الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

ستعيش الفكر

Share

ليس لى فى هذه المناسبة السعيدة المؤثرة ما أقول ، لان ما قد أقوله ، مكتوب ، تشهد عليه المجلدات الخمسة والعشرون المعروضة عليكم في مدخل هذه القاعة ، وليس لى ما اضيف على ما قلته فى مناسبات عديدة للصحافة والاذاعة والتلفزة حول ظروف تأسيس " الفكر " والاسباب التى دعت الى ذلك او الاسرار التى قد تفسر ديمومة " الفكر " وطول نفسها وانتظام بروزها . على ان الذي سمعته الآن اثر فى ايما تاثير لانه تنويه بمشروع ثقافى ادبى ، تونسى ظهر بظهور بشائر الاستقلال ولا يزال يبرز صامدا فى خدمة الثقافة العربية بهذه الديار .

ان الذى استمعنا اليه الآن يؤكد ان نضال الفكر طيلة خمس وعشرين سنة اسفر عن نتيجة وهى المساهمة ولو كانت متواضعة فى خدمة الادب العربي في تونس والمغرب العربى ، وانه شجع ، ودعم ، وثبت اقدام عدد كبير من الادباء والمثقفين الذين اصبحت لهم اليوم منزلة مرموقة ، ولا يزال هذا المشروع الثقافى الادبى ياخذ بايدى بعض الشبان الذين لم يلمع اسمهم الى اليوم ولكنهم سوف يكتب لهم النجاح ، ورسوخ القدم فى السنوات القادمة بحول الله

الى انه من الواجب ان اشكر فى هذه الكلمة الوجيزة ، اولا لجنة التنظيم وعلى رأسها أخي وصديقى الاستاذ محمد فرج الشاذلى والتى بادرت بتنظيم هذا الحفل ، وسهرت عليه وبقية الاعضاء وخاصة الاخ محسن بن حميدة والاخ الحبيب شيبوب الذى حرص شخصيا على الاحتفال بمرور خمس وعشرين سنه على تأسيس مجلة " الفكر " اشكرهم شكرا جزيلا واهنئهم بهذا النجاح الذى اعتبره جزاء لما وفقت اليه من الجهود المتواضعة ، تشجيعا على مواصلة السير وتمكين هذه المجلة من الاستمرار فى كفاحها

واشكر كذلك كل من تفضل بالمساهمة فى هذا الحفل ، سواء من التونسيين او من اخواننا الآتين من البلدان العربية الشقيقة معبرا لهم جميعا ، باسم اسرة الفكر ، وباسمى الشخصى ، عن وافر التقدير وصادق الاعتزاز

واود فى هذه المناسبة ان اتوجه ايضا بالشكر الى كل من ساهم فى المجلة ودعمها فى وقت كان اليأس ، والقنوط ، واللامبالاة ، والفتور ، جاثمة كلها على عقول الكثيرين من الادباء والكتاب وقلوبهم . سواء الذين بقوا معنا مدة محدودة ، أو الذين واصلوا السير الى جانبنا ، وإن " الفكر " مدينة لجميعهم ولهذا أحضهم على ان يواصلوا معنا المسيرة ، وان يساهموا فى اعلاء شأن هذا المجلة حتى تستطيع اكثر من ذى قبل تأدية رسالتها كاحسن ما يكون الاداء

