قذف بالسندباد توقه الى القرار والتخلص من الماء ، في مرامي اليبس ومجاهل الجفاف ، حيث نار الشمس تحرق وتطهر ، ونورها ينعش ويهدى واحتملته الصحراء اما رؤوما وحبيبة معطاء لذة وانتشاء . . وطالت اقامته معها . فهو بها اذ نزل به ضجر ملعون وتوق جديد الى المجهول . . . لم يكن السندباد منفصلا عن الارض ، ولا واصلا كل أسبابه بالسماء ، ولكنه ببساطة ، كان يؤمن فى قرارة نفسه " بان الله أصدق وجودا من الشيطان " . وكان اينما سار وجد ظله خلفه سبة ولعنة قاهرة . قد تعب من اللامحدود يتيه فيه ولا قرار . فعاوده الحنين الى الابحار فى البر . . وكره أيامه تذهب هباء وخيبة ، فلعن الضياع ، وانكر القضاء متأججا متمردا وقال : لأنتصرن ولم يشأ أن يبقى بشرا تأكله أوهامه والخيال
وابحر من جديد تحدوه أشواقه اللافحة وقلقه الممض ثورة بركانا ونقمة زلزالا على واقعه والوهم ، بحاثة دؤوبا على نار تكون عليه برد اليقين وطمأنينة السلام
وتهيأت " المدينة " لاستقباله خيالا شرقيا ومؤمنا حاجا . وازدهي فرحا وصفقت اعطافه اذ لا يبس فيما اكتشفت سفينه . ووطئت رحله الارض الجديدة ، وكأنها ارض الميعاد ، يتيه آزدهاء طفوليا بريئا . وبهره العمران ، شواهق تعتو امام السحب والكواكب قد بلغت الجبال طولا . وأخذ بهذا الجمال تسوقه الحياة ولا ثمن ، وتغدقه الطبيعة الطبيعة ولا كلال . فلا شمس تحيله فحما ، ولا قمر يكشفه فى العراء ثعلبا قناصا . وآستطاب الظل بمحي فيه ظله اللعنة وتذوب فيه ذاته لذة ومتعة . واستهواه الشبق يأتيه فلا صد ويعب منه ولا نفاد .
وعاشها مدة خضراء الافق ، قضى فيها هزاله ، وهوى عجزه وأقوى خوره يمر الزمان ولا يشعر ، وتسير الحياة فلا يأبه . لقد اكتشف جنة دانية قطوفها قد ظللت تظليلا . . وتخيل نفسه آبن القارح في فردوس الخالدين واعترته حمى التعرف والتطلع ، فاستقصى النائى ، واستسبر الاعماق . وراعته المشاهد الخلب تظهر الجمال وهي الوارمة الكذوب فراعه ما شاهد من تماثيل حديدية ينخرها الصدأ والزيف . . . هم قومة "ديونيزوس " وعبدة " المهازل " ، يحيط بهم جميعا ما يحيط بسيدهم من شبق مخمور ودنس خصيب . وهاله ما رأى من هزال يكتسح انصار " أبولو " ويرمي بهم في
غائر الهاويات وحالك الظلمات العتام يرتدون الادعاء والتبجح ويدعون الحرية وهم عبيد أنفسهم وافكارهم . قد حجبت عنهم ظلالاتهم النور فقولوا انما النور فى " عقولنا " . . والعقل دليل أعمى . . واعترضه " دون كيشوت " الواهم بطلا اسطوريا ينخره الجبن والعفن ، وتهاوت الى سمعه قهقهة " نيتشة " المجنون وصراخات زرادشت العاجز ، نعيب بوم ونعيق غربان .
