الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

" زوز دورو "

Share

قصة

منذ ان امتهن حراسة مواقف السيارات ، لم يتعرف الى نهج يجمع من الفضائل ما يجمعه نهج " المختار عطية " فهو اولا فى وسط العاصمة تماما اذ يمتد بموازاة شارع الحبيب بورقيبة مبتدئا من شارع رومة ومنتهيا بشارع محمد الخامس ، وهو ثانيا يجذب اصحاب السيارات الخاصة الذين يهربون من زحمة شارع بورقيبة ، ومن وقاحة الحراس فيه ، وهو أخيرا محاط على جانبيه بالبنايات الشاهقة التى تمنع تلاعب الريح ، وخاصة فى أيام الشتاء .

ومنذ ان امتهن هذه الحرفة لم يعرف الربح كما عرف ، فى هذا النهج المبارك ، اذ يظهر ان قاصديه من ذوى اليسار وعندما يعن الجود على بال ذوى اليسار فهم لا يعرفون حدودا ، ثم ان مركز عمله من هذا الشارع الطويل جاء فى افضل بقعة منه ، فهو يمتد مسافة ثلاثين مترا أو يزيد بين شارع باريس وشارع مارسيليا . لا يزاحه مزاحم ، ولا يتعرض لمشكلة من المشكلات فهو يعرف كيف يتصرف بادب وكيف يشكر من يناوله العشرة مليمات او العشرين مليما بل هو يشكر ايضا من لا يناوله الا التجاهل ويسكت دائما على الشتمية كانه يستحقها . لقد كان راضيا فى جميع أحواله وكل يوم يستعين بقريب له بضع ساعات من النهار ليتمكن من السهر ليلا . والليل هو سبيل الربح الوفير فى هذه المهنة الرائعة . فهناك دور السينما والمسارح والبارات والمقاهى فهو لا يغيب عن نهجه الحبيب ليلة واحدة مهما كانت الظروف ، الشاشية على راسه يقاوم لونها الاحمر الفصول مقاومة ضارية وكان هذا اللون ، خوفا من تشتت قواه ، قد تجمع بقعا داكنة على اطراف الشاشية وانسحب من القسم الاعلى للشمس تلونه كما تشاء . وجبته هى الاخر تقاوم ولكن على صعيد آخر . فهى تتشبت بأطرافها المتمردة تشبثا أحمق فلا حرية فى الانطلاق أبدا ، وفضائل الجبة لا تحصى وخاصة فى الليالى الباردة فتراها كل ليلة تبتدئ من اعلى الرقبة الى اسفل الركبتين تخفى داخلها عوالم من البؤس عجيبة . فلا يبدو الا وجهه الاسمر الشاحب بعينية الغائرتين وحاجبية السميكين المتصلين وأنفه الدقيق المتطاول وفمه الصغير الذى يشبه فم طفل ، واذا نظرت فى مجموع

وجهه يظهر لك الامر كعلامة استفهام ضخمة تبدأ دائرتها الكبرى بالحاجبين وينتهى طرفها الاسفل بفمه الدقيق ، واذا بحثت عن نقطتها وجدتها عند أسفل ذقنه اثرا لضربة قديمة .

وجاء امسية يوم سبت مبكرا كعادته فى نهاية كل اسبوع ، لان حركة العمل فى تلك الامسيات تكون ناشطة جدا . وبعد ان تقاسم ربح النهار مع قريبه انفرد بالعمل وقد تابط عصا قصيرة ربما لتعطيه بعض الهيبة او لتعينه على تسهيل الدخول والخروج للسيارات على جانبى النهج .