ولعل سرا من اسرار نجاح هذه المجلة هو انها مشروع هواة : من مديرها ومؤسسها الى رئيس تحريرها الى العاملين فيها او المشجعين لها كلهم من الهواة ، وكلهم يشعرون بالنخوة والمتعة عندما يخصصون بعض أوقات فراغهم للكتابة أو المراجعة أو النقد ، أو جلب الاشتراكات او الانصار ، إن هذا المشروع مشروع هواة وهذا سر نجاحه ، ولقد تكبدنا في سبيل ترسيخ قدمه عناء كبيرا ، اذ لم نعتن فقط بشؤون الكتابة والطبع ، والاصلاح بل كنا نتجول من مدينة الى مدينة ، لجمع الاشتراكات ، لانه لم تكن لنا موارد والمجلة ليست مجلة رسمية ولا حكومية خلافا لما يهمس به بعض المتفرجين وكنا نعتمد على بعض الاصدقاء والمعلمين والمتفقدين ، وهذا ما يفسر التعارف الجميل والمبارك الذى تم بين الاخ فرج الشاذلى والاخ الحبيب شيبوب فى باجة لان الاخ فرج الشاذلى عندما كان يمارس مهنة التعليم كان يحمل في جيبه دائم مقتطعا للاشتراكات في الفكر ، وكان يحرج اصدقاءه لحملهم على الاشتراك وهو واحد من عدد كبير من الاخوان الذين تحملوا هذه المسؤولية ، وهذه المشقة فى آن واحد كهواة ، وفي سبيل الله ، وكنا ايضا نتجول فى المدن للاتصال بالباعة والسعى لان يتفضلوا فيتقبلوا عددا من النسخ ولو متواضعا من الفكر لعرضها على الناس وبينما كنت أستاذ فى المعاهد الثانوية وفى جامع الزيتونة أتجول من بائع الى بائع ومن مكتبة الى مكتبة ، وأنا أقنع وأترجى وأتلطف حتى يتفضل هؤلاء الاخوان بتقبل المجلة وبعرضها فى مكان مناسب وكثيرا ما كان عرضها فى مكان مناسب يعتبر كفرا ، لان عرض الانتاج التونسى المحلى لم يكن معتبرا مربحا من الناحية التجارية ثم قوى عود المجلة واشتد واصبح لها انصار كثيرون ، ومشتركون كثيرون ، وآمن الكثير فى

تونس وفى العالم العربى بأن مجلة الفكر ليست كالمجلات التى سبقتها ، وان من يدفع اشتراكا يثق من انه سيتسلم الاعداد العشرة السنوية من دون شك .

وان هذا ليعد " وقاحة " ازاء استقراء حياة المجلات فى تونس ، " وقاحة " تتمثل فى صمود المجلة ، بالرغم من ان استقراء المجلات فى تونس يفيد انه ما من مجلة ظهرت الا وتوقفت بعد شهر أو شهرين ، بعد عام أو عامين ، فهذه " الوقاحة " موجهة ضد خصائص تاريخ المجلات بتونس وتتمثل فى دوام مجلة تونسية ، متواضعة ليست لها ادارة ولا موارد مالية ولا موظفون ولا حتى محل تملكه ، فنحن من أول يوم ضيوف عند الغير الى اليوم ، كيف يمكن لهذه المجلة اذن وهي غير متواطئة مع اية جهة من الجهات ، وهي مستقلة تعمل بالمثل العربى تجوع الحرة ولا تاكل بثدييها " وتعتبر الكرامة واستقلال الرأى وعدم الانحناء فى مقدمة مبادئها ، كيف يمكن لمجلة كهذه لا تركن الى الاشهار الرخيص ولا تستعمل ما يغرى بالصورة ولا تتملق العواطف والغرائز ، ؟ كيف يمكن لهذه المجلة فى تونس التى لم تعمر فيها اية مجلة من قبل ، ان تثبت ، وان تبرز باطراد ، وان لا تتخلف ولو يوما واحدا عن ميعاد صدورها الشهرى ، ؟

وانتهى امر المتفرجين الى اعتبار هذه " الظاهرة " خاصية غريبة وقالوا وتعجبوا ، كيف يمكن لمجلة ان تثبت ، وان تواصل شق طريقها بهذا النجاح الباهر وطول النفس غير المعهود من قبل ؟ وانما السبب قد شرحناه مرات كثيرة ، ومما يجب ان اقوله وأؤكده هو أن كل من ساهم معنا إنما هم من الهواة ، ولا يسعنى الا ان أذكر للتاريخ فى مقدمة هؤلاء الهواة ولو ان هذا قد يخدش تواضعه ، مساهمة الاخ العزيز البشير بن سلامة ، رئيس تحرير المجلة وتفانيه واخلاصه وكفاءته وايمانه ووطنيته وهو الذي واكبها منذ تأسيسها عندما كان تلميذا ، ثم طالبا ، ولا يزال الى اليوم وهو يحنو عليها ويخصص لها من وقته على حساب صحته وواجباته نحو عائلته ونحو نفسه الوقت الكثير ، ووراء كل مشروع نجد رجلا أو رجلين هما سر نجاح المشروع ، وأريد كذلك ، وهذا غير مألوف فى مثل هذه المناسبات ، أن أنوه بالمؤسسة التى كنا ولا نزال دائما أوفياء فى طباعة الفكر فيها ، وهى الشركة التونسية لفنون الرسم التى كانت تطبع لنا المجلة عندما كانت مؤسسة فى نهج " سيدى البنا " فى مكان متواضع وبوسائل متواضعة فكان صدرها رحبا رغم ذلك وكان صبرها كبيرا ازاءنا ، اذ نحن لا نتمكن فى كل شهر ولا حتى فى كل شهرين

