فى سلسلة نفائس المخطوطات التى تصدرها الدار التونسية للنشر ظهر هذه الايام كتاب من انفس الكتب هو سرقات المتنبي ومشكل معانيه لابن بسام النحوى حققه وقدم له سماحة الاستاذ الامام الشيخ محمد الطاهر بن عاشور يشتمل الكتاب على 146 ص من الحجم المتوسط وابواب بعدد القوافى وفهرس للشعراء الذين ورد ذكرهم وقد قدم الاستاذ المحقق كتاب ابن بسام النحوى بهذه الجملة التى جمعت خلاصة رأيه فيه : ( كتاب عزيز النزعة غريب الوقع ، فهو يتناول عرضا مهما شغل كبار النقاد الا ان كل الذين اشتغلوا بديوان المتنبى كانوا من المشرق باستثناء ابن سيده اما مصنف هذا الكتاب فهو صاحب التأليف الشهير الذخيرة فى محاسن اهل الجزيرة والذين عرفوا باسم ابن بسام اربعة وصاحب الذخيرة خامل الذكر على عكس تأليفه حتى ان ابن بشكوال لم يترجمه فى كتاب الصلة مع انه من اهل عصره ، اما عرض الكتاب فقد لخصه ابن بسام بقوله : ( هذا كتاب في ذكر سرقات أبى الطيب ومشكل معانيه المرتبة على القوافى وطريقته انه يأتى بابيات الشاعر مرتبة حسب القوافى فيعنون الباب بحرف القافية التى منها الابيات فشرح منها ما يحتاج الى الشرح ويعجب بذكر الماخذ فى فصل يسميه ، فصل في سرقات ، ولاحظ الاستاذ المحقق ان ترتيب حروف المعجم جاء على الاصطلاح المشرقى دون المغربى الذي هو اصطلاح بلد ابن بسام الشنترينى ، ثم تعرض الشيخ الامام الى مفهوم السرقة الشعرية وخلاصة اراء النقاد فيها وهو موضوع شغل النقاد منذ القديم فمنهم من تحدث عن سرقة اللفظ ومنهم من تحدث عن سرقة
المعنى ولابن رشيق القيرواني كما نعلم رسالة فى هذا سماها : ( قراضة الذهب والسبب في اهمال السابقين ) ترجمة ابن بسام هو انه لم يلاق العلماء ولم يشتهر بكتاب الذخيرة الا بعد موته ومما يؤكد ان ابن بسام هذا هو صاحب الذخيرة ما جاء فى نص سرقات المتنبى وهو قوله بعض اهل أفقنا وهو يوسف ابن هارون الرمادى ورمادة من غرب الاندلس مثل شنترين التى ينسب اليها ابن بسام . والنسخة المخطوطة التى اعتمدها الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور مكتوبة بخط مشرقى ويعود تاريخها الى رجب سنه خمس عشرة وستمائة وهذه النسخة فى سفر ضمها مع رسالة للحاتمى فى مناظرة بينه وبين المتنبى ورسالة له فى ماخذ أبى الطيب وقد انتقلت نسخه ابن بسام من المشرق الى ملك الشيخ محمد الاصرم رئيس ديوان الانشاء بباردو وبها نقص بقدر بثلاث ورقات ( ويقول الاستاذ المحقق ) : ( وقد بحثت فيما دخلت من المكتبات وما راجعت من الفهارس عن نسخة من هذا الكتاب فلم أجد نسخة اخرى ولذلك غلب على ظني انها النسخة الوحيدة ) .
وهكذا نرى إلى اى درجة ينبغي ان نقدر هذا العمل الجليل الذي قام به الاستاذ الامام واظهرته الدار التونسية للنشر بقى الآن ان نتعرف مباشرة على النص وتتبع ابن بسام فى معالجته لهذا الموضوع الدقيق الذى لا يجرؤ عليه الا من رسخت قدمه في فنون النقد ذكر في باب الهمزة ستة عشر بيتا تناولها بالشرح والتعليق ثم ذكر في فصل السرقات من هذا الباب خمسة أبيات اخرى منها قول المتنبى :
قلق المليحة وهي مسك هتكها ومسيرها فى الليل وهى ذكاء
نسبه الى قول البحترى :
حاولن كتمان الترحل في الدجى فباح بهن المسك لما تضوعا
ويلاحظ ان المصراع الاول من هذا البيت تنقصه حركة ولعله حرف سقط اثناء الطباعة . ومن الابيات التى فسرها ابن بسام قافية الباء قول المتنبى :
كان كل سؤال فى مسامعه قميص يوسف فى اجفان يعقوب
ومن هذا البيت مثلا نرى طريقته فى الشرح فقد ذكر له معنيين المعنى الاول هو انه لا يتخدع لكل سائل ويرق لكل طالب نائل كما انخدع يعقوب لقميص يوسف لما اتوه عليه بدم كذب والمعنى الثانى هو انه يريد بالقميص الثانى الذي ارتد به بصيرا ان يفرح بكل سائل ويرتاح له كما يفرح يعقوب بذلك
