الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "الفكر"

ساطع الحصري كما عرفته

Share

فى الاسبوع الاخير من شهر ديسمبر 1968 انتقل الى الرفيق الاعلى المفكر والمربى العربى الاستاذ ساطع الحصرى ..

ولا اظن احدا من رجال التعليم والفكر القومى، فى البلاد العربية قاطبة، لا يعرفه، فقد ظهر على مسرح الاحداث القومية والتربويه منذ خمسين عاما خلت. وان كان اثره التربوى والفكرى يعود الى عهد ابعد من ذلك . . الى عام 1900 على وجه التحديد. ففى هذا العام بدأ

ساطع الحصرى حياته العملية التى لم تنقطع عن الانتاج والعطاء الا بنهاية عام 1968، وخلال هذا العمر المديد تكونت على يديه وتخرجت بكتبه وافكاره اجيال من الرجال والمفكرين والمربين، وهذا ما لم يحدث فى تاريخ اى رجل او عالم من رجال وعلماء العرب فى العصر الحديث.

سبعون عاما كاملة، وساطع الحصرى يعمل دون كلل او ملل فى شتى حقول الفكر والتربية وفى التبشير بالفكرة القومية، وزرعها بالتعليم والكتب والمحاضرات والاحاديث والمقالات وبالاتصالات والجهود الخاصة الاخرى. كما دافع الحصرى عن افكاره وعن أمته - لا سيما عن تراثها ومقومات شخصيتها - دفاعا مستميتا متصل الحلقات، محكم البناء، قوى الحجة، معتدل الاسلوب فى اغلب الاحيان.

ولئن غاب عنا بشخصه المادى، فانه قد قام باقصى ما يمكن ان يقوم به كاتب او مفكر او مرب عربى فى العصر الحديث، كما ان روحه وافكاره ومنهاجه العلمى والقومى ستظل نبراسا للاجيال واساسا متينا من اسس البناء الفكرى والتقدم الاجتماعى والتطور العلمى والانسجام القومى.

وهذا بلا ريب ما يعطينا الصبر والعوض لفقدانه، ويحفز الاجيال للاقتداء به وتحقيق ما لم يتحقق فى حياته من آماله وافكاره.

ذكريات قديمة وأبدأ حديثى عن حياته ومؤلفاته، بذكرياتى عن اول معرفتى به ذهنيا ثم شخصيا ثم كتابيا.

ففى عام 1949 كنا ندرس فى دار المعلمين العالية ببغداد تاريخ العرب ... وقد استعرض استاذنا الدكتور محمد الهادى شعيره آراء المؤرخين فى العرب، وكان بينها رأى ابن خلدون .. فعقب على رأيه فيهم قائلا: ((ومن اجل هذا الرأى قيل عنه انه شعوبى)) .. وهنا رفعت يدى لاسأل: من قائل هذا القول؟

فأجاب الاستاذ بانه أحمد أمين. فاثرت يومها وفى الايام الموالية نقاشا حاميا داخل القاعة وخارجها، حتى اصبح ابن خلدون موضوع الكلية اليومى فى اوساط الطلاب مدة اسبوعين او ثلاثة لا سيما طلبة قسمى الاداب والاجتماع. وقد حفزنى ذلك الى مزيد من القراءة والبحث عن الحجج والبراهين العلمية والتاريخية لادعم موقفى فى الدفاع عن ابن خلدون.

وفي مكتبة الكلية الضخمة عثرت على كتاب عظيم جدا يقع فى جزئين به مئات الصفحات، وكله دفاع عن ابن خلدون. ولم يكن مؤلف هذا الكتاب سوى ساطع الحصرى. ومن يومها تكون رباط فكرى وعلمى بينى وبين ساطع الحصرى .. وشرعت ابحث عن مؤلفاته الاخرى. كما اصبح موقف ابن خلدون من العرب وموقفهم منه من أهم شواغلى الفكرية باستمرار.

وتشاء الظروف بعد ذلك ان اجتمع بالحصرى فى بغداد نفسها اثناء زيارته أو على الاصح عودته اليها، لاول مرة بعد عشر سنوات من نفيه عنها.

وقد فوجئت في حديثى معه بانه لا يتكلم العربية كما يتكلمها العرب فى اى بقعة من بلادهم الشاسعة، فهو رغم وضوح لغته وسهولة تعبيره عن افكاره، يتكلم بنبرة فيها شئ من العجمة، مما يدل على انه لم يتعلم العربية الا فى سن متأخرة او بطريقة المستشرقين، وقد علمت يومها من بعض تلاميذه الحاضرين أسباب ذلك وظروفه.

