فيما كان الصباح يتلاشى ، وآثار النوم وطول السهر تفارق الوجوه اشتاق الى رشفة قهوة مرة ، تصعق أعصابي وتحرك احساسي . أشربها قبل أن امتطى القطار الرابط بين الشمال والجنوب ولا داعى أن أقول اننى أسافر ، دائما فى اتجاه الشمال مع أن هذا لا يعنى فى كل الاحوال أننى أشارك بعضهم في اعتبار الجنوب موقعا مختلفا عن غيره من البقاع بشمسه ، وقيظه ، ولهيب صحرائه ، وبرودة لياليه (
ولنا نحن أبناء الجنوب ما يدفعنا لامتطاء ظهور البهائم - وقليل منا ، من تخلى عنها ، وأصبح يستقل القطار .
ويقول الشيخ سعفان وقد أحطنا به ، بعد ان يكون أحدنا قد تطوع فتسلم دابته ، ليعطيها العلف ، ويسقيها :
- ان شاء الله فى الميسرة .
ثم يلتفت الى خميس ولد صلوحة الدرباكة : وانت يا خميس ، سأعول عليك ولا داعى فى التأخير كما فعلت هذا الموسم عد حالما أبعث في طلبك لكن قبل ان تسافر لا تنس ان تمر بدكان الحاج ، بعد صلاة العشاء ، سأعطيك شيئا تسلمه . ومن غير ان يتمم يكون خميس قد فهم
وقد تعود ان يفهم كل حركة او اشارة تصدر من الشيخ . وقد تعود ان يلبى كل طلباته . لذلك منحه الشيخ سعفان ثقته الكاملة . فقد جربه المرار العديدة واكتشف أنه ابن حلال . ويمكن أن يعول عليه . فلا يستغنى عنه ، بل يطلعه على كل شؤونه . وفى أحيان كثيرة يتشاور معه . ويقول خميس ولد صلوحة الدرباكة ، وهو يتلهى باعادة غرس نبتة قد خرجت عن موضعها :
- الرأى رأيك يا عم
وهو دائما كذلك ، فهو يعرف مسبقا أن الشيخ سعفان على صواب في كل ما تقول ، وتجربته الطويلة فى خدمة هاته التربة ، لا تعنى شيئا قدام تجربة الشيخ لذلك ينفذ كل ما بقوله الشيخ دون تململ أو ترمرم . وهي فى الحقيقة ليست أمرا ، وليست قرارا ، لا يقبل الجدال ، وربما هي كذلك من سنين ، فأخذت شكل اقتراح ، ينفذه وهو مرتاح البال للثقة التى يمنحه اياها الشيخ سعفان ونادر جدا ان يحصل غيره على ما يحصل عليه هو بالرغم من نعتهم له " بالقواد " و " القفاف " تقربا للشيخ - ألم تش بالجيلانى ، بدعوى انه بقى اكثر من نصف ساعة داخل المرحاض مع الملاحظة انه ليس مرحاضا ، بل سميته كذلك بعد أن فشلت في ايجاد التسمية المناسبة ، اذ هو عبارة عن حفرة بين حجرتين ( ألم تتسبب في طرد " الهاشمي " ، بدعوى انه كاد أن يكلف الشيخ سعفان خسارة فادحة ان هو أشعل النار لطبخ الشاى بالقرب من اكوام التبن
لن يحز فى نفسه هذا . ولا مغادرته هاته الارض التى عمل بها طويلا بل سيعود لخدمتها فى موسم قادم . بل سيمر بدكان الحاج ، بعد صلاة العشاء ، ويتسلم وصية الشيخ لاحد معارفه بتلك البقاع التى يقصدها غدا .
فيما قبل ، أى منذ سنين ، وعندما يهدني التعب ، وأنا أقطع الاميال فى اتجاه " الكتاب " اشتاق الى يوم كهذا ، اغرق فيه . وأبقى انظر الى السحب تتجمع ، فتلمس قمم الجبال الممتدة فى الطرف الآخر . تصعقني فكرة الانقطاع عن الدراسة ، والاتجاه نحو تلك الجبال ، أصعد قمتها وأختفى خلفها وكانت نفس تلك السحب تتكاثف ، وتشكل محتشدا دخانيا يبعث في احساسا بالخوف ، فاركض هاربا
وتعود فتشغلني نفس الفكرة ، كلما شاهدت نساء حومتنا ورجالها يتهامسون عند عتبات البيوت ، وفي المقاهى ، بأن ولد الحاج الطاهر العدل سيعود اليوم . بعد غيبة طويلة ، وبعد ان انقطعت أخباره ، فلم يذكرهم ولو برسالة تبعد عنهم هم سنين طويلة ، وعذاب فراق قد طال . فانقطع الامل
ثم عاد بمجرد ان تلقفوا بعض الشائعات . فعادت الضحكة ترتسم على الوجوه . وعاد الحاج الطاهر العدل الى سابق عادته يرش الماء أمام دكانه ويسقي شجيرات النعناع كل مساء ، يعيد غرسها عند كل صائفة ، فى محبس كبير لا يسهى ابدا عن اخراجه امام الدكان
وها هم يهرعون فى اتجاه المحطة ، يستقلون العربات ، تجرها البهائم يركبها الاطفال ، والحاج الطاهر العدل يتقدم الموكب ، يركب بغله ، والنساء يسرن من الخلف ، يتهامسن أو يزغردن .
