الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

سامر الحى، ،

Share

خرج من بيته ذات صباح مشرق زاه ، واتجه بخطى حثيثة الى المقهى التى اعتاد أن يقضى فيها ضحوة كل يوم ، قتلا للوقت ، وهربا من الوحدة ، اذ لم يكن له عمل يقوم به غير البحث عن التسلية ، وخلق الجو المناسب لاقامته القصيرة التى أراد منها ، بصورة خاصة ، عرض نفسه على طبيب اختصاصى .

لقد حرص اليوم على أن يسبق بقية الشبان العرب الذين كانوا يفدون عليه ، بين اليوم والآخر ، فيحدثهم عن روائع الفن والادب ، ويروى لهم طرفا من حياته الصاخبة ، وايامه العامرة ، وينشدهم الوانا من جميل الشعر وبديعه فتهتز النفوس المتحمسة لما فيه من وطنية ملتهبة ، وتتقد العواطف لرنبن اللوعة والحزن والشجا والكآبة ، وتثور الذكريات ، الحلوة والمرة منها على السواء مشرقة عارمة وضاءة .

كان قد عقد النية ، فى هذا اليوم بالذات ، على البحث عن مصدر جديد لالهامة ، فهو شاعر يركض خلف اللفتة الشاردة ، الحركة العفوية ، والخاطرة الرشيقة ، شاعر ذو عواطف متسعرة ، ومشاعر مرهفة ، واخيلة واعية ، وذوق انيق مترف ، يستلقط اللفظة المشحونة الموحية . لقد اعاد قراءة بعض قصائده الرنانة قبل ان يترك فراشه ، ولما اراد ان ينهض وضع ديوانه المكتوب بخط يده فوق الخزانة الصغيرة قرب رأسه الى اليمين ، وتطلع فى السقف لحظة مفكرا ساهما ، ثم خطر له انه يعيش منذ ايام فى مدينة ينعكس كل ما فيها من روعة وانق وبهاء على شفاه عذاراها الفاتنة وترتسم على ملامحهن حكايات الحب والفن والشعر والموسيقى . كان يعلم بهذا سلفا ، ومن ثم فلا بد له اذا من ان يجد موضوعا جديدا لقصيدة عصماء تزيد ديوانه اشراقا وصفاء .

اذا اقتربت منه وقف يصافحك فى حرارة وبادب جم ، وهو لا يفعل ذلك عن مجاملة او محاباة ، ولكنه ، كعربى مؤمن بعروبته ، يحاول ان يتحلى ، قدر المستطاع ، بخلق العربى النبيل وشهامته وتواضعه ، حتى انه ليذكر اسمه بصوت خافت ، يترك فى اذن السامع رنة مبهمة ، ولعل ذلك يحدث عن عمد منه ورغبة ، فاسمه يلمع كالشهاب ، ان داخل بلاده او خارج حدودها ، ولهذا كثيرا ما يلجأ الى ذكر اسمه ، الذى لا يعرفه الا من كان على صلة وثيقة به ، كثير الاختلاط بمجاله ، ليبدو شخصا عاديا ، مجرد انسان ما , وليتجنب علامات الدهشة وعبارات التبجيل والتعظيم ، ويبالغ فى التعمية ،

بحيث يوفر في نفسك انه يتعمد ان يحيطه باسرار مثيرة ، تدفعك الى استكناهه واكتشاف حقيقته . اما اذا كنت تعرف اسمه الفنى مسبقا . وكان له فى نفسك معنى ، فانك تشعر فى حينك بنغمه عذبة تنساب فى اعطافك ، رخية سلسلة مستساغة ، اشبه ما تكون باغنية بدوية تتردد اصداؤها فى شعاب جبل شاهق .

دخل الى المقهى وجلس فى مكانه المعهود ، قرب الشباك الزجاجى الكبير ، حيث يستطيع التطلع الى الشارع من خلف الستارة الشفافه ، يلاحظ الذاهب والمقبل ، كما ان فى وسعة ، من هناك ، ان يراقب الجزء الاكبر من المقهى ، دون ان يفوته شئ ، او يخفى عن نظراته داخل او خارج من الباب الواقع عن يمينه إلى الامام منه . وفى الجهة المقابلة له شباك آخر مماثلا لذلك يتيح له ان يتأمل الجالسين خارج المقهى . ازاء شجيرات خضر ، كانت تنتصب فى جرار مختلفة الحجم .