والغريب ان هذا التعثر اللغوى - ان صح التعبير - لم يمنع ساطع الحصرى من ان يكون اكثر واعظم المفكرين والكتاب العرب حماسة وغيرة ودفاعا عن الثقافة العربية، والتراث العربى والامة العربية كلها، فما كتبه فى هذا المجال يفوق ما كتبه فى اى محال آخر، كما يفوق - كمية ونوعا - ما كتبه اى كاتب آخر على حدة.

وابتداء من عام 1957 قامت بينى وبينه مراسلات وتبادل هدايا الكتب من مؤلفاتنا - هو وأنا - وكان مفتاحها اهدائى له كتاب ((العرب وابن خلدون)) (1) كتحية له وتقديرا لما بذله من جهد فى دراسة ابن خلدون والدفاع عنه، والتعلق به .. حتى بلغ به الامر ان كان لا يمضى كتاباته وكتبه الا بـ (أبو خلدون ساطع الحصرى) مقدما دائما وبشكل بارز كنيته على اسمه. وهذا ليس جديدا او طارئا عليه، بل هو قديم يعود الى تاريخ ولادة ابنه البكر، حيث اختار له من الاسماء - خلدون - وهو الآن فى الخمسين من عمره، ولا شك فى ان ذلك ناتج عن شدة حبه لابن خلدون واهتمامه به.

وقد تأثرت أنا بكل ذلك، فاسميت ابنى خلدون، وامضيت كثيرا من مقالاتى (بأبى خلدون الصغير) وما زلت احتفظ بذكرياتى عن الحصرى - لا سيما رسائله ومؤلفاته المهداة - كأعز ما لدى من ذكريات وآثار.

بعد هذه اللمحة عن ذكرياتى وظروف معرفتى بالحصرى وبعض كتبه، اعود إلى عرض حياته ومؤلفاته، وساكتفى بتقديم اطار وثائقى قصير عن حياته وقائمة كتبه وابحاثه، واختم ذلك بكلمة مختصرة عن كتاب واحد من كتبه، وهو بالتحديد كتابه عن ابن خلدون.

                     معالم حياته الخصبة ينحدر الاستاذ ساطع من اصل سورى حلبى، وان كان قد ولد فى اليمن وصبا هناك، ثم انتقل مع والده الى مدن كثيرة من مدن السلطنة العثمانية متنقلا بن مناصب عديدة ادارية وتربوية، كما انشا كثيرا من المؤسسات التربوية والعلمية، وقام بنشاط سياسى وفكرى، كان منطلق حياته، كلها فيما بعد ..

ولا ننسى انه - فى مختلف مراحل عمره الطويل - قد زار جميع الاقطار العربية، شرقية وغربية، كما زار الاندلس ومعظم الاقطار الاوربية، وكان بالخصوص كثير الزيارة والاقامة، لفرنسا وسويسرا، ولعل ذلك يعود لاتقانه الفرنسية اولا، ولميله واعجابه بالطرق الفرنسية والسويسرية فى التفكير والتربية، اقول ميله واعجابه فقط، لاننى متأكد من انه كان من دعاة التفتح، والاخذ بالصالح من المفاهيم والطرق فى التربية والتعليم بالخصوص، ولم يكن يكره شيئا عن حياته كما كان يكره الانغلاق والانكماش ويحارب كل تعصب، مهما كان مصدره وكانت غايته وموضوعه. كما كان مطلعا وعارفا بكل المذاهب والاتجاهات فى حقول التربية والتعليم. ولكنه كان لا يختار او

يقتبس الا ما يؤدى الى تحقيق تقدم أمته وتحقيق وحدتها وانسجامها وتطورها. وهو شديد الحرص على هذه الغايات قوى الايمان بها، لا يقبل باى حال من الاحوال التخلى عنها او التهاون فيها او التساهل مع خصومها.

قلت انه سورى حلبى، والحقيقة انه يكاد لا يعرف من سوريا وحلب اكثر مما يعرف عن ليبيا ومصر ... بل لعلنى اعرف عنهما اكثر مما يعرف هو ... لا سيما حتى نهاية الحرب العالمية الاولى. فقد عاش اكثر من الثلث الاول من عمره الطويل، فى تركيا، وعاش باقى حياته متجولا او مقيما فى مختلف الاقطار العربية والاوربية، ولم يكن حظ سوريا من اقامته بها بعد شبابه الا زهاء خمس سنوات.