عند جدار قديم ، متآكل ، جعدته السنون ، فخطت فوقه أشكالا متشابكة ورسوما متنوعة ، زادتها وحشة بعض الكلمات والاسماء المتداخلة : والارقام ، كتبت بالسواد . وقد تكون تعنى شيئا لدى أصحابها حطت القافلة عند الجدار ، تستظل بظله . شدت البهائم الى ناحية غير بعيدة واوقدت النار فى الكوانين ، وفاحت رائحة الشاى وقد اختلطت برائحة البعرور وزغرد البراد ، فصاحت الحاجة فاطمة : زغردن يا نساء ، ، البراد يبشرنا بمقدم ولد الحاج
وكلما طال الانتظار اكثر ، كلما زادت الارجل فى الغوص ، والتغلغل وسط التراب الناعم ، فتمنحهم رطوبته مزيدا من الصبر ، والانشداد .
وتلوح بسمة على وجه الحاج الطاهر العدل المنزوى غير بعيد عنهم
تخفت النار ، ويكسوها الرماد . وتأخذ الشمس فى الانحدار والسقوط لتنام وسط الحقول الممتدة
عند المساء ، تعود القافلة ، والحاج الطاهر العدل يركب بغله مطأطأ الراس ، يسير من الخلف
لم تمض مدة طويلة ، وعلمنا أن الحاج الطاهر العدل قد مات . مات كمدا . فقد طال الفراق
وكتب احدهم يسجل الواقعة : سقطت الشمس وسط الحقول المترامية وقد خرجت عن مدارها ، فحامت حولها الغربان .
هذه المرة ، لم تزغرد النساء لمقدمه ، ولم تفح رائحة الشاى . ولم يجد من يستقبله عند الجدار فى مدخل القرية
فى بادئ الامر ناديناه سعفان ولد الحاج الطاهر العدل
انضم للمجالس وحدثهم عن مغامراته وابتاع منهم الارض والبهائم
أصبحنا نناديه " الشيخ سعفان
بعد السؤال ، علمت ان القطار لن يكون هنا الا بعد ساعة ، وربما اكثر وربما أقل ، فموعده غير محدد
والقرية ساكنة ، هادئة ، يلفها ضباب شفاف ينبيء بالقيظ . فيما الشمس تختبئ خلف الجبال ، ترسل بأشعتها من تحت السحب ، سهام
تدق الافق ، وتعلن الفتح المبين ابقى اتتبع ما يحدث بين حمارين عند الجدار المتاكل ، يكشران حينا ، ويركضان حينا آخر . ومجموعة من الطيور ترفرف ، ثم تحط على الاسلاك الكهربائية ، أو تحلق فوق البناءات المتناثرة ، وفوق السكك الحديدية المتشابكة .
والمقهى كعادتها ، تفتح ذراعيها لروادها من المسافرين ، الذين دفعتهم الضرورة للتوقف بقريتنا فى انتظار التنقل الى ناحية اخرى . أحدهم يغتنم فرصة وجوده بيننا ، فلا يتركها نفلت دون التقاط بعض المناظر .
ومن سنين ، تعودنا ان نركض خلفهم ، يتجولون بين الازقة ، ووسط الحقول ، يواجهوننا بعدساتهم . وفي أشكال مختلفة ومتنوعة نقف قبالتهم متضاحكين . فرحين ، وفي احيان كثيرة متزاحمين الى حد الخصام . من اجل أن يأخذوا لاحدنا النصيب الاوفر من الصور ، حتى تبقى صورتنا لديهم واضحة ، ومتى زرناهم يذكروننا بسرعة
لذلك ، وقبل أن يلوحوا بأيديهم مودعين ، وهم يستقلون القطار ، نترك ما بأيدينا ، ونركض خلفهم ، فنتزاحم في أخذ عناوينهم ، ونسألهم أسئلة كثيرة . وبالرغم من أن أجوبتهم غالبا ما تكون جد مقتضبة ، فانها تدخل قلوبنا بردا وسلاما ، فتطفئ لحين لهيبه
ونحلم بالسفر
المقهى شبه فارغة . حاولت أن اتطلع الى الخارج ، فلاحت كتل أشباح تترنح داخل زقاق مواجه للمقهى . تأكدت أن القطار قد تأخر أكثر من اللازم .
وأن امرى سينكشف بالرغم من التكتم الذي جعلته . حتى أكون فى مأمن أنا نفسي ، لا ادري لماذا أحاول ان اكتم ما انا قادم عليه . في احيان كثيرة ، أرد ذلك الى خوفى من الاعين والحاسدين ، ثم اقول : لماذا لا أفعل كما فعل الشيخ سعفان نفسه ، فاجأ الجميع برحيله ويفاجئهم بقدومه ، ثم يصعقهم بثروته سأسير على هديك يا شيخ سعفان ، مهما كان ، والرحلة التى لا تخلف وراءها لغزا مثيرا وسؤالا مستعصيا ، لا تساوى شيئا
حتما ستتقاذفنى اعين كثيرة ، وحتما كذلك ستتلقفني أعين اخرى كثيرة لحظتها كانت تتقدم نحوى ، وتقف قبالتى ، تراودنى فى ابتياع ورقة يناصيب