كان شاعرنا ، ابن العربية الفحل ، قصير القامة ، اسود العينين ، اشيب الرأس ، اسمر الطلعة ، صغير اليدين متغضنهما ، مرجرج النظرة حالمها . وكان حاجباه الاسودان يلقيان على عينية ظلالا خفيفة تزيد من سواد محجريهما وتضفى عليهما جاذبية اخاذة .

ما ان قعد مكانه ، حتى اخرج من جيبه ، بحركة كادت تكون آلية ، سبحة تتدلى من رأسها ثلاث سلاسل قصيرة تنتهى بأقراص ذهبية صغيرة وطفق سحب حباتها مثنى مثنى ، وهو يتطلع فى وجوه الصباح التى جلست عن كثب منه ، تحتسى القهوة او تدخل او تنظر ، ساهمة ، فى كراسة مفتوحة فوق الطاولة . كان يبدو عليه انه يداعب حبات تلك السبحة لمجرد التسلية لا غير ، كما هو معروف بين سكان الشرق العربى .

نظر ذات اليمين وذات الشمال عله يلمح سحنة عربية ، تطالعه من جهة ما ، فيبادر إلى استقبالها ببشاشته المعهودة فهو لا يحب ان يبقى وحيدا بين الوجوه الغريبة عنه ، ولكن نظرته تراجعت خائبة ، ولم يفهم او بالحرى لم يجد سببا معقولا يبرر تأخر الشباب عنه وتركه وحيدا لا انيس له . انه ليحس بلحظة الوعى ، غفوة الابداع تداعب خياله وتدغدغ قريحته فى رفق ولين ، ولا يعوزه الا موضوع القصيدة . وكان يامل ان توحى له به احاديث الشباب عن جميلات فيينا !

سقطت بعض الشعرات الشهب فوق جبينه ، فمد اصابعة ليبعدها عنه ، وفى اثناء ذلك خيل اليه انه يرى وجها جديدا لم يسبق له ان رآه فى هذا المقهى . رآها واقفة ، على بعد خطوات منه ، تعدل كرسيا لتجلس عليه فارتبطت نظرته بها بغتة ، واتسعت فى اعجاب ودهشة ، حتى اوشكت ان تلتهم جسدها المفعم انوثة وسحرا .

وجلست قبالته بعد ان القت عليه نظرة سادرة ، مرت به صدفة ، ولكن عينه الشاعرة اكتشفت فيها جاذبية وسحرا لا حد لهما . فشعر بقلبه ينكمش فى صدره ويلتز به ، يختفى فى طياته ، كما لو انه يخشى ان يكتوى بنار حب لا قدرة له على احتماله . فان له زوجة يحبها اسمى الحب ، ولكن هل يغض الشاعر الطرف عن متاع الدنيا ؟ لقد شاخ واصبحت مغامرات الشباب بالنسبة له ماضيا انقضى بلا رجعة ! ولكن هل يشيخ قلب الشاعر ويتوقف عن خفقانه بالحب وتصفيقه للجمال فى اروع صوره ؟ الم يحب غوته الجميلة اولريكا وهو فى الرابعة والسبعين . بينما لم تكن هى تتجاوز التاسعة عشرة ؟

شعر بشئ يسرى فى اعطافه ويملاها دفئا ومراءة ، عذوبة تسيل فى اعماقه زاخرة . فراح يشخص اليها ، يتأمل الانف الدقيق ، والعينين الحالمتين والثغر الجميل الذى تحف به بسمة فاتنة ، والشفتين اللتين تدعوان الى قبلة , غيبوبة فى ظلال الاحمر الصاخب ، والشعر المعقوص الذهبى المتمرد فوق الجبين المتفصد رقة وصحوا وعنفوانا . كانت نظرته الوالهة تتشرب الجسد الانثوى الرائع ، فيهتز قلبه نشوة وعربدة وحنينا ، وهى تمد الشفتين اليانعتين لتحتسى القهوة . وتمنى وهو الشاعر ! ، ان يكون مجرد رشفة , مجرد رغوة تائهة عائمة فوق صدر الكاس ، تلامس شفتيها فيتلاشى فى دمها الدافق الحار .