من تسديد ما علينا من تكاليف الطباعة ، وكنت استاذا وكان مرتبى الشهرى 49 أو 48 دينارا ، ومرتبى أنا وزوجتى يفوق شيئا ما 90 دينارا . كنا نمول المجلة بشئ من مرتبى ومرتب زوجتى وكنا استاذين منذ عام 1950 ، فكانت المطبعة تصبر علينا ، واذكر فى ذلك الوقت المرحوم الحاج محمد بن جمعة وطبعا الاح الفرجاني بلحاج عمار رئيس المؤسسة وأذكر بالخصوص الأخ السيد على المقايسي الذي كان هو المسؤول الفنى الأول عن المطبعة والذى يساعده اليوم الاخ صلاح الدين زروق وهؤلاء الاخوان لم يتفهموا تواضع امكانياتنا فقط ، بل كانوا ولا يزالون الى اليوم هم وكل العملة والفنيين يتحمسون للمشروع ويلتزمون باعداد المجلة في آخر كل شهر ، لتكون جاهزة في غرة الشهر الموالى فهناك عشرة بيننا وعادات طيبة ، ونحن لم نفكر أبدا فى الخروج من هذه المطبعة وهذا أيضا من باب الوفاء بحيث ان الشركة التونسية الفنون الرسم ، معنا طيلة خمس وعشرين سنة ونحن معها وسنبقى دائما معها لاننا استطعنا ان نخلق فى الفنيين والعملة وعيا باهمية هذا المشروع الثقافي فهم اليوم ملتزمون معنا وشاعرون بدور " الفكر " فى النهضة الثقافية بالبلاد وهم كلهم وطنيون ويعتبرون ان العناية بالثقافة فرع من الوطنية

واشكر كذلك كل الاخوان الذين تجاوبوا معنا ، واعانونا وساهموا في المجلة او عرفوا بها من الجزائر والمغرب وكل البلاد العربية الشقيقة ، وفعلا كانت الفكر ولا تزال هي المنبر الذى من خلاله وبواسطته يتعرف اخواننا المشارقة على الادب التونسي ، ولقد وفقنا توفيقا كبيرا بين ضرورة اخلاص الفكر الى واقع تونس او المغرب العربى وبين اخلاص الفكر الى بعدها العربى وبعدها الاسلامي ، لان الفكر فى افتتاحياتها وفى اتجاهاتها وفى اغلب ما ينشر بين صفحاتها كانت ولا تزال تشجع الانتاج التونسى او المغربي الاصيل وهذا فى اعتقادنا ، اكبر خدمة للثقافة العربية منذ 1955 الى اليوم ، لانه لو اكتفينا بتقليد المشارقة فى انتاجنا لقال اخواننا المشارقة ) بضاعتنا ردت الينا ( ولكنا عالة عليهم ، انما التصقنا بواقعنا ، واستوحينا ما استوحينا من ظروف عيشنا ، ومن ملابساتنا التاريخية ، والطبيعية والثقافية واللغوية ، حتى نساهم بحساسيتنا وطرافتنا وعواطفنا وتمشى تفكيرنا فى اثراء الفكر العربى المسلم .

