تاريخيات
ان زيادا فى رأيي - هو : ابن عبقريته , فمواهبه هى التى كان لها الفضل عليه : لا نسب أبى سفيان .. فنسب أبى سفيان لم يكن من الاسباب التى هيأت لزياد :
البروز فى العالم العربى . فلم يعترف به آل أبى سفيان الا بعد أن لمع اسمه فى دنيا السياسة ، وبعد أن عرفوا أن حاجتهم الى دهائه أكثر من حاجته الى نسبهم .
وزياد هذا من رجالات القرن الاول من الهجرة المبرزين ، توفي سنة ٥٣ ه فى تحقيق حسين نصار والخضرى (١) ، وفى سنة ٥٦ ه أو سنة ٥٧ ه فى تحقيق دائرة المعارف الاسلامية - عن عمر يناهز الستين (٢) . وهو زياد بن أسماء بنت الأعور من بني عبد شمس ، فى تحقيق ابى اليقظان ، أو سمية بنت ابى بكرة فى تحقيق غيره (٣) .
وزياد بن أبى سفيان ، من سياسيي العرب الدهاة ، كان عند حسن ظن علي بن أبى طالب عندما ولاه فارس ، وبعد أن آل الأمر الى معاوية - اعترف به معاوية ،
أخا له من أبيه ، وعهد اليه بالعراق العلوي الثائر ، فبسط نفوذ الامويين بالسيف فكان شديد الوطأة على العراقيين ، مبالغا فى قسوته على العلويين بقدر ما كان مخلصا لعلي بن أبى طالب ، ولذلك حمل عليه شيعة العلويين فيما كتبوه عنه .
ونحن هنا لا نترجم زيادا السياسى المحنك والوالى العسكرى الجبار ، وانما نترجم زيادا - أول مؤلف في المثالب فى العصر الاسلامى . فكتابه يعتبر أول مدون فى غير الحديث والتفسير بالنسبة لتاريخ وفاته . واننى لآسف على أن يكون أقدم
كتاب نعرفه دون بعد الاسلام - فى المثالب ... فزياد المؤلف بدأ حياته كاتبا فى ديوان ولاة العراق الاولين ، فقد استكتبه ( المغيره بن شعبة ) واستكتبه ( أبو موسى الأشعرى ) واستكتبه ( ابن عباس ) (٤) .
ونحن كلما بحثنا فى تاريخ زياد وتعمق بنا البحث لا نستبعد خبر ( محمد ابن اسحاق ) الذى جاء فى الفهرست : ( فانه لما ظفر عليه وعلى نسبه عمل ذلك - كتاب المثالب ) ودفعه الى ولده ، وقال : استظهروا به على العرب فانهم يكفون عنكم (٥) ، فحاجة زياد لمعرفة المثالب قبل
أن يلحقه آل أبى سفيان بنسبهم أكثر من حاجته اليها بعد ان أصبح أمويا من أبناء أبى سفيان ، والمشاغل والمشاكل التى ازدحمت عليه بعد أن ألحقه معاوية بنسبه وولاه العراق الثورى ، أكثر من المشاكل والمشاغل التى صادفته فى كتابة ديوان العراق ، والتى صادفته عندما كان رابضا فى فارس يرقب الخلاف بين معاوية وعلي ، وما كان منتظرا لخلافة الحسن بن علي .
فالقرائن كلها تشير الى ان زيادا كان من بداية حياته : عاقلا طموحا . والعاقل الطموح يعرف نواقصه التى قد تقف فى طريق آماله . فلا بد أن زيادا كان منذ تجاوز سذاجة الطفولة - يسأل نفسه : ترى من أبوه ؟! ولا بد أن الجواب على هذا السؤال كان مريرا ، يثير فى نفسه الحقد .. والحقد اذا ما استعرت ناره فى النفس فلا راد له عن الانتقام ، وخير طريق وجده زياد الشاب يسلكه للانتقام لنفسه - هو ! البحث عن المثالب .