ويعود الى سبحته يضم حباتها ويضغطها بشدة ، متوهما انها اصابع الفتاة التى يحترق فى معبد حسنها ، فى بسمتها الفاتنة ، فى نظراتها اللاهية . وفجأة لاحظ انها تنظر اليه . فتراجعت نظراته هو ، متلصصة ، وأخذ يتأمل البنات الاخريات ، متلهيا بمقارنتهن بجمالها ، يقيس هذه بتلك ، ان تلك جميلة كذلك ، ولكن احساسه الواعى يظهر له نقصا ، عيبا ما ، يشوب حسنها . وهذه عن شماله رائعة ايضا ، لولا ، لولا بسمتها المعوجة .

وبدأ يسارقها النظر من جديد ، ويمتحن كل جزء منها ، كل ما يبدو له من جسدها ، عله يعثر على نقيصة ما ، على قبح ما فاحش ، يحول دون اكتمال جمالها ، ولكنه لم يجد شيئا من شأنه ان يفسد الصورة التى تمت فى ذهنه ، صورة فوق اية صورة . ولم يبق له الان ألا ان يجد اطارا لهذه الصورة ، ان يبتدع الوانا وظلالا تبرزها ، ترسمها لوحة نادرة المثال .

كانت للشاعر موهبة فريدة ، تتيح له ان ينظم القصيدة ، ويحفظها باسرها ، دون ان يضيع منه حرف واحد . ويظل يرددها فى وعيه ، كلما تهيأت المناسبة لذلك .

وفرك جبينه برؤوس اصابعه ، وهو ينظر اليها من خلالها . وسرعان ما بدأت الكلمات ، الالفاظ تتجمع فى رأسه ، اللفظة اجمل من اختها .

وتعرض نفسها عليه ، قشيبة مشحونة ، اشبه بالعرائس التى كان يقارن احداهما بالاحرى ، ويقيس ويوازن ويختبر ، وما عليه الا ان يختار اقدرها على اداء درجة القلب ، وهيجان العاطفة ، وتسبيحة الخيال ، وغزارة القريحة , وفيضان الحوائج والتياعة الصدر المتفتح للحب والحسن والجمال . فها هى القصيدة تلتقم فى مخيلته تدريجيا ، وعيناها الصافيتان العميقتان توحيان اليه بالمعنى الدقيق ، والعبارة المستهامة . فتتسابق الالفاظ لتشغل مكانها اللائق بها ، المحدد لها ، دون ان تزيد او تنقص عن قالبها ، لتشارك فى تكوين الصورة . تركيب القصيدة ، تجسيد الغانية التى تزلزل اركانه , من هناك ، قبالته ، تحتضن عينيه الغارقتين فيضان الالهام .

لم يلبث ان اختفت عنه ، ولم يعد يراها ، فقد اغمض عينيه عنها ، تحولت فى راسه الى قصيدة تعمر افياء مخيلته ، مراتع وعيه ، ومجاهل تفكيره ، فى هذه اللحظة التى عاود فيها النفس الحنين الى ايام المرح واللهو والشباب . اصبحت قصيدة ، ولكنها لم تتخذ بعد شكلها النهائى .

راح يبعد هذا اللفظ ، لانه لا ينطبق عليها تماما ، ويشذب هذه العبارة ، ويجرى وراء فكرة ارقى تابى ان تتسم بالحيوية والرشاقة والجلاء ، فلا بد ان تستضئ جوانب اللوحة ، وتتناسق اجزاؤها ، وينساب النغم الموسيقى عذبا ساحرا . ومن ثم يقتحمها من جديد ، يواصل النظر اليها ، والسبحة تنعصر بين يديه ، وتفلت منهما ، وتقع ايضا ، فينحنى يرفعها ، ثم يضع رجلا فوق اخرى ، وعينناه منغرزتان فيها ، فى محياها البديع التكوين . ويتكيء علىه اليمنى ، مائلا نحوها ، يتملاها من جانب ، ثم يرفعها ليصلح رباط عنقه ، ويمسح وجهه ، وقد تاهت اصابعه فوق سحنته .

