الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "الفكر"

ساعة الاختبار

Share

أثار الاستاذ البشير بن سلامة قضية السنة الادبية التونسية ودعا الى الاعتزاز بهذه الشخصية والتشبث بمقوماتها والحرص على سلامتها . ونعتقد ان هذه الدعوة الملحاحة جديرة بالعناية والدرس - ان لم نقل التطبيق - : ذلك اننا - فى تونس - تكثر عندنا المشاريع الا انها تبقى فى طيات المجلات والملحقات الثقافية ، فهل اقدمنا على تحسين الطباعة ؟ وهل تم التعريب ؟ وهل ... ؟ وهل ...؟

إن الدعوة الى تعميق . السنة الثقافية فى تونس وردها الى ما قبل الاسلام هى أمر طبيعى ، اذ لا يمكن نكران تراث اجدادنا ، فمن احتقر تراث أجداده ، فقد انفصل عن أمته ، ومن انفصل عن أمته فقد خان الأمانة . وجذور الثقافة القرطاجية ورواسبها لا يمكن أن يجهلها أى مطلع على الحالة الاجتماعية بتونس .

إلا ان هذه السنة الأدبية وان لهجنا بها وسبحنا لها فانها تقف الى ما قبيل الحماية ، أما بعد الحماية بقليل حتى الآن فاننا لا ندرى الى اى سنة ثقافية نحن ننتمى : " هل نحن عرب أم لا ؟ وان كنا عربا فهل نستعمل كل الثقافة العربية قديمها وحديثها الموجودة فى الغرب العربى وفى الشرق العربى ...؟ " ان الشعور بالشخصية التونسية لدى الفرد التونسى أصبح يتضاءل شيئا فشيئا ان لم نقل انه فى طريق الزوال ، فانت تستطيع ان تلاحظ ان المواطن التونسى عندما يقيم خارج وطنه خمس سنوات ثم يعود الى مسقط رأسه فان لهجته تتغير وتتأقلم حسب لهجة البلاد التى كان فيها فى حين ان المواطن الجزائرى أو المصرى يحافظ على شخصيته ومقومات بلاده ، ثم ان نظرت مليا فيما تسمع من الاتجاهات بين الشبان فلا شك أنك واجد خليطا من المشارب ، فهذا منكر لتونسيته متشبت بعروبة خيالية مريضة ، وذاك متأورب ، ونسى المسكين ان أوروبا ترفضه وترفض هضمه ، وبين هذا وذاك يقف جمع قليل متمسك بقوميته ، الا انه يرمى بضيق الأفق والاقليمية كأن المرء لا يمكن ان يعيش إلا ضمن مجموعة كبيرة .

ان التفتح على الثقافات الأخرى لا ينكره عاقل ، إلا أن الذوبان فيها جريمه فى حق الأمة التى ينتمى اليها ، ونعنى بالجريمة انه يعيش بجسمه فى هذا الوطن ويعيش بفكره فى قارة أخرى .

فالسنة الأدبية لا تجد الحرارة الكافية لتقبلها لان مناخ الشخصية التونسية بارد بل ان هذه المسألة تثير الضحك لدى البعض ، فهم يقولون - وما فتئوا - ان لا شخصية مميزة لنا .

لقد شوهنا شخصيتنا وذاتيتنا واوقفنا سير السنة الثقافية فى بلادنا : ذلك اننا تخلصنا من التبعية الاستعمارية لنقع فى التبعية الثقافية - بمحض اختيارنا - وهى أشد وأدهى .

فكيف نطالب - إذن - بسنن ثقافية قومية أو نتحدث عنها ؟ ان هذه المطالبة تكون صحيحة لو احسنا الاختيار بين الثقافة القومية العربية أو الثقافة الغربية ، وتكون لها ذاتية مميزة لو خيرنا بين اللغة العربية أو اللغة الفرنسية .

ونعتقد ان نقاء الثقافة القومية لا يمكن ان نحلم به فى عصر تشابكت فيه المواصلات ووقع فيه تقريب المسافات بين بلدان العالم بل إنه لم يقع فى القديم أيام كانت البلدان منعزلة أو كالمنعزلة ، ولكن نسيان أو تناسى ملامح وطننا وثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا أمر يدعو الى الحذر واليقظة واعادة النظر فى مناهجنا التربوية : ذلك اننا وصلنا الى قمة الحيرة والتنكر للتربة القومية وقطع الصلة بالماضى القريب والبعيد ، ومن يقول من الشباب : " لقد وقف الاسلام (؟) اذن سدا دون الايمان بقدرة الانسان على الخلق " لا شك انك تجيب : بأنه لم يعرف من الاسلام الا معتنقيه المشوهين ، ولا أقصد الدين الاسلامى فى هذا المثال وانما هو التنكر المطلق الذى لا يرتكز على منهج ولا على طريقة : هى الثورة العاتية التى سرعان ما تؤول الى خذلان فتشوبه للقيم المتواضع عليها فجنون فكرى .

قد تقول : ان الحيرة من صفات الكائن المتحرك وانها تبعث فى الانسان القدرة على " تجاوز " كل المظاهر التى تعوقه عن السير بحرية . ولكن الحيرة اذا ارتكزت على التحطيم ولم تراع البناء القديم السليم فهى تنكر ورفض لمقومات " السنة الادبية والفكرية القومية " .

قد ترفض اعتناق مبدأ ما ولا تتقبله الا بعد تمحيص وبحث دقيق ، ولكن رفضك الشئ دون النظر فيه هو عناد وتنطع .

فهل آن لنا ان نقاوم ما بانفسنا من زيف وتشويه ؟ وهل آن لنا ان نبدأ بتحرير انفسنا قبل ان نطالب بالحرية الشكلية : ان الحرية فى معناها الصحيح - كما يقول محمد مزالى - هى ان نبدأ بتنقية ما بانفسنا من جراثيم فتاكة ، وبعد هذه التصفية المريرة يحق لنا ان ننتسم ريح الحرية فى معناها المطلق .

فهلم الى العودة نحو ذاتك وتربتك ، فقد طالت الغربة وأى غربة . وحانت ساعة الاختيار .

اشترك في نشرتنا البريدية