الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

سد عاصم، وقصره

Share

هذا فصل مستل من كتاب :  بين الآثار والتاريخ ) الذي يشتمل على معلومات اثرية وخبرية ، ورسوم اثرية عن هذه البلاد لم يسبق لها ان نشرت اورسمت . . ويقع الكتاب في نحو خمسمائة صفحة ويحوى خرائط اثرية الى جانب صور الآثار النادرة . وفهرستا عاما بالاعلام والأمكنة المذكورة فيه . والكتاب معد للطبع الآن . .

١ - السد :

أقيم هذا السد ليمنع تسرب المياه عقب هطول الامطار في الخلاء ، وليحجز الماء لسقيا صاحب القصر وربما لمن كانوا بجواره ، وربما لحديقته وحدائقهم بقرب بطن وادى العقيق إذا كانوا أصحاب حدائق

والسد هذا مبنى من حجر اسود غير منحوت " دبش وبجص ، وهو عريض ، يبلغ عرضه نحو مترين ونصف المتر ، وطوله نحو ٣٦ مترا .

وقد اقيم بين فتحتى الجبل - جبل تضارع - المنفرجتين ليستقبل ما يهبط أثناء الامطار وبعدها من مياه ، ويحتفظ بها . . ولا بد ان له فتحة ازالتها السنون . . وما تبقى من أطلال السد متهرىء وان كان شاخصا للعيان ، كما كان . . وهو مستقيم ، يمتد من ناحية الجنوب الى الشمال ، ويليه الى جهة الجبل : الجهة الغربية من السد . اساس مبنى لا أدرى هل كان دكة أو منزلقا لمياه الامطار أو غير ذلك . وما تبقى او ما هو ظاهر - على ادق تعبير - من هذا المبنى يتمثل في أصول ثلاثة جدران ، وقد بنيت هذه الاصول بالحجارة السود التى هي من نفس الجبل والجص . واحد

هذه الجدران يتجه من الشرق الى الغرب ، والآخر من الجنوب الى الشمال ، وهذا الجزء قد اخترقه السيل ، وأتلفه ، أما الجدار الثالث فيتجه من الغرب الى الشرق .

وقد لاحظت في غرب السد من حيث يأتيه السيل المنحدر اليه من الجبل انه قد مهد لهذا السيل بمجرى خاص ، يسهل عليه النزول الى السد ، أو يجعل ماء المطر ، يصل اليه من الاعالي صافيا بقدر الامكان . وباب مياه السد ، الذى تنحدر منه عند اللزوم لا بد أنه فى الناحية الجنوبية من السد ، لان ذلك أمر طبعي ، بالنسبة لقصر عاصم ، وبالنسبة لهذا الاخدود الذي شقته أو وسعته السيول فيما بعد والى الآن ، والذي ربما كان هو مجراها القديم . وذلك لان الجهة الشمالية من السد لا يمكن أن ينحدر منها الماء لاعتلاء ما يليها الى الجنوب . .

وقد بقى هذا السد حتى يومنا هذا بهيئته وشكله يقاوم الزمن ويقاوم عوامل الطبيعة القاسية . . ولا يبدو لى انه رمم عقب أو بعد عهد ازدهار العقيق ، اللهم الا ان يكون ترميما خفيفا ، مما يدلنا على متانة بنائه وروعة هندسته ، ويتراءى لى أنه لو أعيد تعميره بشد أجزائه المتآكلة الى بعض بجص أو اسمنت لكانت منه فائدة طيبة للاحتفاظ بكثير من المياه التى تهبط من هذه

الجبال كأفواه القرب ، فى مواسم الامطار ثم تفيض فى الوادى ، وتذهب سدى . . . . وهذه هي الفائدة التى توخاها من بناه فحققت له أمله المنشود .

هذا وقد أخذت لهذا السد بعض الرسوم . . كما رسمت فى نفس الوقت ٩ ذى الحجة ١٣٨٧ ه جبل تضارع الذى يشرف على السد وتهبط مياه الامطار منه اليه .

٢ - القصر

وبعد ان فرغت من دراسة السد واخذ رسومه اتجهت الى قصر عاصم بن عمرو بن عثمان بن عفان صاحب السد على ما يبدو من وضع السد والقصر المجاور له .

