تتقاسمني طبيعتان بدوية وحضرية وان تكن الطبيعة البدوية على اغلب ، وانا اليها اميل ، وبها اعلق .
وقد كنت فى صغرى ارعى اليهم واحش الكلأ من ثمام وسفواء ، واحمل القرب وارد الماء في بياض النهار ، اوفى سواد الظلماء ، وكنت اخوف - يومئذ - بالسعالى والغيلان ، ويأتينا طراق من جفاة الاعراب ، فيزعمون انهم رأوها ، وتطارحوا معها الشعر ، وركبوها بالدعابة ، ويأخذون في وصفها فنزلزل من الرعب ، وخفق قلوبنا بين اضالعنا من الهلع ، ونغطى عيوننا حتى لا تتخايل لنا من بعيد اومن قريب .
وكنت اذ أرعى البهم - اثب على شعف الجبال كأني وعل اعصم وآكل ما يؤكل من احرار البقول التى تخرجها الرياض الفيح فى الفلوات اروع اخراج والتي نسيت اسماءها الآن .
وكنت احمل على ظهرى قريبة صغيرة تسمى [ سعنا ] بكسر السين وسكون العين ، فيها ضياح من ماء ولبن ، فكلما اشتد على الظمأ ، حللت وكاءها وجعلت فمها فى فمى ، واشتعفت منها جرعات روية ، حتى اذا خضبت شمس الاصيل بمثل النجيع القنى ، وتبدت رؤوس الجبال واعالى التلال كانها ألسنة من اللهب الاحمر المعصفر ، صرخت فى البهم :
تاح . تاح ، فاهطعت برؤوسها ، وجاءتني وثابا ، وتقدمها ، وطفقت اتاحي لها الى ان ادخلها فى حظائرها .
وللبكرة والاصيل والليل ، فى البرارى معان غير معانيها فى الحاضرة ، فانك في الحاضرة لا ترى الشمس - ان تفضلت فنظوت اليها - إلا من خلال
البيوت المتراصة وفجوات الحيطان القائمة كأنها السدود ، فتراها - عندئذ مثل دينار البخيل بدا حاجب منها وضنت بحاجب ، اما في البر الواسع الشاسع فانك ترى هذه الأشياء على ابهي ما ترى طبيعة وجمالا وجلالا .
فترى السراب الخادع وقد اصطفق فوق الرمال ، كانه يعزيها عن الحقيقة بالخيال ، وترى الرمال ، وقد حملته ورقرقته ، واخذت تدنيه وتقصيه ، وترفعه وتخفضه ، حتى ليكاد الانسان كلما دنا منه ان يشمر عن ساقيه ، ويعبره خوضا
فاذا اضواك الليل ، وتموجت امامك الكثبان العفر ، رأيتها وهي متباعدة كأنها متقاربة وكأنها تشترك جميعا في نجوى عذبة ، ورأيت النجوم تشعشعها بالضياء فوق طرائقها الملساء ، وتحدجها بعيون تكاد تتساقط فيها الانداء .
الكثبان والنجوم تلك تلتصق بالغبراء ، وهذه فى اجواز السماء ، ولكنك تراها فى الليالي القمراء ، كأنها تدني من بعضها اقرب ادناء ، وتتلامس منها الانوار والأفياء ، فما يعييك لوسبح بك الخيال المجيب ان نرى الكثيب فى النجمة أو ترى النجمة فى الكثيب !
وإذا الشمس القت خمارها فى الصباح ، وتجلى الافق الشرقي في لازوردية مفضضة مذهبة رأيت الاطيار تتواثب على ذوائب السلم والطلح والبشام ، ورأيت الارض من ايجاد واغوار ، وكأنها تتحرك وتوصوص بعد غفوة الليل الطويلة . وترى السفوج ، وكأنها انفصلت لتوها عن الجبال وارتدت الى مكانها المنخفض بعد ان كانت تطاولها فى الظلام الذي لا فرق فيه بين شم الجبال ورؤس الآكام .
واخذوا العلاب ، ، وقاموا يحلبون سحا بعد ابساس ، وانطلق السوام يلتمس سمته المطروق الى المراعى الخصيبة ونهض الرعاة فى ايديهم العصى ، وعلى ظهورهم [ سعونهم ] بما فيها من ضياح او لبن صراح . حتى اذا متع النهار رأيت النساء ماعدا العذارى - وقد احتزمت كل واحدة منهن بحبلها المجدول وتسابقن الى الاحتطاب والاحتشاش ، وابصرت العذاري ، وقد نهضن يداوون الشمس بجوف الاخبية شمالا او جنوبا ، ثم اوقدن النار للطعام او القهوة والشاي .
وتهب نسمات المساء البليلة بماتنفح به من عبق النوار ، وارج الازهار ، وتؤوب الماشية ، وقد اكتظت بطونها ، واشتغلت فحولها ، بالنطاح والكدام فيأخذون فى الاحتلاب والاغتباق ، والعشاء ، ثم يتفرقون زمرا الى السمر على الرمال الميثاء الباردة ، ولن تعدم طلقة هنا بعد صاحبة هناك ، تدفع بها الذئاب عن مرابض الاغنام .
وترى الكلاب تنصلت من بين الاطناب وتحوم على الحظائر ، وترسل النبحة تلو النبحة كلما شمت رائحة ذئب عاد ، فاذا الذئب يلتمس النجاه ممعنا فى الفرار .
حياة البادية جميلة جد جميلة لأنها حرة اي حرة . انك هناك تفعل ماتشاء بلا امر ، وتأمر من تريد بلا زجر ، واى قيمة للحياة اذا كان الانسان لا يستطيع ان يعيش فيها حرا ملء ثوبه .
وانت - بعد - سيد الراعي ، ولكنكما فى الليل ندان لا يتمايزان ، وها انتما بعد العشاء تتحدثان وتتعابثان ، فلا فرق بين راع وسيده .
حياة البادية ، هي الفطرة الخالصة النقية الصحيحة .

