حين تنزح الفكرة من بداوة الدماغ الى مدائن الشفاه يكون القلم قد أدى واجبه المقدس ، وعاد كما يعود الجندى الى أهله بعد أن يؤدى الخدمة العسكرية فى ظروف التحدى الدولى ..
انى وهبت غدى الى وطنى ، هل المخنوق يعرف يا ترى كبح الجماح ؟
قالوا : الا فاكبح جماحك ، ربما قتل الغرام غدا يباح ..
قلت : الغرام هو الحرام ! وهل يحلله سوى من كان تعشق اذنه حمل السلاح .؟
قلمى على اذنى سلاحى ، حين أورق فى شوارعنا دمى وتشعبت طرق الكفاح ..
فاذا صببت دمى على قلمى فقد آن الاوان لسلخ جلد الانسلاخ ..
واذا وضعت يدى على قلمي ففى الجبناء ينطلق الصراخ !.
هل صار ممنوعا على أمثالنا ولغيرنا دوما يباح !؟
يا خائفا قلمى أنا زمن الفجيعة ، لا تخف قلما نخاعه والغيوم ، وحرفه ريش
الجناح ..
فاذا أردت المد ، ريش جناحه يمتد حين يطير بحثا عن صباح ..
وتظل تجنيحاته كسحابة حبلى تدفق جرحها .. والأرض تنبتنا على مطر الجراح !
ساحاتنا مجرورة بالدفق والنزاعات والعضلات ،
وأنا مع المحراث ابحث فى التراب عن النبات ..
فلاحنا اقدامه محروثة الرغبات ..
واكفه حدادنا محروقة البصمات ..
شعالة فينا الحرائق ، لم تزل مشبوبة ، وشبابها الميلاد للحركات ..
وعلى تضاريس المدى انفصعت بنا سفن الثبات ..
والغصن حين يميل لا طوعا ، ولكن اثقلته قطوفنا ..
دعها لتفهق من جراحات المشاعر بالذنوب حروفنا ..
فالموت أهون من شعور الذنب فى زمن الخطب ..
قلمى هل اتحدت حروفه بالغيوم !؟ تفرسن القلم الصبى ، هو امتطى ظهر التعب ..
لن يستبد به الركوب على حصان من خشب ..
خشب حصانك يا امير الصامتين ، وباسمك المنحوت من لغو البلاد منى
استتب ..
ولقد تغرب غاصبى ، وبقيت أنت المغتصب ..
للقاطنين رطوبة الظل الثقوب هى النوافذ ، يسرعون لحشوها خرقا ،
إذا ما الشمس ارسلت اللهب ..
هذا اللهيب أنا أقدسه ، وأعرف أننى قدست عشقا ،
لم يزل يخشاء حكام العرب ..
قلمى لقد انهى تربصه على أستاذه العربى ،
جاء اليوم بفتح قرية أبوابها ثقب ، وتتسع الثقب ..
عربية أقلامنا ، وقبائل عرب الصعيد البدو اذ زحفوا من اللحظات ..
صارت هى الاجمات كدسا من حطب ..
يا .. البدو ، كيف تقلد الحكام من حطب البلاد عصيهم ؟
ركبوا على أسد من النزوات ..
ورأيتنا نفرا قليلا نجروا أقلامهم من غابة الكلمات.
نفر قليل هاجم الغاب المقنن بالحديد ، ونحن من فى الغاب أنطقنا الحطب ..
حينا ،
واخرسنا الحديد الصلب فى شفة الغضب ..
عربية أقلامنا لكنها فى شرع حكام التصاعد لم تزل ..
أعواد تطبيل ، مزامير الطرب ..
يا نافخ الخدين دق على الخدود باصبع ، واسمع احاديث الشغب ..
الجد - يا سمار هذا الليل - متحد بأقوال ،
كما اتحدت طفولة شعبنا بالجد يطمره اللعب ..
الليل - يا سمار - هذا الليل متحد بسود لثامنا ،
ووجوهنا ما زال هذا الليل يحسبها كواكب تلتهب ..
هذا اتحاد الغفل ، واتحد النقيض مع النقيض ، ولا عجب ..
انا نعيش زماننا رجبا اصم ، ومن يعش رجبا يمت عجبا ،
وقد عشنا ومامتنا ، اذن نحن العرب ..
ستفجر المتناقضات دماغنا ،
لم تنفجر فينا الرؤوس ، ولم تزل تتباعد المتناقضات بنا فهلا تقترب ؟!
فى ما مضى كنا نعيش العام شهرا واحدا رجبا ،
وأصبحنا نعيش العمر فى رجب ، ونهرب من أواخره - رجب ..
من ذا يشاهد خرقة العادات ثم يصيح كالطفل الصغير تعجبا .. وبلا سبب
فى ها الصياح أرى العجائب كلها اجتمعت ، ولا تدعو الى عجب عجاب ..
اني أرى المدعاة تنزح ، تنتفى الاسباب يا قومى فما سبب السباب .!؟
راجع صياحك يا ابن أمى ،
حين تسمع ان صوتك فى غرابته كغربة صالح / / فى الناقة انتحرت ثمود .!
هلا رأيت هنا وجودك كله يحويه صالح ؟ هل ترى كم من ثمود فى الوجوه .؟
هو ذا الوجود يغير الاشياء لكنا نريد بقاءها ابدا على تلك العهود ..
إنا تعاهدنا على ان نصنع الزمن الذى فينا ،
يقول : حذار صالح قد يعود غدا يعود ..
فعلام لا امسى ، وتمسى انت من رفقاء صالح فى ثمود ؟
لنقول : انا قد صنعنا كوننا بمشيئة ..
بئس المشيئة حينما صنعت سوانا عند هيكلة الوجود .!
قلمى على أذنى سلاح جاهز ، لولا نخاعه مطلقا لم يختلف عن أى عود ..
انى سمعت نخاعه الشوكى يضحك رافضا تاج الورود ..
ومتى أبى ان يستحيل الى منابع للصمود ..
فانا الذى حولت ضحكة أحرفى إيماضة كى تستمر مسامع السلطان
تزخر بالوعود ..
فأصابعى لا تعشق الورد المدجج بالحدود ...
لكنها تلتذ وخز الشوك من أجل الصعود .!
فاذا نزلت عن الحصان .. فاننى ابدلت سرجى ، كى أعود الى الركوب بلا قيود ..
تونس : 1979/1/5