ولاحظ ان موجة البرد التى جاءت مبكرة هذا العام قد اشتدت وعنفت تلك الليلة فاخذ بشد جبته من حين لآخر لتلتصق بجسمه واخذت المليمات تتهاطل من اليمين ومن اليسار ، فيشعر لدى استقرارها فى جيبه ببعض الدفء . ومع الساعة العاشرة توقفت الحركة او كادت وبقى فى النهج حوالى العشرين سيارة تقريبا . لا شك ان اصحابها فى دور السينما ، فلا بد من الانتظار حتى منتصف الليل او اكثر قليلا ، لا باس بذلك ، فالليلة مباركة على ما يبدو ، ولكن هذا البرد اللعين لاتخف شدته بل هى تزداد مع تقدم الليل حتى باتت الجبة عاجزة تماما . وأخذت نقاط المطر تتساقط بتثاقل . لم يكن ينقص الا هذا . . وظنها غمامة عابرة فاذا الامر عين الجد فالنقاط تغزر وتسيل وسط النهج ، ولاول مرة انتبه ان الشرفات قليلة فوق نهجه وان هى وجدت تبدو ضيقة لاتكاد تمنع شيئا فلعن الشيطان فى سره حتى الطبيعة لا تتركه فى فرحته تلك الليلة ، وفكر بالعودة ، العودة الآن . . معاذ الله . ايترك قرابة اربع مائة مليم مرمية فى النهج هكذا ؟ . . لا لن يرتكب هذه الحماقة ، وماذا فى الامر , أيخاف من هذا المطر ؟ . لا بد أن يجد زاوية تؤويه حتى ينتصف الليل واهتدى الى مدخل البنك الزراعى فاستند الى زاوية بابه العريض جامعا زوره فى جله . كان المطر يعنف والبرد يشتد لذعا فالقى عصاه ارضها وتجمع فى الجبة وجلس القرفصاء وهو ينظر الى نقاط المطر تلمع عند مرورها حول المصباح الكهربائى وتظهر خيوطا متصلة ، واحس بحركة خلف الباب العريض ، انه الحارس يتحرك ليتأكد انه ايقظ ، وعاد الى وجوه خافضا بصره الى النهج براقب اصطدام نقاط المطر بالارض ، وتذكر يوم افتتاح البنك الزراعى وكيف منعت السيارات من الوقوف نصف نهار كامل وعادت الى خياله صور الاحتفال وفطن الى انه يعيش فى بلد مستقل ، يعيش فيه يحرية بعد ايام الاحتلال السوداء التى كان يحرم فيها عليه وعلى امثاله النزول الى هذه الانهج ، وشعر بالعزة

وبشئ من الدفء تسرب معه الى اوصانه . ماذا عليه لوا ستسلم للرقاد قليلا ، فالوقت مازال طويلا . لا لن يفعل ذلك بل سيقاوم النعاس حتى النهاية فربما انطلقت بعض السيارات خلال رقاده ، ولكن هذا المطر بات يزعجه حقا . فالنقاط تصفع وجهه بشدة .

يالهذه اللقمة كم تكلفه من مشاق . لماذا يحرم من الرقاد كل ليلة ، لو ان بعض اصحاب هذه السيارات تركه ياوى داخل سيارته . . لماذا لاينعم بالدفء كما ينعم غيره . . . قسمة الله فى خلقه لابد من الصبر وسياتى بعده الفرج باذن الله . وتصور نفسه فى بيت صغير يضمه مع زوجة تحبه وتطيب له الطعام كل يوم ، وتاتيه بطفل صغير يسميه . . . ماذا يسميه ؟ . فربما اتته ببنت ، قاتل الله البنات ، انه لا ينسى ان المرحومة امه ماتت وهى مهمومة لكثرة ما ولدت من بنات ولا يمكنه ان ينسى تعنيف ابيه لها على تلك " الجرائم " التى كانت ترتكبها احس بالنعاس يدب فى اوصاله من جديد وهو يقاوم بارادة لا تقهر ، لقد قرب انتصاف الليل فليتحمل قليلا ليتحمل قليلا وينتهى الامر .. وراى امه متكدسة بجسمها المترهل فى احدى زوايا البيت وحولها بناتها الست والجميع يصرخن مذعورات وراى اباه يحمل معولا كبيرا جدا يضرب به جدران البيت سابا شاتما بصوت مخيف ورأى البيت يتداعى ثم يهوى بقوة باعثا صوتا يشبه صوت الرعد ، فهب من نومه مذعورا وانتصب واقفا وقبل أن يتبين أنه كان فى حلم سمع صرير محرك سيارة فانطلق بين سيارتين واقفتين ليدرك " الهارب " ويحصل " الزوز دورو " ، وفوجئ بسيارة الزبالة الضخمة قادمة باتجاه معاكس لخط السير فى النهج ، وعندها أحس بالصدمة ظن أنه ما زال يحلم ، وبانطراحه على الارض كان قد فقد كل وعى .

اشترك في نشرتنا البريدية