الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

ست لوحات الى امى

Share

الذكرى :      ذكرتك يا وجه أمى وأنا أجلس وحيدة عند منتصف الليل وشعاع مصباح كهربائى عند رأسى .

ذكرتك فى يوم حافل ، والمسرح يعج بالاجساد ، وأنا انظر الى الوجوه ، الى الناس ، واسترق النظر اليك وفى قلبى هم ثقيل . ذكرتك ايها الوجه المعفر بالضباب ، فسقطت قطرة سوداء فجأة فى قلبى ، وشحب الضوء الساهر معى . وسدت حلقى غصة . آه لو أعود متحررة من قيد المكان ، فقط خطوة من الزمن الى الوراء .

الخوف :     رأيت ، ليلة ، فى منامى طفلة هاربة ، وانت تلاحقينها بالحجر كانت صغيرة ، صغيرة ، كعصفور مكسور الجناح . ومرة ، رأيتك تجرين سكينا قاطعا على عنقى وأنا ارتحف . كنت نبتة وحيدة فى صحراء الخوف والقلق . كنت اخافك يا أمى . أخاف يدك تطعمنى المرارة ، وتسقينى ملوحة بحرنا . فقد كنت تقتربين منى بوجهك الجاد الصارم . وتمعنين فى السؤال والاستقصاء . وتسرعين الى الجلد .

لكم تألمت يا أمى من سياطك ! ولكم رأيت فيك الجلاد المخيف ولكم حاولت أن أقود الثورة ضدك ! لكم حاولت ! ولكم عجزت عن البوح والافضاء ؛

الهروب :       رأيت فجأة باب التنفس ينفتح .. فتحت عينى .. انبهرت .. تملصت .. وانزلقت من بين اصابعك .. جريت .. وهربت .. وابتعدت حتى غاب عنى

آخرخيط على من زرقة بحرنا , نفضيت يدى من كل ذكرى ، ومضت ناسية كل الجذور ، ماحية صورة الوداع السريع المقتضب والدمع يترقرق فى عينيك .

اليقظة : زرتك فى يوم عيد بعد شهور طوال . دعوتنى إلى مسرحية . مضينا معا . كنت بجنبك ، وكنت تحيطيننى بنظرات الزهو والاعجاب ، كنت اتجنب نظراتك واتلهى بالنظر الى الوجوه . . احسست يومها فى نظراتك طهرا غريبا ، عمقا لذيذا . . ولكنك لم تشعرى بحقيبة أحزان أودعتها كل اتعاب السنين .

لم اكن ادرى انه سريعا ما يمر الربيع ، وتخلو السماء من كل لون ، ليترع فيها الضباب ، ويتراكم تعب السنين ، ويتراكم القلق . هكذا ، توارت لذة المغامرة ، ولذة المجهول والرحيل ، وضاعت الحدود والمعالم . واتسعت صحراء التيه ، ودب فى داخلى الاسى والاسف ، وبدأت تستيقظ ذاكرتى النائمة لتطفو على صفحاتها الذكريات ، ويتدفق الحنين الى الجنة المفقودة .

الأسف : الليل انتصف يا أمى . وانا وحيدة . نجحت فى هروبى من الجذور ، من بحرنا ومن حديقتنا الصغيرة المسيجة ، ولكنى بقيت وحيدة . سأنام بعد حين ولن تلملمى على جنبى الغطاء ، وسيسقط عني ، ولن تستيقظى فى ظلام الليل وبرده لتدثرينى ، ناشدة راحتى فى نومى . وقهوة الصباح لن تمتد جاهزة , شهية الى يدى . الحدب الذى تحت الصرامة ينكشف ، لن يحمينى اليوم من قسوة الوحدة . أين لى به ؟ وبأى ثمن عظيم اليوم اشتريه ؟ ! صنعت قهوتى السوداء وحدى جلست فى بيتى الكبير وحدى ، وفوق اكتافي حمل السنين ، وصور فى خاطرى توقظ فى ألف حسرة .

فلو لم اشته الرحيل لبقيت فى حضنك طفلة ، ولحظيت بحبك أكثر ، ولما تحملت اتعاب الغربة فى كل ارض .

ولو لم أسئ لجذورى لبقيت فى حضنك طفلة ، أتفيا دوما ظل حنانك , لان ادركت اخيرا انك تجاوزين الحدود ، وانك اكبر من الكلمات ، ومن مجرد راعية للطفولة .

المستحيل : انت الآن يا أمى بخاطرى ، لم تعودى ذلك الجلاد القديم ، لم تعودى ذلك القيد الخانق . لقد كنت الحب والعطاء والبذل مستورا . فكيف لى اليوم ان اعود الى ينابيع عطفك وحنانك انهل منها دون ارتواء ؟ !

كيف اعود وقد قطعت سبيلى اليك هواجس ووساوس وذنوب تراكمت على ضمنى سنين . ليس لى اليوم سوى ان احلم بالانطلاق مهيضه الجناحين .

قريبا يحل يا أمى عيدك . سأبعث اليك بالورد والياسمين وكل اعتذاراتى واذكريني فى يوم عيدك يا أمى ، واذكرى اننى اسهر وحدى اطالع كتابا او مجلة ، وارشف قهوة سوداء . وحنين اليك يقودنى الى كل اركان بيتنا القديم يسأل عنك ، ويطلب غفرانا ورحمة . يود عودة ، لكن ، لا من سبيل الى عودة من نفس الطريق .

اشترك في نشرتنا البريدية