الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

سأموت

Share

" الى من يستطيع أن يجعل لهذه القصة الجريحة بلسما " - م . ز . -

ألا تنام ؟ ...

- لا . . الموت فى مضجعى ....

بقيت مقلتاها الساكنتان كبحر بلا امواج . . معلقتين بوجهي . . ترسلان لاهدابى ومضات دافئة من حنان . . من عطف . . من رثاء . . ماذا ؟ . . لا .. بل ومضات خادعة من حنان مداهنة . . من عطف ، منافقة . . من رثاء ، مراثية . .

أهدابى ما كانت لتغرف من زمرد الرياء . . بل عانقت جزائر بعيدة من نجوم تطل على من خلال بلور النافذة الشفاف . . لم هذه المعانقة ؟ . . ماذا تصنع من اجلى هذه الجزائر ؟ . . انها بلا شك عاجزة كعجزي . . مكبلة مثل . . ملهبه بألف جلدة من ألف سوط . . مبعثرة كدمى عبثت بها يد طفل لاه .. كما عبثا بى . . ويعبثان بى . .

وضجت ثورة فى دمى ... ثورة كالبؤس . . كالفقر .. تصرخ ..

وطلقت أهدابى الجزائر وحطت سهامها على جسد متفتح فوق سرير . . ياله من مخادع !! ما زالت مقلتاه فى دنيا رجاء : " ألا تنام " . .

لكن ماذا وراء النوم ؟ . . ماذا وراء الغفوة ؟ . . نوم طويل ! ! غفوة طويلة ليتفتح لذلك الغبى . . لصاحب النظارات البيضاء . . ويا للبياض الطاهر ماذا يخفى وراءه ويا للغباوة المميتة ماذا تستر خلفها !!..

وها هو الآن يتفتح لطيفة !..  أمامى أنا !! ولكن لم لا يسدل أهدابه فيرفان

حول شاطئهما المرجانى المحموم . . فيزدادان لذة . . ذوبانا .. ؟ ما وجدت عندى هاتان المقلتان السوداوان الشقيتان ؟ أهما مكبلتان بجحيم من الخجل المرهق ؟ . . يا لهما ! ! يا لهما جسد وطيف

وقفزت بساعدين من حديد . . ووجه من دخان وماء ملتهب . . لاقبض على الجسد والطيف . . لاخنقهما . .

وارتجت كالكرة . . تكسر حاجباها . . فى صراخ . .

- ما بك ؟ . . ما هذا ؟ ..

وألجمتنى ومضات دافئة من حنان . . من عطف . . من رثاء . . حذار من نسجة الرياء !! واخترقت الحروف الفضاء مستعرة . .

- ما بى ؟ . . ألا تدرين ؟ وتتجاهلين أيضا ! ماذا تفعلين أنت والطيف ؟ ! - طيف ؟ . . أى طيف ؟؟ . .

واهتز صدرى بعقد من ضحكات شهية . . وجدت فيها راحة ألفيت فيها سلوى . . .

وولولت أصداء قدمى المعربدة أمام خطواتى . . وضحكاتى ..

- فؤاد . . فؤاد .. والتفت ..

الجسد فى غلالته . . وراء كتفى . . ذوب حنان . . ذوب عطف . . ذوب رثاء . . بل ذوب رياء . . أنامله تسيل باحثة عن كفى . . بين خميلة حنان .. خميلة عطف . . خميلة رثاء . . بل خميلة رياء !!

وسجدت مقلتاه بين يدى مقلتى ..

- فؤاد . . فؤاد . . حنانك . . انك تعذب نفسك ولا تدرى . . انظر لجسمك النحيل . . انظر لوجهك الممتقع . . انظر لـ . .

- كفى !! . .

- تتبع ما يمليه عليك عنادك وتأبى اتباع نصائح الطبيب . . انك تحكم على نفسك . . .

- بماذا ؟ . . - بالموت ! . .

- الموت ؟ . . أنا لست أبله حتى أحكم على نفسى بالموت ! بل أنتما تريدان قتلى ! ! أنتما ولا أحد سواكما وخلفت بعيدا عني أنامل شاخصة فى الفضاء .. ومقلتين ساجدتين ..

امتدت يدى الى مقبض الباب . . دفعته ورائى ..

لا وجود لأى خيط من النور ..

أين سأذهب ؟ . .

وتركت لقدمى الخيار . . وأى غريب فى هذا ؟ . . فأنا عبد قدمى .. انها هى الوحيدة التى تبعدنى عن مضجع الموت . . هى الوحيدة التى أخلصت لى وتخلص لى أبدا . .

وألفيت هيكلى أمام باب المطبخ . . ورأيتها ! رأيتها خيالا زمرديا ! ! ما أجمله ما أروعه أريد أن أضمها بصفحة قلبي بشرايينه أن أخفيها هناك !! لكنها . . خيال !! وسرى فى دمى شوق !! كأنغام خصر زرعت فيها أشواك عذاب تحملتها شرايينى ؟؟؟

بل تمزقت !!!!! لا صبر !!!!!