وقد عنيت بالغ العناية بدراسة آثار القصر المذكور وزمن بنائه وتاريخ بنائه وطراز البناء .

والقصر يقوم الى ناحية الجنوب ببعض انحراف الى الشمال بالنسبة للسد وبينهما نحو ٨٠ مترا .

وطول القصر نحو ثلاثين مترا ، وعرضه نحو ثلاثين مترا أيضا فهو مربع . . تماما وطراز تقسيماته عادى ، غرف متجاورة ما بين صغرى وكبرى ، وما يبدو لى أنه مطبخ أو غرفة الخدم ، ودكة باقية كانت للسمرو وهى مربعة الشكل تقريبا وعالية عن الارض حتى اليوم ، وأمامها ما يشبه غرفتين ، وبجانب هاتين الغرفتين ربوة مستديرة يخيل الي أنها طلل بناية لعلها تكون ملحقة بالقصر . أما الباب اى باب القصر على ما يتراءى لى ، فهو واقع فى ناحية الشمال منه ، ليكون بمنأى عن مجرى السيل الواقع فى جنوب القصر . ويلفت النظر أن غرف القصر غير متساوية فى المساحة . . بعضها كبير مستطيل وبعضها صغير مربع وكل الجدران الغربية

  لغرف القصر الواقعة فى غربيه هى نفس جدار سور القصر واما الغرف التى بناحية الشمال والجنوب والشرق فهى منفصلة تماما عن سور القصر . . الذى لا تزال اطلاله شاخصة للعيان بشكل واضح ، وآية وجود هذا الحائط المحيط بسائر أجزاء القصر ، هى بقاء أطلاله المتراكمة المنهارة محيطة بسائر أجزاء القصر من كل ناحية . وفي ناحية ما سميته المطبخ بدأت أبحث لعلى أجد بعض آثار كانت بالقصر ، لان المطبخ دائما هو محل استهلاك الادوات المنزلية القابلة للتلف الكلى والبقاء الجزئى ، مثل القلل والازيار والفخار وأوانى الزجاج وما أشبه . . وفعلا لقد عثرنا على شئ من كل هذا . . فهذه زجاجة " اسلامية " زرقاء اللون باهتة بفعل القرون ، وهذه زجاجة أخرى بيضاء من زجاج أبيض شفيف باهتة بفعل مئات السنين . وهذه الزجاجة الثالثة وقد وجدت فيها رسم نجمة تبدو أنها خماسية وهذه قطع واضحة المعالم من بقايا الازيار والقلل . . وهي ما بين ملونة وغير ملونة ، وهذه قطع زرقاء وخضراء ، مصبوغة بصبغ ثابت وربما تكون لبعض أدوات الزينة فى القصر . .

وقد أخذت رسما لكل من السد والقصر ، فى جميع أبعادهما ، كما أخذت رسما من زوايا متعددة لجبل جماء تضارع الذى بنى السد فالقصر في سفحه . . على ما رواه مؤرخو المدينة المنورة ولا يزالان مشاهدين كذلك

واعتقد أن قصر عاصم فى تقسيماته الداخلية والخارجية يعطينا فكرة محددة عن طراز بناء قصور ذلك العهد بصفة عامة أو عن طراز بناء قصور العقيق فى عهده بصفة خاصة ، ومن أجل هذه النظرية عنيت بوضع مخطط تقريبى له.

   كما أعتقد أن بناء هذا السد يعطينا نموذجا واقعيا منظورا لبناء السدود التى تبنى اذ ذاك لتحفظ كميات المطر النازل من الاعالى ، للاستعمال المنزلى ، والاستعمال الزراعي معا فى ذلك العهد ، ومن أجل هذا رسمت السد فى مختلف انحائه . . ورسمت ما حوله . . ليكون مثالا مشاهدا لهندسة بناء السدود فى تلك الحقبة من الدهر .

ولاثرية جماء تضارع الشاخصة على العقيق من هذه الناحية عنيت برسمها أيضا هنا .

     أما وقد انتهينا من شرح ما قمنا به أزاء هذين الاثرين النموذجين اللذين هما سد عاصم بن عمرو بن عثمان بن عفان وقصره ،

فلا بأس من الاستئناس بما اورده تاريخ المدينة عن السد والقصر وصاحبهما .