وعلى هذا فهو عربى كامل المواطنة بصورة عملية حقيقية. وهذا ما نلمسه فى كتاباته وافكاره، اذ لا نجد اى نزعة اقليمية او طائفية فى مؤلفاته وابحاثه، وقد حملنى ذلك على نعته بالمواطن العربى الاول، عام 1956 حين اصدرت كتابى ((العرب وابن خلدون)) وتوجته باهدائه - كانتاج - اليه.

ولنعد الى والده وميلاده كى نكون اطارا متكاملا عن نشأته وحياته يقول مؤلف حلبى آخر هو الصديق الاستاذ سامى الكيالى عن والد ساطع ما يلى:

هو: (( .. محمد هلال الحصرى من رجال العلم، درس فى الازهر، ونال اجازته العلمية. وعقب عودته الى حلب عين قاضيا فى الباب، ثم فى دير الزور ثم فى حماه. ثم عين رئيسا لمحكمة الاستئناف فى اليمن.

" وفى صنعاء .. ولد ساطع الحصرى. وقد تنقل مع أبيه - وهو طفل - من صنعاء الى اطنه، الى انقره، ثم الى طرابلس الغرب ثم عاد الى اليمن ثانية، ومنها الى قونيه فطرابلس الغرب حيث عين (الوالد) فيها رئيسا لمحكمة استئناف الجزاء.

((وكان ساطع قد ترعرع ونما خلال هذه الفترات التى تقاذفت طفولته فدخل القسم الاعدادى فى المدرسة الملكية فى الآستانه وانقطع عن التجول مع والده)) (2).

هذا ما يقوله سامى الكيالى عن الوالد وعن طفولة ساطع .. ولكن ماذا بعد ذلك؟

لنترك سامى الكيالى ايضا يحدثنا عن المرحلة الاولى من حياة ساطع، وهى

المرحلة التى عاشها فى ظل الخلافة العثمانية، والتى بدأت من دراسته فى معاهدها الثانوية وبالخصوص منذ انتهاء دراسته عام 1900 و كان يومها في العشرين من عمره، ثم حتى نهاية الحرب العالمية الاولى حيث انضم الى الثورة العربية، وبارح تركيا عائدا الى وطنه، ومن هنا بدا تاريخه الحقيقى ودوره الكبير فى النهضة العربية والفكر القومى بالخصوص.

يقول سامى الكيالى:

((فى سنة 1900 تخرج (ساطع) من المدرسة الملكية، وقد اختار سلك التعليم، فعين معلما لتدريس العلوم الطبيعية فى ((يانيا)) التى اصبحت - فيما بعد - جزءا من بلاد اليونان، وقد بقى هناك خمس سنوات، ثم انتقل من التعليم الى الادارة، فعين (قائممقاما - معتمد - على قضاء (معتمدية) (راويشنه) التابع لولاية (قوصوه)، وهى اليوم جزء من بلغاريا .. ومنها نقل الى قائممقامية فلورينا التابعة لولاية (مناستر) وهى تقع - داخل يوغسلافيا بالقرب من حدود اليونان)) (3).

وفى هذه الاثناء تكونت حركة تركيا الفتاة، التى قام بها شبان اتراك ضد مظاهر الاستبداد والانحلال التى كانت تسود السلطنة العثمانية، وكان مركز الحركة ولاية مناستر التى كان ساطع موظفا بها.

وكان كثير من شاب العرب يعلق على هذه الحركة آمالا عريضة لكونها وعدت بتحقيق العدل والحرية فى جميع البلاد التابعة للخلافة. وعلى هذا الاساس، انضم اليهم الحصرى رغم انه موظف فى نفس الادارة والدوله التى يعمل على قلب اوضاعها.

وهكذا ((عمل مع هؤلاء الشباب الذين اعلنوا نزعاتهم الثورية ضد السلطان عبد الحميد، فكتب وخطب)) مؤيدا لهم حتى اذا تحققت اهدافهم سنة 1908 باعلان الدستور ثم بخلع السلطان عبد الحميد فى العام الموالى ترك السلك الادارى. وانتقل الى سلك التعليم، فتولى مناصب تربوية عديدة، منها تدريس علم الاجتماع فى المدرسة الملكية التى تخرج فيها، وتدريس فن التربية فى دار الفنون، وفى مدرسة ((دار الخلافة العثمانية))، كما تولى ادارة دار المعلمين عام 1909. ثم تولى تنسيق واصلاح ((دار الشفقة)) (اى ملجا العجز).