نظرت خلفى . . لا أحد . . بلا أدنى صوت فتحت الباب وأغلقته ورائى .. والخيال الزمردى يتلاعب أمامى . . على أطراف أصابعي تهادى الشوق والخيال الزمردى !!!!!

هنا !! فى هذه الخزانة !! تنام الحقيقة الزمردية ! أين المفاتيح ؟؟؟

أين أخفتها تلك الخبيثة ؟ تلك الأنانية ؟ تلك التى حرمتنى أسبوعا من طيف الحياة . . أين ؟؟ أين ؟؟

وانسابت يدى الى ما فوق الخزانة . . باحثة فى شوق بلا حدود !!! وجدتها !! يا لسعادتى ! ! يا لبهجتى !

وبتلهف طفل الى دمى العيد أدرت المفتاح فى الثقب . . وتلألأت فى مقلتى .. يا لبهجتها !!! يا لدلالها !!

وانهمرت أصابعى . . حامت حول غلالتها . . احتضنت خصرها الناعم . . فى واحة الفتون . .

غرغرت ينابيع شهوة فى صدرى ! ! عندما انفجر الشوق !!! غضة . . مهرجانية . . داعبت أمعائى المتعطشة لعبثها الطفولى . . تلاعبها الصبيانى . . المغريين . . لمزيد . . ومزيد . . ومزيد . .

فى جهنمها العذبة صعدت الذكريات . . ورأيت نفسى معها فى ماض قريب لؤلؤى . . مع صديق فى حانة متعارفين . . فى البيت وحيدين .. فوق الشاطئ عشيقين . . فى مكتب الشركة حبيبين . . فى كل مكان فريقين . . ولكن أيتها الوفية قد أطردانا من جنتنا ! ! دون خطيئة ! ! كنت شجرا فى حقلى ثم ضاع !! فأصبح حقلى قفرا . . انهما ظالمان ظالمان !

ماذا ؟ . . ذاك وجهها يطل من الباب أم ؟ . . - فؤاد ...

- لا فؤاد ولا رشاد . . ما أتى بك الى هنا ؟ ؟ واقتربت . . وكفها تضم كفها . . ومحجراها يرزحان تحت دخان الرثاء .. بل دخان الرياء . .

- أنسيت ما قال لك الدكتور ؟ . . - لا يهمنى دكتورك ولا ما يقوله . .

- تهمك وسائل قتل نفسك ذن . . تهمك الموت وكيف تموت !!! - اخرسى !! لا تتلفظى بهذه الكلمة الشقية !! كفنيها وادفنها ! واذهبى واهتمى بشؤونك الخاصة !!!!!

- شؤونى الخاصة انك قاس وما عرفتك فى ما ضمنا كذلك ! . . متى كانت لى شؤون خاصة ومتى انقسمنا ؟ متى قام السد بيننا ؟ يا لى من شقية !! يا لى من تعسة !! أين أنت يا فؤاد ! ؟ أين رحلت ؟ !!

وغاص وجهها الصغير بين كفيها . . فى بكاء . . فى نشيج . . قشعريرة تلقى أصابعها على جسدى ..

فيرتجف . . لا . . لا . . انه بكاء الرياء !! نشيج الرياء !!

وحطمتها !!!

ماذا ؟؟؟ . . القارورة مهشمة فوق أرض الغرفة . . بقية من بقاياى تسيل فى خط رهيب . . معوج نحو قدمى ..

لا !! لا ! لم أحطمها ! بل حطمت هذا الجسد الباكى نفاقا ! هذا الجسد الناشج بهتانا !!

بخطوات واسعة مقرقعة .. تركت ورائى ما أردت الهروب منه . . لكن " تهمك الموت . . وكيف تموت " . . ما زالت تركض ورائى كالمحنونة . . أتشاغل عنها بالخيال الزمردى !! تزداد ركضا !!!

ألعنها !! يعمق ركضها !!!

وجدت نفسى أسير فى الممر المؤدى الى باب الحديقة ..

تلك التى تلألأت فى مقلتى قبل قليل . . خيال زمردى معلق أمامى في الفضاء . . يسير كظلى . . ولعنتها من ؟ . . التى قطعت على لقاءنا ونحن فى قمة الفناء . . التى أطردتنا من فردوسنا . .

لفظت بى الى هنا ! يا لها من شريرة !!! " تهمك الموت !! وكيف تموت !! " . .

ماذا يبتغى هذا الهاتف القمئ ؟ . . سأمحقه لكن بماذا ؟ . . كيف ؟ .. منزلى ورائى . . والشارع أمامى . . أعطيت نفسي لما أمامى . . .. واستنشقت ازهار الحرية . . الآن فقط . . وبعد أسبوع . . تغيب عن نظرى علب الدواء . . علب مهزلتها . .

