر بالخلود فيعني ذلك ان النهاية اقرب مما تتصور .. وضع أصابعه فى أذنيه صائحا : لن اسمع ما سيعكر مزاجى . الانباء لا تكذب ..
راح وجسمه يهتز ضحكا . همس المذيع بكلمات اخاء تجارية بصوت رقيق ناعم . فنزل السلام على الارض وملأ الخلب صدر العالم فما على الحضور سوى التصفيق ..
سار خطوات . اعترضته قافلة من النساء الضاحكات . قالت احداهن وعيناها تضحكان . وانفها يضحك . وأذناها ترقصان فى ضحك . وفمها العريض ، العريض يضحك :
- سيعم السلام الارض . تدخل الطمأنينة جميع البيوت . لا حرب بعد الآن . لا نزاع . لا قتال . انزاح كابوس الجندية . طوبى لكم وبشرى لنا المحبة للجميع ..
- من قال ذلك ؟ أهو الراديو أيضا ؟ - سقط جنين من بطن امه . هتف صارخا بهذه النبوءة . انها معجزة أهلا بالعهد الحديد . الا تضحك معنا تعانق الخصمان . ارتجت اعطاف الارض
محبة . شدت الاطيار وغنت لأيام الود القادمة . شع بريق الامن فى كل الربوع وذاب الكون فى حرارة قبلة كانت أحر مما يحتمل . فراح في اغماءة .
هناك سحب داكنة تتجمع فى الفضاء . تهب عليها الرياح فتفرقها . تغيب لحظات ، ثم تعود تتجمع بعناد فذ . غرد طير فوق شجرة واختفى بين الاغصان ضاحكا . وقف يرمق الجمع الذي بزغ أمام ناظر به فجأة فى منعطف ما . الناس يضحكون . يصفقون على وقع لحن شعبى حار .
وقف شيخ وسط الحلقة يترنح من الكبر ، أخذ يلقي فى النار برزمة أوراق يوشيها الغبار ، هتف ضاحكا :
- سنوات وأنا فى قتال مع أخي . لم ؟ من أجل رقعة أرض ملعونة . آلاف الرسائل افننينا العمر فى كتابتها . . لم نحتكر فيها السباب ولا التهديد ولا الوعيد . اليوم اكتشفنا اننا نحب بعضنا بعضا بعد الاحقاد والفراق الطويل تصوروا ما أجمل الدنيا ان رفرف عليها الوئام! فلنرقص لعهد الحب !
راحت أسنانه ضاحكة محاولة الفرار من حصار فمه لتمزق الورق قبل ان تلتهمه النيران .
همس احد الوقوف وهو يدس فى يده جريدة :
- اقرأ من الآن لن نسمع بكلمة خوف.. او مجاعة.. او قحط . سيعم الخير الجميع . ما عاد اثرياء ولا فقراء . لا عبد ولا سيد . الارض وما فيها لنا بالتساوى . شركاء نحن فى الافراح والاتراح . شركاء فلنضحك للعهد الجديد ..
شعر بالدوار عاد يمسك بخناقه فجأة . ارتعشت خطاه واصطكت ركبتاه . أخذ العرق يحرق جلده يلفحه بحمي باردة ، باردة كالموت .
ما الذي حدث للدنيا ؟ ماذا جرى للناس ؟ اسبوع مضي في البيت . اسبوع مر بين الحمى ، وسقام سمره فى الفراش . كان العرق يتصب من جسده واشياء فى نفسه تبكى . جسده يبكى عرقا . والفراش يبكى لطول خضوعه للجسد السقيم . والهذيان يبكى حاله . قال هو الملل والمرض . لكن الطبيب
قال انها حمى يفرزها الجسم لترهق الفكر المعذب . لكن اليوم زال الخطر . تغلب جسمه على الحمى ، فما للعقل يرفض تصديق ما يرى ٢٠.؟
قهقهت الجريدة فى يده . تطايرت اوراقها فى الفضاء ضاحكة بعنف . لاحقها بعين مندهشة . تفرقت السحب مرة أخرى ضاحكة . بان قرص الشمس متحديا ، ضاحكا . شعر بشئ فى صدره ينحل . ينحل . يدفعه الى التمعن فى لا شئ ..
اتكأ على جذع شجرة . اخذ يضحك بدوره . يضحك . ربما تغيرت الدنيا وانا طريح الفراش اصارع الحمى.. ربما . عاد يضحك . يضحك .
قفزت روحه ضاحكة . راحت تبحث عن مكان ما فى السماء . سمع ضحكة الملائكة وهى تستقبلها ضاحكة .
وقعت الجثة تتمرغ فى التراب ، لكن الارض كانت مغشيا عليها تبكى حلما غابرا ، غابرا قد عانق يوما مخيلة رجل مات حسرة فى زمن ما .
غطت الجثة أوراق الشجرة المتساقطة وهي تضحك لاهية . بدت الشجرة حزينة ، حزينة ينز جذعها بخوف صامت يأبى الظهور .
شعر بدموعها الحارة تنهمر فوق خده تطلب منه تحقيق أمنية . لكنه ما عاد يستطيع أن يفعل شيئا . لقد تبخر كل ما فيه فى الهواء الضاحك .