((وفى بداية الحرب العالمية الاولى، بدأ مشاريعه التربويه الخاصة، فأسس

المدرسية الحديثة، وانشا فيها فرعا للاطفال، سماه ((عش الطفولة))، ولعله اول محاوله لتأسيس رياض الاطفال فى الدولة العثمانية، قام بها مرب عربى، ولرغبة الحصرى فى تعميم التعليم العصرى ورياض الاطفال بالخصوص، كون فرعا آخر لتخريج معلمات لرياض الاطفال، سماه ((دار المربيات)) (4).

والى جانب هذه المعاهد والمؤسسات التربوية انشا (باللغة التركية) مجلة علمية باسم ((انوار العلوم)) واخرى تربوية باسم ((التدريسات الابتدائية)).

كما ألف عددا غير قليل من الكتب المدرسية باللغة التركية ايضا، خاصة فى العلوم. ومن هذه الكتب كتب فى الحيوان والنبات ودروس الاشياء وقد ترجمت كلها للعربية واصبحت كتبا مدرسية - لا سيما فى عهد اشرافه على التعليم فى العراق - حيث اعاد فيها النظر ونقح الكثير منها، كما ترجمت بعض مؤلفاته التركية الاخرى ومنها كتاب عن ((افات الكحول)) ترجمه الاستاذ طالب مشتاق (5).

وخلال الحرب العالمية الاولى كان مستمرا - على ما يبدو - فى اعماله التربوية تلك فى عاصمة الخلافة، اذ ليست لنا تفاصيل عن حياته اثناء الحرب.

ولكننا نعرف - من المصادر التى ترجمت له - انه عاد لوطنه بعد الحرب مباشرة، وانه كان الاختصاصى العربى الوحيد عند اعلان استقلال سوريا وقيام الحكم العربى فيها، فتولى منصب مدير المعارف، ثم وزيرا للمعارف فى حكومة الملك فيصل. ورغم قصر المدة التى عاشها الحكم العربى - بين عهدين من الاحتلال والحكم الاجنبى، العهد التركى اولا والفرنسى ثانيا - ورغم ان الحصرى كان لا يكاد يتكلم او يكتب بالعربية، ورغم ان جميع دواليب الادارة وبرامج التعليم فى العهد العثمانى كانت باللغة التركية رغم ذلك كله فقد ساهم الحصرى فى تحقيق انجازات عظيمة للغاية فى أقل من عامين سواء فى تعريب الادارة والتعليم تعريبا كاملا او فى انشاء عدد كبير من المعاهد والمؤسسات العلمية والتربوية فى سوريا.

ولا شك فى ان اختيار فيصل له ليكون المؤسس الاول للتعليم العربى الحديث فى سوريا الفيصلية انما يعود لا لاختصاصه التربوى فقط، بل ولما كان يحمله من افكار قومية، وما ساهم فى دعم الثورة العربية ضد الحكم العثمانى.

وللاسف الشديد، فان عهد الاستقلال السورى لم يدم، اذ زحفت فرنسا

على سوريا، واستولت على دمشق بعد معركة ميسلون المشهورة، وبسقوط دمشق يوم 24-7-1920 خرج فيصل وجماعته من سوريا، و كان بينهم ساطع الذى رافق فيصل بعض الوقت فى اوروبا، خاصة عند ذهابه لمؤتمر الصلح فى فرساى حيث كان ساطع من المرافقين له، والمترجم بينه وبين مخاطبيه الاوربيين.

ونجده فى عام 1921 مقيما فى مصر. ولم تطل اقامته بها، اذ تولى فيصل من جديد عرشا جديدا، وكان هذه المرة فى العراق. فدعاه من مصر ليتولى اعانته عل النهوض بميدان التعليم والتربية فى العراق .. فسافر بحرا الى البصرة ومنها إلى بغداد، وفيها عاش عشرين عاما كاملة تقلب خلالها فى مناصب كثيرة، ولكن معظمها كان تعليميا تربويا، او متصلا بالحضارة والتاريخ.

ولدينا عن هذه الحقبة الطويلة وثيقة تاريخية هامة، فى غاية الدقة والتفصيل، وهي مذكرات ساطع عن كل الاعمال والمسؤوليات التى تولاها فى العراق وتقع هذه المذكرات فى جزئين بهما حوالى ألف ومائتين وخمسين صفحة.