وهذا صحيح بالنسبة الى الانتاج الفكرى والادبى فى القطر التونسى نفسه ، اذ لا يعقل ان يكون ادب اديب فى " الجريد " شعرا كان ام قصة او غيرها

نفس الادب الذي قد ينتجه اديب تونسى مناحل ، او من " جمال خمير " ذلك ان البيئة والظروف والعادات والافراح والاعراس والماكل والماتم واللهجات كل ذلك يؤثر ويكيف الاديب فاذا كان الاديب مصغيا الى واقعه ، ملتصفا بمعطيات بيئته فانه يفرز ادبا ملونا مكيفا متاثرا بالبيئة التى فيها يعيش كما اننا نشجع فى القطر التونسي الادباء على ان يكونوا اوفياء لواقعهم ، كذلك نشجع الادب الجزائرى والمغربى فى نطاق المغرب العربى الكبير الكبير حتى يكون الادب المغربي ، بمعنى المغرب الكبير لبنة ونسغا حيا دفاقا في سبيل اثراء الادب العربى الاسلامى ، وكنا نقاسي من جراء هذا الموقف الامرين لانه عندما نتحدث عن التونسة سرعان ما يتصدى لنا الذين يفكرون بالشعارات ولا يفكرون بالمقولات ، فيقابلون بين التونسة والعروبة بينما التونسة هى أكبر خدمة للعروبة ، لان العروبة هي نهر كبير وكل قطر بما ينتجه انما هو رافد ينصب فى ذلك النهر الكبير ، نهر العروبة والاسلام ، ولهذا بقدر ما نكون أوفياء لانفسنا بقدر ما تكون أوفياء إلى الامة العربية الاسلامية

هذا وجه من وجوه الاصالة ، لكن تكبدنا من أجله وفى سبيل التعريف به الكثير وكنا صامدين كالعادة

والأمر الثاني الذي عرج عليه بعض الاخوان الذين سبقوني في اخذ الكلمة هو اننا لم نضع انفسنا فى سجن مذهبى ، بل اردنا دائما ان يكون للفكر صولة وجولة ، واقدام ، وقدرة على الابتكار ، والنقد ، ولم نتعصب لمذهب او لجيل او لمدرسة دون غيرها فلقد تفتحنا ، وتسامحنا ، وتقبلنا كل ألوان الانتاج من غير أن نحكم على الانتاج من وجهة مذهبية ، بل حكمنا عليه من وجهة الصدق والاصالة ، والذوق الادبى والرفعة من حيث الخلق والابتكار . قد تكون اخطأنا وقد اخطأننا بلا شك ، وقد نكون أصبنا ، لكن نحن غير مطالبين بالكمال والكمال لله ، ذلك اننا متواضعون لا نرى مانعا من ان يفكر غيرنا تفكيرا يغاير تفكيرنا ، انما نطلب من الغير ان يتفهمنا ويتقبلنا كما نتقبله ونفهمه والبقاء للاصلح والحكم للتاريخ .

وان الذى يدخل على شيئا من الارتياح ولا اتردد فى أن أقول الاعتزاز هو ان خمسة وعشرين عاما من الصدور المنتظم دليل فى اعتقادى على اننا اصبنا فى اغلب الاحيان ، وعلى ان اعمالنا تؤكد سداد اختياراتنا ، ويحفزنا ذلك على المضى فيما اخترناه منذ فجر الاستقلال بعزيمة امضى ، ونفس اطول ، وايمان

اعبق ، ديدننا الوفاء لمبادئنا ولاصالتنا العربية الاسلامية ، ولتطلعات اجيالنا الصاعدة ، وانما الوفاء لانفسنا ضرب من ضروب الاحترام لانفسنا

