لم تظلم الدنيا فى عينى دحمان عندما قال له احد العائدين لقد استشهد جدار ولم يقع على الارض خائر القوى رغم الام جرحه الكبير الذى لم يكره شيئا فى حياة كرهه لهذا الجرح الذي جعله فى نظر بعض الناس عاجزا او كالعاجز . . لم يفعل دحمان شيئا من ذلك بل انطلقت من بين شفتيه الظامئتين الكلمة الكبيرة " الله اكبر الله اكبر . . . وانطلق ذهن دحمان كالروح الخفيف يحلق فى الفضاء وراء التهاليل الجليلة التى تركتها الكلمة الكبيرة فى نفسه وشيئا فشيئا اخذت تتحلل هذه الهالات الجليلة العميقة اكثر من الموت واعظم من الاستشهاد . اخذت تتحلل الى صور ومعان ، واشخاص ، وجبال وسهول ومدارس واسلحة ومعارك وصراخ واطفال وجنود وموتى وابطال وضحايا وملائكة وشياطين ، وايام وليال وعدل وظلم . . لقد تحللت الهالات الى حياة كاملة حياة فيها كل ما فى الحياة من المعاني الاليمة والسارة من الاشراق والظلمة من دواعي الحياة ودواعى الموت . . . أو هكذا كانت تظهر هذه الاشياء فى ذهن دحمان مصورة بمختلف الصور ومشكلة بجميع الاشكال حتى نسى نفسه ، نسى انه يمشى فى الارض وليس فى السماء . ولكن اليس له الحق فى ان يتخلص من جميع العوامل البشرية التى تشده الى الارض بألف سبب ؟
لقد اعتقد هو فى هذا الحق فمضى يتحدث فى خاطره الى علي وعثمان ومحمد ومسعود وغلام وأحمد . . انهم ابطال استشهدوا ومضوا فى حال سبيلهم تاركين صورا خالدة فى حياة صديقة جدارانهم اخوته واعمامه وما كاد دحمان يدرك هذه الحقيقة حتى قال فى نفسه اذن لم يبق من يحتفظ بصورة جدار الا طفلة فى السادسة من عمرها وام كبيرة . ونزلت دمعة عظيمة من عين دحمان ارجعته الى الواقع فالتفت الى اصدقائه ، الى صديقه العائد منذ ساعات والذى تقابل معه صدفة ليبلغ اليه الخبر المريع . وقال له : لا بأس يا اخى ان جدران قد استشهد وجميع من على الارض سيشهدون غير ان لكل واحد
استشهاده الخاص به مثلى ومثلك ومثل جدران كذلك . . . فقال له صديقه : لا بأس عليك انت ايضا فما جدار الا واحد من ابناء الشعب الجزائرى وقد جاءت عليه القرعة ليكون فى صف الشهداء ، شهداء الحرية فرحمة الله من شاب طيب وعوض الله جنوده قائدا فى خلقه ونشاطه .
فقال دحمان اشكرك على هذه التعزية ايها الاخ وانى معك فى الرأى فرحم الله جدارا وتيقن انه لم يمت هدرا . . .
ابدا لم يمت جدار كما لم يمت اى شهيد منذ عرف الانسان ان الاستشهاد غاية يرمي اليها الناس الصادقون ويطلبها العازمون الطيبون ولكن الذى مات هو حركة كانت تمتاز بطابعها الخاص ووقفها المحدد ومكانها المفضل ، وهذا لا بأس منه فسيمشى الناس على التراب وتنبت الزهور وتغرد الطيور وتضحك الصبايا ويبتسم النور وتبدأ الحياة سيرها العادى تجر الناس ويجرها الناس دون وعي او تدبر ، ودون قصد او ادراك . المهم ان الحياة التى تعارف عليها البشر حياة مسترسلة متواصلة الى مالا نهاية له من السنين والشهور والاسابيع والايام . . . وهكذا سأنتقم لك يا جدار رغم هذا الجرح الذي يدغدغ اضلعي دغدغة مقلقة احيانا ، اني بدأت اقتله ، اقتل هذا الجرح ، نعم ياجدار ساقتل جرحي بأسرع ما يمكن من الوقت لانتقم لك . . . انى اسمعك توبخني على عادتك وتنهانى عن التهاون بجراحى وصحتى . ولكن ساعصيك هذه المرة ايضا مثلما كنت دائما اعصيك على حساب الامى وانهيار جسمى , اه لو كنت املك اجساما مثلما املك البدلات والاحذية . . لا تضحك منى يا جدار فان هذا خيال ولكنه حلم جميل لو يحقق البشر لسجلو اكبر انتصار في تاريخ الانسانية اما نحن يا اخي جدار فاننا نحقق هذا الحلم ونحن مؤمنون بأنه خيال ، بأنه شقاء بأنه الم . . . هذه الاشياء التى يظنها الناس عراقيل وموانع ولكنك انت وانا ومن هم مثلما لا يحسون بهذه العراقيل والموانع انها لا تمنعهم من العمل . من الجهاد . . . وسيقول غيرنا انها لا تمنعنا من الموت ايضا . انهم لاشك يسخرون منا ولكن ما علينا فى سخريتهم سننقم من الظلم وسنحقق بهذه الاجسام المفعمة بالجراح جميع ما نصبو اليه حتى اذا متنا فان الجزائر ستنتصر لانها يا اخي تملك انت وتملك المئات امثالك ممن لا يملكون جسما واحدا فقط انى اعرفهم اولائك الرجال العظام الذين لاينامون ولايقعدون الا اذا ودعونا مثلما ودعتنا انت بالامس أحقا يا جدار ودعتنا ومضيت ولن تعود . ألن تعود يا جدار . . . ماتت الكلمات فى شفتى دحمان
فقد أحس بنفسه يعود هو الى الواقع وليس جدار الذى يعود فاطلق زفرته التى تعود اطلاقها كلما اراد ان يستريح ، انها تساوى عنده اكثر من من منعش ، اكثر من غذاء واكثر من دواه . فما هى الا زفرة حتى يعود الى نشاطه كانه لم يتعب ولم ينصب ابدا .
جلس محمد على فراشه ونفسه تكاد تتقطع من الاعياء وقال كانه يحدث نفسه : لقد بحثنا عليه جميع الامكنة التى يظن ، بل حتى التى التى يشك انه يوجد فيها او يؤمها . وفى حركة يائسة قام محمد لينظم حاجياته فموعد السفر قريب . . . ليبحث عن كتاب يطالعه اثناء الليل واذا بأحمد يقول له : انها له .
فقال محمد : اى شىء ؟ فقال احمد اسمع ، والتفت محمد ناحية احمد فرأى فى يده ورقة فأختطفها اخوانى : اننى مسافرا الآن لانه ليست لى شجاعة كافية لاودعكما ، لانني بالامس القريب ودعت جدار . . .
ولم يعلق واحد من الطالبين شيئا وانما جلس كل في مكانه الى ان وصلت انا ووجدت معهما عمر فسلمت واخذت مكانى ومضيت لشونى وفى حركة آلية اخذت محمدا وقلت له مالك الليلة كؤيبا . . . كئيبا كانك الفراق ، ولم يجبني لانه لا يدرى بماذا يجيبنى . . . ثم مرت لحظات فقرأ على قصاصة دحمان وقال . لقد صنعها انه لم يهنأ منذ ان سمع نبأ جدار . . .