وفي صفحة واحدة لخص الحصرى نفسه جميع المهام التى اسندت له فى العراق فكانت كما يلى:

- مساعد لوزير المعارف، من 5-3-1922 الى 16-1-1923. - مدير عام للمعارف، من 17-1-1923 الى 31-7-1927. - استاذ في دار المعلمين العالية، من 1-8-1927 الى 30-9-1931. - مراقب التعليم العام، من 1-10-1931 الى 21-12-1931. - رئيس (عميد) كلية الحقوق، من 22-12-1931 الى 10-10-1934. - ثم اضيفت اليه ادارة الآثار القديمة، من 11-10-1934 الى 15-9-1953. - ثم مدير للآثار القديمة ومدير التدريس والتربيه العام، من 16-9-1935 الى 11-9-1936. - واخيرا ابعد عن حقل التربية والتعليم، واسندت اليه فقط ادارة الآثار القديمة، من 12-9-1936 الى يوم 11-6-1941 حيث اسقطت عنه الجنسية العراقية ونفى من البلاد بعد فشل الحركة الثورية المسلحة التى قام بها رشيد على الكيلانى وجماعته.

وقد حرم من كافة حقوقه حين ابعد من العراق حيث طلب منه مغادرة البلاد فى خلال 24 ساعة وقد استمر منفيا عن العراق الى عام 1951 حيث استطاع جماعة من تلاميذه وانصاره اثارة قضيته فى مجلس النواب، واستصدار امر بالعفو عنه وارجاع كافة حقوقه اليه بما فيها اعادة الجنسية العراقية اليه ودفع معاشات التقاعد عن كامل المدة التى غاب فيها.

وكان لهذا القرار يومئذ صدى كبير فى جميع الاوساط، خاصة بين رجال التعليم والفكر القومى. واذكر بهذه المناسبة، ان الشاعر العراقى عبد الوهاب البياتى، قد رحب بعودته للعراق، واعرب عن مشاعره فى قصيدة قوية جميلة عنوانها ((اقوى من المستحيل)) وقد اهداها له، وهذا نصها كاملا:

عروبة اقوى من المستحيل             نادتك بالامس فكان الرحيل

اين جناحاك ؟ فغاباتنا                عبر الضحى يرتع فيها الدخيل

طاحونة كنا ولما نزل                   يشدها بالشمس ثور هزيل

قالوا: شعوب الارض فى ثورة        فما لهذا الشعب غاف ذليل؟

يسوقه للقبر اطفاله                  ويشتم الارذل فيه النبيل

وتنخر العثة ما ابقت الـ            فيران فى امجاده من اثيل

اين جناحاك؟ فغاباتنا             نامت على سر اللصوص الوبيل

القمة الجرداء مهجورة             والنسر بالمرصاد والمستحيل

يجيل عينيه. وماذا يرى؟           اكذوبة تربط جيلا بجيل

الفكر فى السوق ونخاسه          دار به السوق. فضل السبيل

من اين؟ والتاريخ فى صمته        يمالئ الموتى. ويخفى الدليل

الضاد لو يعلم انا هنا             فجر، لما تاه بليل طويل

تعال. خذها من فمى قولة       كثيرها يمضى ويبقى القليل

لا كان ضوء الشمس ان لم نخض فى دمهم يوما، ونشف الغليل

عروبة اقوى من المستحيل              نادتك بالامس فكان الرحيل

قالوا: شعوب الارض فى ثورة           فما لهذا الشعب غاف ذليل؟

وقد عاد للعراق فعلا، عام 1951 ولكنه لم يستقر به، بسبب مسؤولياته الثقافية فى مصر آن ذاك، ولكنه ظل يزوره من حين لآخر، الى ان وافته منيته فى بغداد فى شهر ديسمبر 1968، حيث دفن فى تربته، وتحققت بذلك - فى شخصه على الاقل - وحدة افكاره القومية فى حياته ومصيره، إذ انحدر من عائلة سورية، وولد فى اليمن وعاش فى معظم البلاد العربية ومات فى العراق،

وهو القطر العربى الوحيد الذى عاش له واقام فيه وعمل من اجله اكثر من اى قطر آخر.

وحين ترك العراق عام 1941 عاش فى سوريا ولبنان الى ان اقام الحكم الوطنى فى سوريا سنة 1943 فانتدب من جديد ليدرس احوال التربية والتعليم فى سوريا، ويصلح اوضاعها، فعمل مستشارا فنيا لوزارة المعارف مدة ثلاث سنوات وكانت له يد طولى فى ((تغيير مناهج التعليم بالخصوص تغييرا كبيرا))، كما وضع تقريرين عن اوضاع التعليم واصلاحه فى سوريا.