عندها استمعت الى بعض ما جاء فى كلمات الاخوان ، او فى اشعارهم ، تساءلت هل هذا يقال في موكب يحضره مدير الفكر ، وهو بقيد الحياة ؟! لاننا تعودنا فى تونس خاصة الا نحتفل بأديب أو بمثقف أو بصاحب مشروع الا عندما يتوفاه الله ، وما دام هذا الاديب او صاحب المشروع بقيد الحياة فسستكف - عادة - من ذكر بعض فضله ، ويتترقب موته وعند ذلك تتوال الاحتفالات ابتداء من الاربعينية ، فانا شخصيا مرتاح ومعتز لا لان هذا الكلام توجه به اخوانى الى بل لانه دليل على تغير فى العقلية وفي الاخلاق ، وأحب أن أعتقد ، ان المسؤوليات السياسية التى تحملتها او أتحملها الآن ليس لها اى دخل فيما قيل ، أو فى هذا الاحتفال ، بل بالعكس ، يجب دائما ان نتذكر ان المسؤوليات السياسية انما هى خدمه لنفس المباديء ونفس المثل التى من اجلها وفى سبيلها انشانا الفكر ، وسخرنا في خدمتها آلاف وعشرات الآلاف من الساعات ، على حساب واجباتنا نحو انفسنا واجباتنا نحو ابنائنا ونحو عائلاتنا ووجدنا - لا محالة - متعة فى ذلك ، ولكن وجدنا مشقة واعتقد ان كلامكم يقصد به لا التنويه بصاحب " الفكر " وانما كما قال الاخ عبد الله شريط ، وأنا أوافقه تمام الموافقة - تحميل المسؤولية ، فهو ايقاظ لتصور المسؤولية بابعاد أوسع وعلى مدى أبعد ، وكذلك تشجيع على المضى قدما ، ورفع للمعنويات ، لان كل مسؤول على مشروع خاص قد يعتريه القلق أو اليأس أو التساؤل فيقول : طبعا ، ثم ماذا ؟ يكفى آن يوسوس له الشيطان بأن ما بذل فى سبيل الفكر قد يكون فيه كفاية واذا كف المجهود في ظروف كالظروف التى نعيشتها الآن يلتمس لصاحب الفكر العذر وهو الذى ليس له الآن وقت كاف لتخصيصه لمثل هذه المشاريع لكن ثقوا بانى ساواصل خدمة " الفكر " لان أحدا منذ سنة 1955 لم يفرض على أن أخلق " الفكر " وان أضحي في سبلها انما هي هواية واختيار نابع من نفسي وهذه الهوايه . زالت موجودة ، ولهذا سأواصل تخصيص ما يتيسر من الوقت للفكر انا والأخ رئيس التحرير ، والاخوان الذين هم حول ، والذين لا اعرفهم وسوف اتعرف اليهم مع الايام وبغربلة الانتاج شيئا فشيئا ، ساواصل ما حييت نضالى في سبيل الفكر وفي نطاق " الفكر " انطلاقا من نفس الاختيارات ، وعملا بنفسه الاساليب والمناهجح ، وتمسكا بنفس القيم لان فى ذلك نخوة ، ومتعة ، واقناعا يأتي اخدم بلدي ، وأخدم المغرب العربى ، واخدم الأمة العربية قاطبة بهذه

المساهمة المتواضعة التى اقوم بها انا وصحبى ورفقائى فى ميدان الثقافة واعتقد ان الثقافة كما قال الاخوان ، ركن من اركان السياسة ، وان شعبا لا يعتنى بالثقافة ، ولا يولى الفكر اهتماما هو شعب منقوص ، مستهلك لانتاج الغير ، شعب ضائع ، فبالثقافة والفكر والادب تتوضح المعالم ويتفتق الخيال ، وينار السبيل ، ويتذوق البشر حياتهم ويعرفون لماذا يعيشون ، وما هو معنى حياتهم .

واختيارنا لعنوان المجلة هو نفسه بليغ وذو دلالة فالفكر لا يدل على العقل فقط بل يدل على كل مدارك الانسان ، فى نشدانه للحقيقة وتبين الطريق لذا سنواصل هذا الكفاح وساسوق اليكم حجة تدل على مدى تعلقي بهذا المشروع الذي لا يمكن ان انفصل عنه ما دمت حيا ، وهذه الحجة غير معروفة ، لربما تكون مؤثرة هو انى فى 25 أوت 1965 عندما كنت فى مكتبى فى الاذاعة أصابني التعب وشعرت بشئ من الاختناق ، رغم انى رياضى ، واقطع عشرات الكيلومترات ، وخيل لى انى سأختنق وانى سأموت وأول فكرة مرت بخاطرى حينذاك هي مآل الفكر وقلت في نفسي : يا للخسارة ! ستموت الفكر بموتى ولم أفكر في أولادي ، ولا فى أحد أخر .

أما اليوم فأرى أن الفكر لن تموت لاننا كونا ، حولها اناسا يتحمسون لها . وصاحب الفكر سيمر فى درب الحياة . كما مر كثيرون من قبله ، ولكن شباب نونس وأدباء تونس سوف يخرج من بينهم من سيحمل المشعل ، ومن سيخدم الأدب ، ومن سيسخر أوقاته في سبيل ان تكون الثقافة فى خدمة الوطنية وفى خدمة الأمة ، وفي سبيل مصير افضل لشعوبنا .

اشترك في نشرتنا البريدية