يعرفنا التاريخ بأن قصر عاصم هذا كان معروفا ومشهورا فى وقته . . فقد نص السهودى في كتابه " وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى " بأنه فى قبل الجماء ، تضارع المشرفة على قصر عروة ، وعلى الوادى ، وادى العقيق وانه يواجه بئر عروة بن الزبير . كما أفادنا بأن الجماء ، جماء تضارع التى رسمنا صورتها فيما سبق تسيل على قصر عاصم وعلى بئر عروة . . وهذا نص صريح بأن السيل الهابط من جبل جماء تضارع يسيل على قصر عاصم ، كما نراه اليوم ... ولربما كان ذلك بتعديل خفيف ، فهنا إلى جنوب القصر غير بعيد عنه الاخدود الذي أحدثه مرور السيل الدائم بهذا المكان القريب جدا من القصر ، كما حدثا السمهودى بان سيل هذه الجماء ، كما يسيل على قصر عاصم يسيل أيضا على بئر عروة بن الزبير

وقد تعرض هذا القصر لهجاء أو نقد بعض شعراء المدينة فى حياة صاحبه وتدلنا الابيات التى تعاون على نظمها عبدالله الجعفرى وعمر بن عبدالله بن عروة على أن القصر هذا كان قد بنى فى مكان يضايق مرور الناس أو يثير حسدهم ، على طرف من الطريق العام اذ ذاك ، كما تدلنا الابيات على أن القصر كان مشرفا وعاليا وواضحا غير خفى للناظرين ، كما يدلنا هذا الشعر على أن صاحبه - عاصما - لم يكن من الكرماء الاجواد فى نظر الشاعرين او فى دعايتهما . مع عنناه وثورته ومكانته الاجتماعية . ومع انه لان دائما محل طهى وطبخ وشواء خاص ، لم يكن يتجاوز تناولها صاحب الفصر وعياله وصحبه الخاصين فهو أى عاصم

منطو فى قصره على نفسه وعياله ، وصديقه ويقدم لنا هذا الشعر نصا مهما حيال موضع اقامة هذا القصر . . فهو مشاد على مكان حزن من الحجارة ، ولم يوضع على مكان سهل لين ، كما تدلنا الابيات على أن القصر لم يبن لاول عهده بالحجارة والجص ، شأن روائع قصور العقيق . . بل بنى بطين لاول وهلة . . مما يدلنا على الروح الاقتصادية المسيطرة على صاحبه ثم اضطر صاحبه من أجل اصلاح معالمه وتجميل مناظره في أنظار المجتمع حينذ الى اشتراء قصة فطره بها وغرم فى ذلك الفى درهم

وفيما يلى ابيات هجاء القصر او نقده ونقد بانيه ، من قبل الشاعرين : عبدالله الجعفرى وعمر بن عبد الله بن عروة .

ويلاحظ أن الاخير هو حفيد عروة بن الزبير ، فلا بد أن عامل التنافس كان له ضلع فى بعث هذا الهجاء او النقد التحليلي المؤثر لقصر عاصم ولعاصم نفسه

قال الشاعران :

ألا يا قصر عاصم لو تبين

        فتستعدى امير المؤمنينا

فتذكر ما لقيت من البلايا

         فقد لاقيت حزنا بعد حين

بنيت على طريق الناس طرا

        يسبك كل ذى حسب ودين

ولم توضع على غمض فتخفي

        ولم توضع على سهل ولين

يرى فيك الدخان لغير شئ

           فقد سميت خداع العيون

قبيح الوجه منعقد الاواسي

خبيث الخلق مطرود بطين

ويتراءى لى ان المنافسة الفنية

فى البناء والكرم كانت شديدة وقتها بين اصحاب أكثر قصور العقيق عامة وخاصة بين صاحب قصر عاصم واصحاب قصر عروة وبئرها . . ولذلك نرى عاصما لا يستطيع ان يكبت ألله مما ناله من هجاء قصره المنيف او نقده ، من مكروه سوء السمعة وغمط الحقوق ونكران المزايا . . وقد رأينا عاصما اذن يتصدى بشعره للدفاع عن مقام قصره بين قصور العقيق سواء فيما يتعلق باختيار موقعه بالنسبة لمواقع القصور التى كانت ترفع فى جنبات العقيق او على قمم جباله . أو على ارضه القرار كما فعل صاحب قصر عاصم بقصره حينما اختار لاقامته مكانا سويا شتويا غير ذرى الجبال المرهقة للقاصد اليه والمقيم فيه فى كلا الطلوع والهبوط.. .