وفي عام 1947 دعى الى مصر حيث عمل استاذا محاضرا فى معهد التربية العالى للمعلمين، ثم اصبح مستشارا للادارة الثقافية فى جامعه الدول العربية.

وفي عام 1951 اسس معهد الدراسات العربية العالية، التابع لجامعة الدول العربية. واصبح هو مديرا له، وكان غرضه منه العمل على توحيد الفكر والثقافة القومية فى البلاد العربية وهو معهد عال تبدأ الدراسة فيه بعد الاجازة فى الآداب او العلوم الاجتماعية او الاقتصادية.

خلال عمله فى هذا المعهد اصدر كتابا سنويا عن احوال التربية والتعليم فى العالم العربى سماه ((حولية الثقافة العربية)) وقد اصدر منه خمس حلقات متوالية.

((ثم ترك ادارة هذا المعهد واكتفى بالتدريس والقاء المحاضرات)).

واخيرا عكف فى العراق على مراجعة حياته واوراقه وكتابة مذكراته وتدوين تجاربه، إلى ان مات فى شهر ديسمبر 1968 وهو مثابر على العمل والكتابة والتاليف، رغم بلوغه الثامنة والثمانين من عمره.

وحين يعود المرء الى هذه الحياة الطويلة يجدها عريضة واسعة، ومليئة حقا بجليل العمل وعظيم الانتاج. حتى لكأن صاحبها لم يخسر فيها يوما واحدا من ايامها الزاخرة.

                             اسلوبه وحين يلقى المرء نظرة عل انحازاته، واعماله وايضا ابحاثه ومؤلفاته ياخده العجب من هذه الشخصية الفذة، التى كانت حتى الاربعين من عمرها لا تكاد تعرف اللغة العربية، رغم اتقان صاحبها لغات اخرى، عرفنا منها بالخصوص التركية والفرنسية.

وهذا سامى الكيالى يقول انه حين ((جاء الى سوريا سنة 1919 كان لا يحسن العربية، ويكتبها بصعوبة، فعكف على دراستها بجد واهتمام، وما زال حتى استطاع ان يعبر عن آرائه بلغة تسودها العجمة والركاكة احيانا الى ان حسن بيانه، واصبح يعبر عن آرائه بكثير من السهولة والوضوح)) (*).

وفعلا فان اسلوب ساطع الحصرى يمتاز بالوضوح والدقة واستقامة العبارة، وتساوى المعنى باللفظ، ولا شك ان لاختصاصه فى العلوم الطبيعية اولا والتربوية ثانيا، وميله الى التاريخ والاجتماع، قد كون لاسلوبه تلك لخصائص وجعل له طابعا خاصا يميزه عن سائر الكتاب المعاصرين.

                                  مؤلفاته وحديثنا عن اسلوبه يجرنا بطبيعة الحال ان الحديث عن مؤلفاته فى سائر فروع المعرفة التى انجذب اليها. ويمكن حصر كتبه وابحاثه فى اربع ميادين رئيسية هى:

اولا: التربية. ثانيا: الفكر القومى. ثالثا: التاريخ. رابعا: الاجتماع.

ولسنا في مقام التحليل لاى جانب من جوانب مؤلفاته او آرائه فيها، فضيق المجال والخطة المحددة لهذه الكلمة لا تسمح بذلك، لهذا فانى اقتصر على ذكر اهم مؤلفاته فى تلك الحقول الاربعة، مرتبة بحسب تواريخ صدورها ما امكن، مغفلا الكتب المدرسية التى لها مكانة ثانوية ومجال آخر فى نظرنا.

                 التربية والتعليم فمن مؤلفاته فى التربية والتعليم وما يتصل بهما من قريب او بعيد، نذكر الكتب والابحاث التالية:

1) دراسة نشرها فى مجلته (التربية والتعليم) نقد بها تقرير لجنة مونرو عن معارف العراق.

2) محاضرات فى علم الاحصاء (1939).

3) آراء واحاديث فى التربية والتعليم (1944).

4) تقرير عن اصلاح المعارف بسوريا (1944).

5) تقرير عن احوال المعارف بسوريا (1945).

6) اصول التدريس العامة، واصول تدريس اللغة العربية، كتاب يقع جزئين، كل جزء بموضوع ( 1948 ) ولهذا الكتاب - خاصة - رواج وتأثير كبير على المعلمين فى مختلف البلاد العربية، وقد كان لسنوات عديدة المعين الاول لهم لا سيما فى تونس وبقية اقطار المغرب العربى حيث لا يزال متداولا بين المعلمين.

7) آراء واحاديث فى اللغة والادب (1958).