واذا صح خبر الاصفهانى الذى نقله عن ( الحسن بن عقبة ) فى سياق حديثه عن قصة ( حجر بن عدي ) التى جاء فيها قول زياد لحجر : ( أرأيت يا حجر ! ما كنت تعرفنى به من حب ( علي ) ووده .. فان الله قد سلخه من صدرى فصيره بغضا وعداوة ، وما كنت تعرفنى به من بغض ( معاوية ) وعداوته .. فان الله سلخه من صدرى وحوله حبا ومودة ) (٦) ..
فان زيادا الذى خاف على صديقه حجر بن عدي من نفسه - يكشف لنا عن مبلغ تعطشه للظهور ، فزياد لم يحب عليا ويكره معاوية أولا - الا لأن عليا رفعه الى مصاف
الأمراء فى الوقت الذى كان فيه آل أبى سفيان ينكرون نسبه اليهم . ولم يتبدل الحب كرها والكره حبا ثانيا - الا بعد أن اعترف معاوية بنسبه . فقد كان علويا بقدر ما ساعدته العلوية على طموحه ، ثم أصبح أمويا بقدر ما مدت الأموية الآفاق لطموحه .
ولا يبعد على الظن ، أن يكون استكتاب زياد فى امارة العراق سهل له البحث فى مثالب الانساب ، فلقد تأسس ديوان الجند منذ عهد ( عمر بن الخطاب ) . وكان هذا الديوان يشمل أسماء المسلمين من المهاجرين والانصار ومن تابعهم ، ويصنفهم حسب انسابهم ، ويحدد أعطياتهم حسب أسبقيتهم فى الاسلام . وبعد أن نظمت الولايات الاسلامية أخذت كل ولاية توزع أعطيات الجند بمقتضى دواوين أنشئت لمثل ذلك الغرض الذى أنشأ من أجله عمر بن الخطاب ، ديوان الجند . والمغيرة بن شعبة - هو : أول من وضع ديوان الاعطاء بالبصرة (٧) . والمغيرة بن شعبة ، استكتب زياد بن أبيه .
بناء على ذلك كله فاننى أرجح : أن زيادا جمع المثالب من بداية حياته عندما كان كاتبا لولاة العراق ، مجهول النسب . ولا يبعد أن يكون زياد أظهر ما جمعه في شكل كتاب ودفعه لأبنانه بعد أن تحققت أكثر أمانيه . فهو ابن أبى سفيان ، وهو والى العراق ..
دفعه لأبنائه خوفا من أن يستظهر عليهم
الناس ثم لا يجدوا ما يكفونهم عنهم . فينالهم ما ناله فى بدء حياته لاسيما وقد كثر اعداؤه من العلويين وكثر حساده من الطامحين .
واننى وان لم أطلع على كتاب ( المثالب ) هذا ، فالذى يظهر لى ان زيادا كان جريئا فى كتابه ، منتقما أكثر منه مؤلفا محققا ، مما جعل ( عبد الملك بن مروان ) عندما
اطلع على الكتاب يتمثل بقول الشاعر :
وأجرأ من رأيت بظهر غيب
على عيب الرجال أولو العيوب
ثم يأمر بحرق الكتاب (٨) . ويقول أبو الفرج الاصفهانى : ان ( أبا عبيدة معمر ابن المثنى ) جدد كتاب زياد وزاد فيه (٩)
هذا بعض ما يعرف عن زياد بن أبيه ، أو ابن أبى سفيان ، المؤلف . وهذا بعض ما ذكر عن كتابه ( المثالب ) الذى قال عنه ابن النديم : قرأت بخط الحسن بن الكوفى :
أول من ألف فى المثالب كتابا ، زياد بن أبيه (١٠) ، وهو الذى اتخذه الشعوبيون مصدرا ومثلا فيما ألفوه من كتب المثالب .
( المدينة المنورة )
