كنت اشعر بشئ من المتعة وانا أقرأ كتاب فى (( ربوع عسير )) المطبوع عام ١٣٧٣ للاستاذ محمد عمر رفيع وقد استعرض فيه بلاد عسير وتهامة وما فيها من المدن والقرى وحياة البدو ، وتحدث عن لهجاتهم وازيائهم المختلفة مما جعل فى الكتاب فى طرافة ملموسة وليس لى ان اعرف به أو اشيد بمجهود الكاتب فهما غنيان عن التعريف بمجرد نظرة يلقيها القارىء على الكتاب ، ولم يكن لى أية ملاحظة تستحق الذكر عليه اللهم الا شيئا بسيطا يتمثل فى بعض تحريف حصل فى اسماء بعض القرى فى تهامة وفي لهجات اهل صبيا وابى عريش ومعلومات اخرى سجلها اثناء مقامه في جازان فأقول :
جاء بصحيفة ١٣٥ ان اهالى صبيا جارية الطمطمانية فى لهجاتهم الا انهم ينطقون احيانا بلام التعريف واقول : ان هذا القول فيه بعض التجوز . . فاهل صبيا ليس للطمطمانية نصيب فى لهجاتهم والشائع بينهم استعمال اداة التعريف التى يتميزون بها بين سكان المخلاف السليمانى وقال بصحيفة ١٥٣ ان اهل ابن عريش ينطقون بالطمطمانية ويبدلون الهمز عينا فى لهجاتهم فيقولون (( امسؤدى )) فى (( السعودى )) واقول : ان الطمطمانية متفشية بعض الشئ فى لهجاتهم ، وليس فيها ما يعيب ويقصد
بالطمطمانية ابدال اللام ميما فى آلة التعريف كقولهم (( امسوق )) فى السوق (( وامسجد )) في المسجد وقد ذكر المؤرخون انها توجد فى بعض قبائل حمير وهي لغة معترف بها بين العرب وقد تكلم بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (( ليس من امبر امصيام في أمسفر )) اما الانئنة وهى ابدالهم العين همزا كألى فى على وأبد الله فى عبد الله أو العنعنة التى تعرض احيانا في لغة تميم كقولهم : عاسف في آسف واسعل عنك فى اسأل عنك فهاتان الانئنة والعنعنة يتكلم بها بعض افراد اهل اليمن المنتشرين فى ارجاء الجزيرة بيد انهم فى بعض الاحيان يذكرونها لفظا ويفارقونها خطا اما جازان وابو عريش وصبيا ، وسائر الخلاف فليس فى لهجاتهم أى عارض من العوارض التى تعرض لالسنة العرب فهم ينطقون بآلة التعريف وهي السائدة بين التهاميين وقد سبقت الاشارة اليها وجاء بصحيفة ١٥٣ وصحيفة ١٥٤ قوله : (( السوق فى ابو عريش والطريق من أبو عريش )) واقول : ان الكاتب استعمل في كلمة ابى عريش الواو في حالة واحدة فى الرفع والنصب ، والجر ولم يجعل للعوامل قيمتها المعمول بها ولعله اعتمد فى الملازمة على الحكاية فسلك طريق تلك الملازمة على الحكاية فسلك الطريق
المرجوح وتجنب الراجح ، وجاء بصحيفة ١٥٠ قوله : (( مررنا بقرية على ضفة وادى حيزان تسمى القويصة )) وصحة الاسم القويعية بعين بدل الصاد . . ويقول فى بعض قرى ضبيه وخظرا ، وحوتين وهى لا تعرف اسماؤها ولم يطلق عليها آلة التعريف لانها تنطق معرفة ثم يحدد الكاتب تهامة فيقول بصحيفة ١٥٨ ان اقليم تهامة المعروف قديما بالمخلاف السليمانى يبدأ من القحمة شمالا الى الموسم جنوبا . . . والحقيقة ان الخلاف السليماني يبدأ من حلى ابن يعقوب شمالا الى الشرجة جنوبا ، اى الموسم وقد اشرت الى ذلك مفصلا فى مجلة المنهل فى العدد الصادر فى شهر جمادى الثانية ٧٣ تحت عنوان ( اعرف بلادك ) وقال بصحيفة ١٥٧ ومن صادرات جيزان المهمة ثمرة شجر الدوم الموجودة بالمنطقة بكثرة وتصدر الى مصوع ، وعدن وغيرها . . وحقيقة الامر ان جازان لا تعتمد فى صادراتها على ثمرة شجرة الدوم المعروف لدينا بالملح ، وان صادراتها هى الذرة والدخن . . والسمسم والسمن والعسل والزيت والجلود والخوص والجبين أى الليف ، وتصدر من الحيوانات الابل والبقر ، والضأن والمعز الذي لا ينقطع تصديره طيلة العام . .