8) حول الوحدة الثقافية العربية (1959).

9) حولية الثقافة العربية، وهي دليل عام لاحوال واوضاع التعليم فى العالم العربى مستندا فيها الى الارقام والاحصاءات الرسمية وقد اصدر منها خمس حلقات متوالية بين اعوام (1949-1954).

10) مجلة (التربية والتعليم) التى اصدرها ببغداد لمدة خمس سنوات متوالية بين (1928-1932).

11) احاديث فى التربية والاجتماع 1962 هذا .. عدا مجلاته التربوية التى سبق الحديث عن اصداره لها باللغة التركية ايام شبابه فى الاستانة.

                         الفكر القومى اما مؤلفاته فى الفكر القومى فنذكرها حسب تواريخ صدورها: 1 - آراء واحاديث فى الوطنية والقومية (1944). 2 - محاضرات فى نشوء الفكرة القومية (1951). 3 - آراء واحاديث فى القومية العربية (1951). 4 - العروبة بين دعاتها ومعارضيها (1951). 5 - العروبة اولا (1955). 6 - دفاع عن العروبة (1956). 7 - ما هى القومية؟ (1959). 8 - حول القومية العربية (1961). 9 - الاقليمية، جذورها وبذورها (1963). 10 - ابحاث مختارة (7) فى القومية العربية (1964).

ونذكر الآن مؤلفاته المتعلقة بالتاريخ والاجتماع او ذات الصلة بهما، مع العلم بان معظمها قد كتب بروح قومية مستنيرة، وبمنطق يهدف الى الدفاع عن التاريخ او التراث العربى، قديما كان او حديثا، مع الملاحظة بان كثير من كتبه الاخرى بها لمحات مماثلة:

1 - كتاب دراسات عن مقدمة ابن خلدون، الذى طبع الجزء الاول منه عام (1944)، وطبع الثاني عام (1945)، ثم اعيد طبعه مرتين منقحا، عامى (1953-1967)، وذلك بعد زيارته الثانية لتونس عام (1950)، حيث عكف على دراسة كل ما يتعلق بابن خلدون وهذا الكتاب هو اشهر كتبه التاريخية والاجتماعية، باعتباره جمع فيه دراسات متصلة بالعلمين، كما انه اوسع كتاب عربى عن ابن خلدون حتى الآن، وسنعود اليه بعد قليل.

2 - يوم ميسلون (1947)، وهو الكتاب الوحيد الذى بحث هذه الحادثة التاريخية الحاسمة، التى ادت هزيمة الجيش العربى فيها الى ضياع استقلال سوريا الفيصلية وتركيز الاحتلال والحكم الفرنسى لها.

3 - صفحات من الماضي القريب (1948).

4 - آراء واحاديث فى التاريخ والاجتماع (1951).

5 - آراء واحاديث فى العلم والاخلاق والثقافة (1951).

6 - البلاد العربية والدولة العثمانية (1957).

7 - مذكراته ... (1967-1968).

وآخر ما صدر له مذكراته عن العهد الذى عاشه فى العراق، وتولى فيه الاشراف على حظوظ التعليم والتربية، او المساهمة فيهما، وهو العهد الذى دام عشرين عاما. وقد اثبت الحصرى فى هذه المذكرات كل صغيرة وكبيرة عن هذه المرحلة من حياته. وقد طبعت المذكرات فى جزئين كبيرين، الاول عام (1967) والثانى فى شهر جوان (1968)، وهو آخر كتاب طبع له فى حياته.

                      دراساته عن ابن خلدون ونختم هذه الكلمة، بنظرة خاطفة عن كتابه الفريد حول ابن خلدون

سبق ان تحدثت عن ظروف معرفتى لهذا الكتاب، وتعرفى بمؤلفه. وقد كان هذا الكتاب، فيما بعد، عمدتى الاولى فى دفاعى عن ابن خلدون من ناحية ودراسة حياته وافكاره من ناحية اخرى.