انها لا تبالى به . ليتها تنظر اليه الان ، تجود عليه بمجرد نظرة فارغة ، فقد توحى اليه بما يبتغى ويريد . وما ذا يريد منها غير الصورة ، غير القصيدة ، ليحتفظ بها ، برسمها الجميل ؟ وهل يطمع فى اكثر من ذلك ؟ قد يكون له مأرب آخر ، فهو مجرد انسان ، انسان شاعر يحب ويشتهى ويرغب ولكنه لا يروم الساعة غفوة الوحى ، شرود الالهام فحسب ، بل يحن ايضا إلى تحية عينيها ، ارتفاع رأسها فى اتجاهه . عساها . . عساها . .

وبعد لحظة رآها ترمقه ، التقت عيناه بعينيها فى معانقة كادت ان تطول لولا ان نظرته اتسعت اكثر مما ينبغى . فخفضت بصرها ، واطمأن هو . . اطمأن ! لقد اكتمل البيت الاول ، مطلع القصيدة ، وذاك هو المهم واخذ يرده دون ان يحرك شفتيه . وسرعان ما تدافعت الابيات فى راسه ، ازدحمت متتابعة ، فيقدم هذا ، ويؤخر ذاك ، كى تستقيم القصيدة وتلتحم وتتناسق . وما ان انتهى من ذلك ، حتى جعل يتأمل محياها ، صدرها , يديها ، ليعرف ما اذا كانت اللوحة تلائمها ، تنطبق عليها تماما ، ما اذا كان قد نسى ملمحا فيها ، فى طلعتها البهية ، لم يظهره ، لم يبرزه الى ميدان

الملاحظة ، الى حيز الرؤيا ، الشعرية . فوجد فى القصيدة صورة لها ، رسما بديعا يكشف عما حبتها به الطبيعة من فتنة وجاذبية وجمال .

ابتهج الشاعر لقصيدته ، فرح بمولوده الجديد . انها ستكون اروع ما نظم ، ما تفتحت عنه قريحته ، نادرة كندرة هذه الفتاة التى اوحت اليه بها . وحين ينشرها ستعتبر فتحا جديدا ، ميلاد شاعر من طراز جديد ، لم يعرف بمثل هذه الرقة ، هذه القوة وهذا العنف ، مرحلة جديدة فى حياته الشعرية ، دنياه الفنية .

واخيرا ابتسم لها دون وعى منه ، كانه يشكرها فى اعماقه ، يرتل آيات حسنها ، خاشعا متعبدا . الا ان كل ذلك لم يدم طويلا ، اذ ما فتئ ان رآها تلملم اشياءها ، لتنهض ، ولعل نظراته المحمومة اليها قد ضايقتها . فانتفض شئ فى صدره ، فاسرع يعبئ اعماقه من حركاتها الرشيقة . وما كادت تبتعد عن الطاولة ، حتى لاحظ انها عرجاء ، تكاد تسحل قدمها اليمنى سحلا . فاين مكان هذا العيب فى القصيدة ؟ بل اين القصيدة نفسها ؟ لقد صدم شاعرنا ، واضطربت افكاره واختلطت ، فتحطمت اللوحة فى وعيه ، وتناثرت الفاظها فى مكان ما من رأسه ، لا رابط لها اطلاقا . ضاعت منه القصيدة بكل روعتها واناقتها ، ولما تكد تلتمع ، كما ضاعت منه صاحبته ، وتلاشى جمالها على قدمها العرجاء .

بعد ربع ساعة اقبل بعض الشباب ، فقام الشاعر لاستقبالهم ، وشىء من الكابة يحوم على وجهه . وعندئذ تذكر انه هو الاخر يعرج منذ سنوات ، فاتسعت بسمته وغارت نظرته .

اشترك في نشرتنا البريدية