وقال بصحيفة ١٥٧ (( انه جرى احصاء فى جيزان قبل مدة وجيزة ، فقد بلغ عدد السكان ٩٠٠٠ الف نسمة ولا يبعد انهم الآن عشرة آلاف واقول انه لم يجر احصاء عام فى جازان وكل ما هنالك انه فى عام ١٣٦٠ أمر الملك الراحل رحمه الله بتوزيع مئات الاطنان من حبوب الزكاة على من
تنطبق فى حقهم آية الصدقة وهم الذين بلغوا تسعة آلاف نسمة من سكان جازان فهم الآن على الاقل نحو خمسين الفا . . وجاء بصحيفة ١٩٥ تحت عنوان البرتقال الجيزانى مانصه
(( ومن المفارقات الطريفة فى جيزان والتى يقع الغريب معها فى مفاجآت مضحكة اطلاقهم كلمة البرتقال على النشوق الذى يتخذ من مسحوق اعواد التمباك وتستعمله طبقات العمال تخزينا فى الفم فقد ذكر لى صديق انه جاء من جيزان وسمع عرضا كلمة البرتقال فارسل من يشترى له ، فاذا الرسول يأتيه بالنشوق ويقول جئتك ببردقان ناهى أى جيد . . ))
سامحك الله يا استاذ . . الواقع انها قصة طريفة ومفاجأة غريبة لم تطرق قبلا مسامعنا فقد اضحكتنا كثيرا كما أضحكتك ، فكلمة البرتقال والبردقان متقاربتان في اللفظ لذلك وجدت الاسطورة طريقها فكانت هى الاخرى جديرة بالتسجيل فالبردقان هو عبارة عن مسحوق اعواد التمباك والبرتقال الفاكهة المعروفة فى جازان من فجرها الوليد لان لها يا استاذ ميناء ترسو به البواخر ولها ما يقرب من المائه من سفنها الشراعية تجوب الموانئ لنقل الغذائيات والكماليات ، وكانت الفاكهة المومأ اليها وما تزال يتجر فيها بعض المواطنين ومهما كانت اللفظتان متقاربتين فلن تشتبه علينا بأي حال من الاحوال
أما ما جاء بصحيفة ١٥٧ فقد كان دعاية طيبة لجازان من الكاتب خليقة بالتقدير لولا انها جانبت الحقيقة والواقع ، فأقول : لقد أشار
بلغت في السنين السابقة ١٢٢٧٠٠ صاعا جازانيا والصاع الجازانى عبارة عن اربعة اصواع نبوية وباضافة زكاة الدخن على الذرة مبلغ ( ٤٩٠٨٠٠٠ ) فيكون الجميع ( ٩٨٢٦٠٠٠ ) صاعا نبويا والحقيقة ان هذا المبلغ مشكلة حسابية عويصة مبالغ فيها لان زكاة الحكومة من الصنفين الذرة والدخن بلغت زهاء مليون وذلك فى عام ١٣٥٧ أى ( ٤٠٠٠٠٠٠ ) صاع نبوى
وبعد فان الكتاب تحفة ثمينة
قد جمع حقائق بين التاريخ وطرائف الذكريات الممتعة والوصف الشائق وهو الى جانب ذلك صورة واضحة للحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فى ربوع عسير يشهد لصاحبه بدقة الملاحظة ويقظة الاحساس فله منا الشكر الجزيل وجزيل الثناء . .
جازان
