الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

ساعة تنهض الثقافة العربية نهضه متكاملة " . .

Share

لست ادرى الى اى مدى يباعد اي يقارب الاستاذ الفيتورى بين اللغة والثقافة حين يذهب الى ان طريق النهوض بتلك متوقف على النهوض بهذه " فعلي من اراد النهوض باللغة العربية والبحث عن اسباب تطورها كى تساير العصر لما به من مقتضيات فكرية وعلمية وفنية ان يعيد النظر لا فى اللغة العربية بل في اسس الثقافة العربية بإطلاق . ص 7 "

يمكن ان ننظر الى اللغة على انها فرع من فروع الثقافة ووسائلها ، وفى هذه الحال فان النهوض بعموم الثقافة لا يمكن ان يتصور كما هو بديهى الامع النهوض بجميع فروعها كل حسب طبيعته ومتطلباته ، وحينئذ تكون اللغة بدورها والحال تلك موضوعا يتطلب النهوض به ، وذلك لتسليمنا بضحالة ثقافتنا على العموم .

اما اذا كنا لانرى فى اللغة الا اطارا كيانه مستقل عن الثقافة ولكنه ذو قابلية تبعية لها يتسع باتساعها وينكمش بانكماشها ، اقول هاهنا فقط يجب الانولى أية عناية باللغة في مقابل تكريس كل الجهود للعناية بما لا يشملها من الثقافة

قلت لست ادرى وجهة الاستاذ من الاعتبارين السالفين لانى لا احب ان اراه مع الاول يجرى وراء تحصيل حاصل كما يقال اذ ان اعتبار اللغة جزءا من الثقافة لا يحتاج الى بيان ان مصير الكل يشمل مصير جزئه ، كما ان اعتبار حياة اللغة ذات علاقة آلية بالثقافة على الوجه الآنف قول يحتاج فى الاقل الى تفصيل لم يقدمه الاستاذ ، والواقع ان هذا الاعتبار الاخير يضفى بنا الى قضية بيزنطيه ايهما والد ومولود الدجاجة ام البيضة . على انه لا نكر ان استنهاض ثقافتنا يقتضى ارسال البعثات العلمية الى الخارج والقيام بترجمة شوامخ الفكر والعلم والفن ، وطالما ان اللغة هي المسلك الذى لابد ان تمر به هذه المهام فى طريقها او عودتها فلاشك ان القيام بعمل ما فى تعديل اللغة سيساعد ان لم يكن ضروريا على " افراغ " الفكر الغربى فيها

اما اذا اقتصر العمل على الاخذ بالثقافة الغربية دون تهيئة الوعاء فستقيئها هذه اللغة او على الاقل ستمر بفترة من الاضطراب وسوء التمثيل . . وذلك بسبب من ان حيويتها كانت قد وهنت بضروب ما كانت تحتويه من الثقافة والعرفان ، وبسبب من العواقب التى تنشأ عن وضع " مادة طازجة " فى وعاء صدءى . . الامر توفره عناية خاصة ولحم بعض الثقوب . . .

والرأى عندى يتمثل فى ان كل فصل بين ميدان انسانى وآخر بله الفصل بين الثقافة واداتها ، ليس فقط اصطناعا بل ومعوقا دون الوصول الى نهضة حقيقيه ايا كانت ، ومن زاوية موضوعنا هذا لا نتردد فى القول والتاكيد بان الذهاب الى ان تطوير الثقافة يجر معه تطوير اللغة ومن ثمه فلا داعى فى هذا المذهب الى شمل اللغة بالعناية اقول ان ذلك لو اتبع لادى حتما لا الى تعريب الفكر الاجنبي بل الى تغريب آخر ما بقي من امكانيات الفكر العربى . وبالمثل فان الاقتصار على تعديل الاطار دون مضمونة يؤدى كذلك هو الآخر الى ان يصبحا جلدا مجرد جلد على عظم . .

والاقرب ان الاستاذ الفيتورى لم يغفل عن هذه الحقيقة غير ان تأثره بما زعم من ان المجاهيد كانت فى الميدان اللغوى البحث اكثر منها فى الميدان الثقافي قد قاده الى رد فعل متشدد ادى الى ابداء مقاله وكانه لا يؤمن بضرورة مراجعة اللغة . . غير انه وقد وجد نفسه منخرطا فى ذلك قد اغرى بمجاوزة الغاية من تشدده كما هو الشأن فى المواقف المماثلة . . الامر الذى اضطره الى الاستنجاد بشواهد ما نراها الا ضده

ذلك ان التاريخ الذى حاول تاويله انما يؤيد ما نذهب اليه من ضرورة النظر الى الثقافة واللغة على انهما امران متكاملان ، فاذا كان للاولى تاثيره على الثانية فلا شك أن لحالة اللغة بدورها تأثيرا على الثقافة فتساعد على استيعابها او تمانعة .

وآية ذلك أن الحركات التثقيفية الضخمة التى شهدتها ازهى العصور العربية قد واكبتها حركات لغوية نحوية ، فردية وجماعية لاتقل عنها مجهود ولا ضخامة . . وهنا حقيقة جد هامة يجب التنبيه اليها ، تلك هى ان قدماء الفلاسفة العرب والأدباء والمفكرين عموما الذين اخصبوا الثقافة العربية قد كانوا في نفس الوقت نحاة ولغويين فساعدتهم صفتهم هذه على صفتهم تلك اما اليوم . حيث لا يتمتع اكثر مثقفينا الجديين وبذلك فقد تبدل الامر واصبح يساعدهم ان يظفروا بلغة هينة ودقيقة ، يتيحها لغويون . والعارفون من زملائهم . . . وبعبارة أخرى فان المفكر العربى القديم كان فى غنى عن مجهودات غيره من اللغويين وان توفرت فهو لتمكنه منها قادر أن يطوعها ويلينها ويستخدمها مطية مطيعة لافكاره بينما لا يوجد جميع مفكرينا اليوم في نفس الاستغناء . . .

هذا واحدة . فاما الاخرى فهى أن العربية اذا كانت قد استطاعت حمل الثقافة القديمة بدون ان تحتاج الى اكثر من التطويع الذى نجدها عليه اليوم فان الطابع المغاير لثقافة اليوم ليقتضى - كما سبق أن أشرت - تطويعا اعمق واشمل ، وذلك لان ثقافة ماتت بعض جوانبها - العلمية مثلا - لابد أن تكون قد أماتت معها بعض القوالب و " الطقوس " . . وذلك للعلاقه التكاملية المشار اليها

اعود اذن فالح على مراجعة جذرية وشاملة للغة والثقافة معا وذلك الى جانب النهوض بجميع الميادين الاخرى من صناعية وسياسية وروحية . ويوم أن يتحقق ذلك كما تحقق على منواله الازدهار التالد فستكون لنا لانهضه ثقافية فحسب بل و نهضة انسانية كاملة . . .

اشترك في نشرتنا البريدية