من مشاكل الجيل العربى الحاضر ، وبعد التأمل العميق والتفكير المدقق فى هذا التباين القائم بين الحضارة العربية الراهنة والحضارات الغربية بصورة عامة ، مشكلة حيوية خطيرة هى ام المشاكل ومحور جميع الاتجاهات والتطورات : اشرت الى مشكلة الثقافة العربية باطلاق
وان وسمنا المشكلة الثقافية بكونها المشكلة الحيوية الاولى بالنسبة للشعوب العربية فذلك راجع الى ما يوجد من علاقة جدلية جوهرية بين المستوى الثقافى من جهة وقيمة الحضارة من جهة اخرى بما لهذه الحضارة من جوانب فكرية وروحانية ومادية : فلا سبيل للثقافة دون مقدار ادنى من الحضارة كما لا بقاء لهذه الحضارة ولا نمو لها دون مستوى ادنى من الثقافة
وان نظرنا الى عصرنا هذا تيقنا ان مفهومى الحضارة والثقافة قد تطورا طبق اتجاه واحد :
مادة من جهة وعلوم وضعية من جهة اخرى ، وما بقى بين هذه وتلك تقاسمته نزعات الانسان الى المثل العليا وعالم الروحانيات
ومن فتح عينيه وتأمل مليا فى خصائص هذا العصر وسلم بما لظاهرة اسراع التاريخ من سيطرة عليه انتهى الى احد الموقفين حسب ميوله الفكرية : اما تشاؤم ينادى بأفول تلك المثل واما تفاؤل يخرج بها من آفاقها القديمة ويجعلها تخرق السماء وتفوت الصواريخ فتتجاوز الشمس والقمر
والباحث في الثقافة العربية في أيامنا تعتريه الحيرة لما يشاهده من تيارات متعاكسة واتجاهات متضاربة تتجاذب اطراف هذه الثقافة الهزول المتأرجحة بين احقاب الماضى ونشوة الحاضر واحلام المستقبل
فمنهم من قام ناعيا لتراث الاجداد باكيا عليه ومنهم من تمسك بالقضاء والقدر واعلن الاستسلام ومنهم من وثب للنضال وتأهب للعلاج
وهذا الفريق هو الذى يهمنا فى هذا الباب
الا ان هؤلاء القوم - حسب ما اعتقده ، وبقطع النظر عن حسن استعداداتهم ونواياهم قد استبدلوا الجوهر بالعرض عندما انكبوا باحثين عن وسائل العلاج واسباب النهوض بهذه الثقافة
استبدلوا الجوهر بالعرض لانهم اقتصروا على البحث عن وسائل النهوض باللغة العربية مهملين اصل المشكلة وهى النهوض بالثقافة العربية وبالحضارة العربية باطلاق
واستبدلوه كذلك بالعرض لانهم اقتصروا على هذه المشكلة الجزئية وتجاوزوا هذا القدر فى الحصر فضيقوا من نطاقها بان تناولوا جانبها الشكلى دون اعتبار هذه اللغة كائنا حيا ينمو ويتطور حسب قوانينه البنائية الخاصة : فقالوا بان الثقافة العربية ، ان لم تتسن لها اسباب الرقي والتقدم ومسابرة بقية الثقافات الغربية ، فذلك راجع الى ما تفرضه عليها اللغة العربية من خناق ثم نسجوا استدلالهم هذا على شكل قياسى الا انهم اختلفوا فى الاستنتاج فمنهم من قال بأنه لاسبيل للنهوض بالثقافة العربية الا اذا تخلصنا من ربقه الفصحى واحللنا العامية محلها . ومنهم من قال بالمنزلة بين المنزلتين فاخذ يبحث عن الاسباب التى تهئ انبعاث لغة وسط بين العامية والفصحى وهى ما سمى باللغة العربية العصرية . وكلاهما يخبط خبطا لانهما يبحثان عن اسباب العلاج وهما يجهلان اصل المرض ومن المصاب
فالمصاب فى الحقيقة ليست اللغة العربية بل الفكر العربى باطلاق والعليل ليست اللغة العربية بل الثقافة العربية بصورة عامة . وها هو التاريخ يقوم شهيدا على ذلك .