الآن فقط . . أقهر سريرهما . . سجنهما . . الذى كبلانى فيه . . بسلاسل نصائحيهما الجوفاء . . بل فضائحهما . .

الآن فقط . . أتخطى سدين عنيدين ..

الآن فقط . . أصم السماء الطليقة الى صدرى !! والوجوه الدافئة الى بصرى والاصوات المتلفظة دوما " بالحياة " ! ! الى سمعى !!

وتمرح الخطوات فوق الرصيف كخطو طفل ساذج . . تبحث مقلتى عن عن وجه . . ضمته الحياة بعبيرها . . ألقت عليه شعاعها . . نسجت فوق .. " أحيا . . سأحيا . . سوف أحيا . . أحيا . . أحيا . . أحيا . . أحيا  . . أحيا . . أحيا !! . . فينتشلنى كغريق في جوف أمواج . . من صرخات " يهمك الموت . . وكيف تموت " . . فتشرق الحياة فى وجهى . . شمس خلاص . . وتكتب فوق جبينى الاسمر . . " أحيا . . سأحيا سوف أحيا . . أحيا . . أحيا . . أحيا . . أحيا . . أحيا . . أحيا . . أحيا . . أحيا . . أحيا . .

وتفتش أذنى عن صوت يرتل كتاب الحياة فيمنحنى الحياة . . ويمحى كتاب الموت الذى رتل على طيلة أسبوع . . يطبع فوق قلبى قبلات تكون له الغذاء والشراب . . فيمسح قبلات سوداء شرسة صلبته حيا طيلة أسبوع . .

أين الوجوه ؟؟ أين الاصوات ؟؟

الى مقهى يجرح رداء الصمت بين الحين والآخر بعربدة كليالى الشتاء هفوت كمسافر تنتحب أمعاؤه لفقدان قطرة فاذا مورد ماء يتعرى لناظريه بلا استحياء

وحامت الوجوه حول مقلتى ضبابية كمساء خريف وهتك الضحكات المتمططة مسمعى مختنقة باهتة اللون . . واقتربت لعل الوجوه تعود اليها شراقتها الغضة . . جبين ربيعها العريس . .

أنسجتها الصارخة . . " أحيا . . سأحيا . . سوف أحيا . . أحيا . . أحيا . . أحيا . . أحيا . . أحيا . . أحيا . .!!

لعل الاصوات الرمادية المختلفة تزرع ثانية كما أبتغيها . . منطلقة . . صافية ..

وأخترق المقاعد . .

أغرف من هنا . . ومن هنا . . ومن هناك . . من هذا ؟ ؟ من ذاك !؟ .. من هذه ؟ ! . . أكاد ألتهم كل هذه الوجوه . . امضغها بألف ضرس لاصنعها كما أشاء . . حقول ليمون . . لابنى أفواهها مراقص الضحكات المنطلقة الصافية .

يالى من . . بل يا لبلادتها هى . . مالها هكذا ؟ . . أنا ما اشتقت الى هذه !! أنا ما ركضت نحو هذه أين أنا ؟ . . تحت كابوس أمام السدين ؟ فى سجنى ؟ لا ٠٠ لا ٠٠ أنا أمام صورى . . ماذا ؟ صورى ؟ . . صورى أنا ؟

هؤلاء عاشقو الخيال الزمردى . . هم مثلى . . هم صورى !! صورى !! صورى ! ! صورى !!!        صورى ! ! صورى !!!         صورى ! ! صورى !!! صورى ! ! صورى !!!        صورى ! ! صورى !!!         صورى ! ! صورى !!!  

لا !! لا يمكن هذا !!! ويصفر كرسى وحيد ناء فى ركن من أركان المقهى تحت هيكلى ..

أقمت كفى سدا بيني وبين صورى . . لا بل صورهم . . أنت تتدرب على دور مضحك من مسرحية النفاق . . لا . . لم أعرف النفاق . . ولست الآن منافقا . .

كـ . . كـ . . كزوجتى .. وأشرت الى النادل .. - ماذا تريد سيدى ؟ - واحدة ويسكى ..

وأقبل بها فجرا يتهادى نحوى . . آه . . يا فجرى . . تسمعت صوتها منطلقا صافيا . . وهى تملأ الكأس فقاقيع . . نجوما . .

بين أناملى فى غلالتها الشفافة . . نظرت اليها طويلا . . حملقت فيها طويلا . . " تهمك الموت . . وكيف تموت " . .

ماذا ؟ . .

جحظت عيناى . . خطتا فى الكأس . . بدتا رهيبتين بشعتين كمقلتى محتضر . . وألقيت كل ما فى الكأس . . الى امعائى . . فى جنون . .

تمددت حروف بين شفتى الملتهبتين . . " سأموت . . أموت .. سوف أموت . . أموت . . أموت . . أموت . . أموت . . أموت . . أموت . .

اشترك في نشرتنا البريدية