واعتلى السندباد ربوة ، كانت " ربوة الحق " فرأى " المدينة " تعوم فى بركة ماء حثرب ، كان يظنها بحرا ، فاذا لا بحر فى المدينة ! ورأى الانسان يعوم في " ماء صلبه " وقد اختنق غازا ، شكا وحيرة . وشاهد غجريات يجنين تفاحا من المزابل ، ويرقصن على أنغام تبعثها اجراس الصمت الكاذب في ظلماء السكون . وتفكر في أمر هؤلاء الانس ، فاذا حياتهم خواء كالطبل " ذهب خارجها وخشب باطنها " . هم قوم أتيه من قوم موسى . تأكلهم أوهامهم وتعميم ضلالاتهم عن " الحقيقة " ، ولا يشعرون . كلهم ارضيون قد جعلوا على اعينهم حجبا ، فلا أثر للسماء . وجودهم شيطانى مجدب ، رجس وبطلان ذات اينما التفت صدته التفاهة ، وشعر بحقارته وضآلته كانسان واى " خير " فى محيط يشعرك بحقارتك ويريك ضآلتك ويحنقك تفاهة ؟
وتسربت له العدوى . فحزن اذ لا شمس تذيب الجليد والاسن الركود . ولا دفء فى " حليب " هذه المدينة ينعش الصدر المقرور والقلب الممزق شكا وحيرة . وتلفعه الصمت واشتملته ظلمة الخيبة شبحا يتهاوى ذات اليمين وذات الشمال ، قد انتابه عجزه وعاوده الخور ووقع أرضا فريسة الغثيان . . حتى اخذت تسيطر عليه رغبة مطلقة فى موت مطلق لا انبعاث بعده . . وتراءت له فى اغماءته اشباح غريب شكلها ، قبيح مظهرها . فتلك أجسام عرى تقع لزيفها وعورة تصرخ اسلاما وخذلانا ، تحرقها نار صلاء شهوة شبقة . . تلظي سعيرا وتصلى سقرا . . وتلك لافتات سطرت عليها بعض التعابير الغامضة ، ك " مات الاله " أو " خلق الانسان ليعيش حرا " أو " عبث هو الكون وعبث وجودنا " أو " الانسان شهوة ضالة " ! . . ويوقظه ذعره وتروعه اصداء الزبانية ، فاذا لا روح ولا دعة ، واذا اليقظة نعيق الغراب شؤما سحيقا ، اشتملته الارض واحتواه قبر الخيبة ، فلا أثر للسماء والزرقة " والرخام " ! . . . " قد انتحر الجمال ، واندحر الخيال " فلا قمر ولا نجوم طوالع ، كالحسان يبسمن الى الفجر لؤلؤا مكنونا . واذا القبور متراصة والجماجم متلاحمة ، هي أطلال بوال وآثار بواك لعهد الطهارة المحظة والبراءة الحق . . . واذا الطمأنينة خرافة والسلام من أساطير الاولين . لقد استسقى كأسا دهاقا من " لعنة الجسد " أين منه كأس من ماء غير آسن ، أو كأس من لبن لم يتغير طعمه ، أو كأس من عسل مصفي ، أو كاس من خمر لذة للشاربين لقد ظن نفسه عارجا الى السدرة ، حاجا الى وطن القرار والطمأنينة والسلام . . . واذا به يقع على
شجرة الزقوم فتطعمه زادها . . حميما وغساقا . وينظر في أمره ويتبصر فاذا هو اضيع من سراج فى الشمس . . . واذا الظن إثم ، واذا الماء سراب خدعه ، سحاب خلب وأرض تيه ، ضائعة كالعاشقة الخليعة تقع ولا فحل وتوهم ايهام " العقل " يعتو جبروتا كاذبا وادعاء عبيطا ! . .
وتزاحمت هذه الصور وتلاحمت تلك الافكار ، قوة تدفعه وجذي تفتت ما تلبد حول قلبه من أسن وجليد . . وتعاظم شعوره بالفشل بحسمه له إحساسه بحقارته وتفاهته كانسان ، لا صلة له بالكون المطلق والروح الاسمى ، ولا اتحاد له والوجود ، ولا تفنى نفسه فى اللانهاية والله . فهو عفريت فى قمقم حريته خبر حداد وباطلة الاباطيل . وفكره قفص يزكو فيه وهمه ويبرعم فيه شقاؤه . . كذا الحيرة ترمي بصاحبها فى غياهب التيه والضياع ، وكذا الشك . واذ تخلص السندباد من وهمه وحيرته . فقد تولدت لعنة ظله " ضجرا " يغريه بالكفر والانتحار . فعاده الحنين الى الخيال والشمس والقمر ، الى البحر يمتد ولا ماء ولا أسن الا اليبس والجدب والجفاف . . هي " الصحراء " حيث يذوب تحت اشعة الشمس المحرقة لتطهره النار من اللعنة الخرافية . . . وآجترفه الشوق دفقا الى عالم " مرداد و لاوتسو " و " سراى راما كريسنا " . . . حيث يتعانق السلام والسكينة والروح والطمأنينة ، حيث الماء ولا سراب ، واللذة ولا الم . .
وصاح فى غضب وقور : الى الصحراء ! الى الصحراء ! حيث الخصب ولا عقم ! والطهارة ولا رجس ! فقد ذل من بالت عليه الثعالب " .
واستقبل " الشرق " حاجا مؤمنا ، لا ثعلبا فارا ، متسترا مجزاعا . . . يدفعه إيمانه ، بطلا لا شبح دون كيشوت يروعه ، ولا صراخات زرا دشت تفزعه . . قد ترك " المدينة " خلفه قاعا صفصفا باشباحها الممخرقة واوهامها الخادعه الكذوب . . الى الصحراء راضيا مرضيا . . حاملا في قلبه اصداء الفرحة بها ، وبين حناياه اطياف اللذة فيها ! . .
واحس فى الصحراء انه ينبعث من جديد لا شبحا يغرق فى ظله ، بل اسان ليحقق عظمته ويثبت انسانيته . . شجرة مزهرة على وشك المخاض ، يداعبها الطل فتزهو ، وتناغيها الطبيعة ، فترنو الى السماء ولا تنسى حظها من الارض . . .
" دواء الشق أن تحوصه ، ودواء القلب أن تروضه على ألا يشرك بالمحبة الخالصة أحدا . . ولأروضنه . وعاش انسانا عظيما ، بطمأنينة وسلام !