  وقد افتخر عاصم على معاضرية ومنافسيه في وادى العقيق بأن قصره كان شامخا وعاليا بخلاف مبانى القصور الاخرى فهى أما واطئة أو قائمة على رؤوس الجبال ، بعدا بها عن واقع اقتناص مجد الكرم وبذل الضيافة السخية للوافدين والطارقين . فقصره لقربه من الناس في مقارهم مع سعته وعلوه فهو مثابة كرم وفير للقاصدين والوافدين يطعمون فى ابهائه ما لذ وطاب ، ويبيتون في غرافه الواسعة خير مبيت . بخلاف قصور اولئك المنافسين . وبهذا ادحض عاصم - شعرا - ما رماه به الشاعران من البخل . وما نقدا به قصره من سوء الموقع ...

قال عاصم يدافع عن نفسه وقصره ويمدحه ويبرز فضائله وخصوصياته :

بنوا وبنيت واتخذوا قصورا

       فما ساووا بذلك ما بنيت

بنيت على القرار وجانبوه

         الى رأس الشواهق واستويت

على افعالهم وعلى بناهم

       علوت وكان مجدا قد حويت

وقد أمعن عاصم أو ابنه زيد فى ابراز مزايا قصرهم الذاتية على ما عداه من سائر قصور العقيق بقوله :

وتلك صلاصل قد فلستهم

      وذلك وربهم فيها يموت

فليس لعامل فيها طعام

       وليس لضيفهم فيها مبيت

والصلاصل أرض كانت لعروة بحرة وادى بطحان ثم صارت لابنه يحيى ، فوقفها في بنيه وكان يقال لها ( المقتربة ):

وكان لأرض صلاصل هذه مزايا فى نظر عروة ابن الزبير ولم تكن لها هذه المزايا فى نظر عاصم معاصر حفيده . ولعله عامل التنافس على المجد يؤدى الى اختلاف وجهات النظر فى مثل هذه الامور . .

وعروة يقول فى صلاصل التى هجاها عاصم - مؤخرا - :

مآثر اخوالى عدى ومازن

تخيرتها والله يعطى  الرغائبا

فمن قال فيها قيل صدق فلم يقل

      ومن قال فيها غيره كان كاذبا

واذن فصلاصل هذه كانت موضع مناقشة اقتصادية ذائعة فيما يتعلق بمزاياها وضدها . . وصاحبها عروة يمدحها ويفتخر بها ويعتز ، ويرى انها من الذخائر لانه

نخيرها بنفسه بين الارضين الخصبة . .    وعاصم يذمها كل الذم ، ويرى انها جلبت الافلاس لاصحابها ، وذلك (وديهم ) أى بنات نخلهم يموت فيها ، اما من قلة الماء أو من اسباخ ارضها وقحولتها .

ويدلنا على أن لعاصم بعض الحق فى وصفه لصلاصل عروة المغلقة فى نظره بالملوحة وقلة الغناء ما رواه السمهودى ، من أن ابن أبى البداح - وكان أعلم الناس بالنخيل - مر على عروة وهو يغرس أرض صلاصل هذه الوانا فقال له : ان كنت ولا بد غارسا فعليك بعذق ابن عامر ، فانه ليس عذق أحسن للتنزه ولا أصبر على المالح منه ( ١ )

هذا وقد تكون صلاصل أيام اشتراها عروة بن الزبير واستصلحها وغرس بها النخيل وغيرها ، جيدة التربة ، وفيرة انتاج ما غرس فيها ، ثم ساءت حالتها وقلت غلتها بعض الشئ ، بعد وفاة هذا الماهد ، وفى أيام احفاده بسبب بعض الاهمال او لقلة المال فكانت على بعض ما وصفها به عاصم فى زمنه المتأخر عن زمن منشئها عروة بن الزبير

ويحدد لنا السمهودى (صلاصل ) بأنها أرض بحرة وادى بطحان . ولأبى معروف أخي بني تميم شعر فيها وفى غيرها من نواحي المدينة وضواحيها منه قوله:

الى وادى صلاصل فالمصلى

        الى اكناف أعذق ذي وشيع ( ٢)

اشترك في نشرتنا البريدية