القميص . اما السرقات المذكورة فى هذا الباب فهى اكثر منها فى الباب السابق وقد راي ابن بسام ان المتنبى سرق هذه الاشعار من أبى نواس والصنوبرى ومحمود بن الحسين وهو كاتب شاعر من رجال أبى الهيجاء والد سيف الدولة ومن حسان وقيس بن زهير العبسى والبحترى وامرىء القيس والنابغة وأبى فراس والوائل ومسلم وابن الرومى وبشار الا ان الكاتب لا يذكر دائما اسم الشاعر الذى سرق له ويكتفى احيانا بقوله : ( من قول الشاعر ومما ورد فى فصل السرقات التى قافيتها باء قال المتنبى ) :
بكل اشعث يلقى الموت مبتسما حتى كأن له فى قتله اربا
من قول أبى تمام :
يستعذبون مناياهم كانهم لا ييأسون من الدنيا اذا قتلوا
وواضح ان أبا الطيب زاد على أبى تمام فى المعنى ولكن الكاتب لا يبين مقدار السرقة او حد السرقة وربما رأيناه يذكر أبياتا لشعراء كثيرين لتقاربها فى المعنى فلا نعلم ايهم سبق الى ذلك المعنى لان شهرة الشاعر هى التى تجعله عرضة للنقد اكثر من غيره والمتنبى الذي ملأ الدنيا وشغل الناس كان محط انظار النقاد وهدفا للأعداء والحساد ولذلك كثرت حوله الخصومات . . والابيات المذكورة فى سرقات التاء أربعة فقط وهى :
أفاعيل الورى من قبل دهم وفعلك فى فعالهم شيات
وقوله :
انى على شغفى بما فى خمرها لأعف عما فى سراويلاتها
وقوله :
لا خلق اسمح منك الا عارف بك راء نفسك لم يقل لك هاتها
وقوله :
فى الناس امثلة تدور حياتها كمماتها ومماتها كحياتها
وفى باب قافية الحاء نرى ابن بسام يتبسط فى الشرح فيفسر المفردات ويقدم ملاحظات لغوية وربما صرفه تفكيره فى موضوعه وهو البحث عن
سرقات المتنبى فينسى مشكل المعانى ويتدرج الى الحديث عن السرقه فى غير موضعها ومن الابيات المشهورة التى تعرض الكاتب لمعناها :
فاني رأيت البحر يعثر بالفتى وهذا الذي يأتى الفتى متعمدا
علق عليه بقوله يريد ان البحر ينفعه اتفاق من غير قصد فلا يوثق به وهذا الممدوح بخلاف ذلك والشرح كما نرى بسيط لا طرافة فيه وقد علق الشيخ الامام محمد الطاهر ابن عاشور تعليقا لطيفا على احد أبيات المتنبى التى احترز ابن بسام في شرحها لتعففه فلم يقل عندى والبيت المعنى هو التالي :
يترشقن من فمى رشفات هن فيه أحلى من التوحيد
ولم يأت فيه ابن بسام بطائل فأضاف المحقق اليه ما اخرجه فى التأويلات المبهمة اذ ان التوحيد عند بعض الادباء صنف من التمر بالعراق واليه ينسب ابو حيان التوحيدى لان اباه كان يبيع التوحيد ببغداد وقد جاء هذا المعنى فى تاج العروس .
ومن سرقات المتنبى فى نظر ابن بسام قوله فى سيف الدولة : لكل امرئ من دهره ما تعودا قال من قول حاتم : وكل امرئ جار على ما تعودا ومن ذلك قوله أيضا :
انا فى أمة تداركها الله غريب كصالح فى ثمود
اخذه من قول حبيب :
كان الخليفة يوم ذلك صالحا فيهم وكان المشركون ثمودا
ومن سوء الحظ ان النقاد العرب ومنهم ابن بسام لا يبينون دائما فضل المتاخر على المتقدم في حسن اللفظ اذا اخذ المعنى وهذا يتضح فى هذين البيتين الجميلتين اللذين يجعل فيهم الشاعر رؤوس الاعداء عيونا وسيوف الممدوح نعاسا بينما كانت الاسنة هموما لا تغرس الا فى الافئدة فلفظ المتنبى ، مع وجود الفارق المعنى - اجمل بكثير من قول منصور النمرى كما سيأتى ذكره قال أبو الطيب :
كأن الهام فى الهيجا عيون وقد طبعت سيوفك من رقاد
وقد صغت الاسنة من هموم فما يخطرن الا في فؤاد
وقد ذهب صاحب التأليف الى ان هذا من قول النمرى :
وكأن موقعه بجمجمة الفتى خدر المدامة او نعاس الهاجع
هذه ألوان من طريقة ابن بسام الذى صرح في آخر الكتاب انه لم يقصد الى الوقوف على كل سرقات المتنبى بل بذكر القليل منها - والنص نفسى لانه لون من ألوان النقد المغربى بالرغم من ان المؤلف يعتمد كثيرا على أهل المشرق وخاصة منهم ابن جنى ولان هذه النسخة التى اعتمدت فى الطبعة التونسية هى الوحيدة فيما يظهر ولا ننسى ان عمل الاستاذ الامام لم يقتصر على التحقيق بل ان فى تعاليقها ما يفوق شروح ابن بسام كما رأينا ولا يسعنا الا ان ندعو للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور بطول العمر حتى يمد المكتبة التونسية والعربية بنفائسه .