يقول القاضي صاعد بن احمد الاندلسي : " ان العرب فى صدر الاسلام لم تعتن بشئ من العلوم الا بلغتها ومعرفة احكام شريعتها " ونزيد التاريخ استفسارا عن سر تطور الثقافة العربية فيجيب بان اعراض العرب عن العلوم الاخرى كان يتناقص شيئا فشيئا بقدر انتشار دينهم واتساع مملكتهم واختلاطهم بغيرهم من الاجناس واطلاعهم على الحضارات الاجنبية كاليونانية والفارسية والهندية : فلم يمض الا مائة سنة او اكثر قليلا بين اعمق توحشهم وبين امتداد العلوم وانتشارها فى ممالكهم الشاسعة ، اذ انه ان كان عمر بن الخطاب قد امر باحراق مكتبة الاسكندرية سنة 641 ميلاديا فقد انتصب العباسيون فى الحكم سنة 750 ومن ثم انبعثت الحضارة الاسلامية وانطلق الفكر العربى متجولا فى جميع ميادين المعرفة الى ان بلغ اوجه فى ايام المنصور والرشيد وخاصة فى ايام المأمون :
ومن هذا يتضح ان العرب ، فى تلك العصور ، وان كانوا قد اخذوا علوما وفنونا كثيرة عن اليونان وغيرهم بواسطة الترجمة والاقتباس لايمكن ان يسلم بأنهم انما كانوا مقلدين لا مخترعين - كما يزعم بعضهم - لان التاريخ يشهد بان هذه العلوم التى ترجمموها من لغات اجنبية قد اخترعوا فيها وزادوا عليها . وهذا مما يجعلنا نستنتج
اولا : ان الفكر العربي له من المرونة والقابلية ما يجعله يسرع فى ميدان اكتساب العلوم والسير بها الى الامام
ثانيا : ان طبيعة هذا الفكر لا تظهر ولا يرى ضوؤها - كما يقول بن المقفع - الا اذا قدحها قادح من الثقافات الاجنبية .
ثالثا : ان اللغة العربية - من حيث هى وسيلة من الوسائل التى يستخدمها الفكر لتحقيق غايته الاولى وهى التعبير عما يتصوره من مفاهيم - قلت ان اللغة العربية لها من المرونة والطواعية فى قبول العلوم ما يجعلها تقوم بوظيفتها على احسن وجه.
فمن تامل هذه الحقائق تبين ان مشكلة العصر الاساسية ليست اللغة العربية بل الثقافة العربية بصورة عامة .
وقد يقف الذين على اذهانهم غشاوة ومن فى قلوبهم وازع التضليل قائلين " هو التاريخ لا يعيد نفسه فأجيب :
اولا : ان كان التاريخ لا يعيد نفسه فهنالك مجرى التاريخ الذي لا ينفلت عنه اى حادث انسانى مهما كان وأجعل الثقافة فى مقدمة هذه الاحداث الانسانية
ثانيا : ان لهذا التاريخ معطياته القارة وان هذه المعطيات بالنسبة للفكر العربي هي الجودة والقابلية من جهة وشدة التأثر بالثقافات الاجنبية وسرعة اكتساب المعرفة والقفز بها الى الامام ، من جهة اخرى .
ثالثا : ان مشكلة اللغة العربية تكون تبعا للمشكلة الثقافية الكبرى لان هذه اللغة ليست الا اداة تعبير يسخرها الفكر حسب غاياته ويكفيها حسب تطوره ورقيه . فيصبح تطور هذه اللغة مقيدا بتطور هذا الفكر مسايرا لنشاطه ونموه ، فعلى من اراد النهوض باللغة العربية والبحث عن اسباب تطورها كى تساير العصر بما له من مقتضيات فكرية وعلمية وفنية ان يعيد النظر لافى اللغة العربية بل فى اسس الثقافة العربية باطلاق .