ورغم اهمية الموضوع والكتاب، فان قصر الوقت لا يسمح لى بان اتحدث (8) كما احب وكما يجب، لذلك اكتفى بذكر ان الكتاب يقع فى 50 صفحة ومزين بالوثائق والصور. وقد تحمل الحصرى من اجله المشاق والعناء، فزار الاندلس والمغرب والحزائر وتونس، زيارة استطلاعية عام (1926) لمعرفة الاماكن والاجواء التي عاش فيها ابن خلدون، ثم زار تونس مرة ثانية عام (1950) للتأكد من كثير من المعلومات وقد اقام بتونس هذه المرة عدة اسابيع، وكان لها صدى كبير هام فى معلومات عن تونس (9) وفى تنقيح دراسته عن مقدمة ابن خلدون والتثبت من حقائق واراجيف كثيرة حوله، اشاع معظمها كتاب مشارقة (10) والى ان اعود الى بحث هذه الدراسات والحقائق والاراجيف فى مناسبة اخرى، اختم كلمتى بنقل ملاحظة واحدة من الملاحظات الهامه التى كونها الحصرى عن ابن خلدون اثناء زيارته الاخيرة لتونس.

يقول الحصري تحت عنوان (ابن خلدون فى الذاكرة الشعبية): ((ماذا بقى من حياة ابن خلدون واعماله فى الذاكرة الشعبية؟

((نستطيع ان نقول ان الذاكرة الشعبية فى مصر لم تحفظ عن ذلك شيئا، وقبر ابن خلدون فى القاهرة غير معروف الى الآن.

((واما الذاكرة الشعبية فى تونس، فانها لم تهمله ابدا. هناك يعرفه الناس ويعرفون الدار التى ولد وترعرع فيها ابن خلدون، دار تقع فى احد الشوارع المهمة من المدينة القديمة وهو شارع (تربة الباى) ... وقد وضع على جانب بابها لوحة رخامية تذكيرا بمولد المفكر الكبير هناك.

((ويقع فى آخر الشارع المذكور ((كتاب صغير)) تحت قبه جميلة، يسمى ((مسيد القبة)) ويروى ان ابن خلدون كان درس فى هذا الكتاب.

((وأما قلعة ابن سلامة التى كتب فيها ابن خلدون مقدمته المشهورة، فموقعها معلوم لدى الجميع، انها تقع على بعد خمس كيلومترات من مدينة ((فرندا)) الحالية التابعة إلى مقاطعة وهران فى الجزائر، واطلال القلعة شاخصه الى الابصار هناك)) (10).

                                     أ - التعليقات (1) كان نص الاهداء: ((الى المواطن العربى الاول، الى المفكر العربى الذى انصف ابن خلدون من أمته ومن التاريخ، فاحله المكان اللائق من امجادها.

الى من تعلق حبه فى ابن خلدون عن فهم وتمحيص ووزن، فقدم اليه اسمه وقلبه وعقله .. عرفانا منه وتقديرا، الى الاستاذ ساطع الحصرى ارفع هذا الكتاب (العرب وابن خلدون).

(2) الادب العربى المعاصر فى سوريا ص 122-123.

(3) نفس المرجع ص 123 بتصرف زهيد.

(4) نفس المرجع ص 123-124 بتصرف يسير.

(5) مذكرات ساطع ج 2 ص 9-10، ومن كتبه التى ألفها بالتركية، ونقلت للعربية فى عهده لتكون كتبا مدرسية: ((علم الحيوان، قسم الفسلجة)) ترجمها عباس خماش، ((علم النبات - قسم الفسلجة)) ترجمة محمود نديم)).

(6) الادب العربي في سوريا ص 122.

(7) يضم هذا الكتاب فصولا مختارة من كتبه الاخرى فى القومية العربية.

(8) القى هذا البحث فى الاربعينية التى أقيمت للفقيد بدار الثقافة - ابن رشيق - بتونس يوم 69/2/28.

(9) من ذلك الفصل الذي عنوانه (قطوف لغوية فى تونس) والمنشور فى كتابه: ((آراء وأحاديث فى اللغة والادب)) ص 158-179 طبعة دار العلم للملايين - بيروت 1958، والملاحظ ان دار الطليعة ببيروت ايضا قد اعادت طبع هذا الكتاب سنة 1966 باسم ((اللغة والادب وعلاقتهما بالقومية)) وللدكتور، ط. الخميرى تعليق طريف حول بعض فصوله، ((الفكر)) س 4 ع ص 11-13.

(10) راجع تفصيل ذلك فى دراسات الحصرى، وفى كتابى ((العرب وابن خلدون)).

                      ب - المراجع (1) ساطع الحصرى: معظم مؤلفاته المذكورة فى البحث (2) سامى الكيالى: الادب العربى المعاصر فى سوريا - مكتبة الدراسات الادبية ط مصر 1959. (3) أنور الجندى: النثر العربى المعاصر، فى مائة عام ط مصر 1961. (4) الموسوعة العربية الميسرة ط القاهرة 1965. (5) وثائق خطية خاصة.

اشترك في نشرتنا البريدية