الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

سعيد أبو بكر وغربة جيل

Share

1 ) التعريف بسعيد أبى بكر : 1 ) فى المكنين

سعيد أبو بكر ( * ) من مواليد بلدة المكنين بالساحل نشأ بها يوم 28 اكتوبر سنة 9918 وتربى هناك فى رعاية عائلة طيبة متواضعة وتعلم على غرار اقرانه فى صباه نصيبا من القرآن ثم التحق بالمدرسة القرآنية حيث تعلم اللغة العربية ومبادئ العلوم الاسلامية وشيئا من اللغة الفرنسية . واهم من ذلك كله ارتكاز تربيته فى وسطه العائلى وبين المثقفين ببلدته على اسس الاخلاق الاسلامية ومحبة الوطن

ومنذ صباه بدت عليه ملامح النجابة والشاعرية المبكرة وكان ذلك جالبا لأنظار اقرانه ومعلميه اذ بدأ يقول الشعر وعمره احد عشر عاما . وفى تصديره للسعيديات ( ديوان أبى بكر الجزء الاول ) ساق الشيخ راجح ابراهيم نموذجا من شعر سعيد وهو ما يزال بالمدرسة الابتدائية وذكر انه كان يضيق بتشطيبات معلمه لاناشيه فتوصل الى جبر المعلم على عدم مس انشائه بالتجائه الى الشعر فى كتابة الموضوع فكان المعلم لا يمس قصيدته خوفا من ان يختل الوزن والقافية . ورغم ما فى تلك الشهادة من مبالغة على الطريقة التقليدية ، فانها دالة على نباهة سعيد أبى بكر واتجاهه بالطبع الى قرض الشعر منذ سن مبكر

وجدير بالذكر ان سعيدا أبا بكر لم يتجاوز مرحلة التعليم الابتدائى غير انه كان طلعة يدهش اصحابه بسعة معرفته واتساع افاقه وكان عصاميا وصحفيا فطنا ( Autodidacte ) يلتهم الجرائد التونسية والشرقية التى تصله وتصل الى ثلة من اعيان بلدته والمثقفين هناك ، والصحف كانت اذاك لا تخلو اعمدتها من قطع ادبية واشعار اصلاحية سياسية واجتماعية . وفيها كان يقرأ سعيد - حسب شهادة والده الروحى الشيخ راجح ابراهيم - اشعار

صبرى وشوقى وحافظ وخليل مطران والرصافى وعريضة وشكيب ارسلان والخورى والزركلى والكاظمى والزهاوى والشبيبى وغيرهم من شعراء وادباء الاصلاح فى الشرق العربى وفى تونس

ذلك الادب الاصلاحى الملتزم هو الذى غذى سعيدا أبا بكر ، ووضع بلاده السئ فى مطلع هذا القرن هو الذى حرك فى شىء من الالم قريحته وعقله فراح يكتب العديد من المقالات وينظم " الزهرات " والقصائد لتحريك سواكن الرقدة وانعاش نفوس الخاملين وايقاظ الهمم

وان سعيدا أبا بكر ليعتبر من رواد ادب الالتزام فى ادبنا التونسى المعاصر وله فن شعرى ( Un Art Poetique) فى هذا الغرض يوضح مفهوم الادب عند سعيد أبى بكر وهو قصيده بعنوان " ايها الشعراء الى نهضه بالشعب قبل مماته " حيث ينتقد القوالب المهترئة والاغراض التقليدية من مدح وهجاء ورثاء وغزل اجوف . وادبه هو صوت تونس فى انينها وبكائها فى بأسها وأملها ، معبرا عن شعور التونسيين الايقاظ فى الثلث الاول لهذا القرن بخاصة .

2) اتصاله بالشيخ راجح ابراهيم فى سوسة :

ذكرت فيما تقدم الشيخ راجح ابراهم وقلت انه والد سعيد أبى بكر الروحى . اجل لقد كان كذلك . اتصل به الاديب الشاب فى مدينة سوسة ليعمل فى مكتبه وكان الشيخ راجح ابراهيم يحترف المحاماة ( كان و كيلا شرعيا ) . ورغم موقفه الخائر فى قضية الطاهر الحداد اذ تهجم عليه فى النديم " قبل ان يقرأ كتابه " امرأتنا فى الشريعة والمجتمع " ، كان الشيخ راجح ابراهيم يعتبر احد اعلام الحركة الاصلاحية فى مطلع هذا القرن بتونس وكان مكتبه منتدى يلتقى فيه الادباء والمثقفون والمشتغلون بالسياسية والمهتمون بالاصلاح والصحافيون بالساحل ليستعرضوا الوانا من الادب ويخوضوا فى شتى المواضيع التى كانت تشغل بال التونسيين الايقاظ زمنئذ .

وهذا الاحتكاك الاول بالشخ راجح ابراهيم وجماعته مكن سعيدا أبا بكر من اكتساب ثقافة وخبرة بالامور السياسية والاجتماعية ووجهه الى الادب الاجتماعى والسياسى والاصلاحى . واذاك بدأ ينشر قصائده السياسية والاجتماعية فى جريدة " صدى الساحل " للحاج اسماعيل بن حميدة من سنة 1921 ، وبعدئذ اخذ يراسل الصحف التونسية الوطنية وعددها اذاك كثير كالنديم والصواب والوزير والنهضة ولسان الشعب ومرشد الامة والزمان والحاضرة .

3 ) انتقاله الى العاصمة :

ثم انتقل الى العاصمة واستقر بها الى ان توفى يوم 29 جانفى سنه 1948 ،

وهناك كان يعمل فى مكاتب بعض المحامين لضمان قوته ويوجه اهتمامه الى النشاط الصحافى والحزبى وقرض الشعر وكان يحترف مهمة الصحافة ويعمل ايضا مراسلا متجولا . وفى العاصمة كانت تربطه بحسين الجزيرى صداقة متينة فكان ينشر فى جريدة " النديم " زهرة بعد زهرة " والزهرات هى خواطر شعرية اجتماعية وسياسية . ثم وقعت بينه وبين حسين الجزيرى جفوة ، فانسحب من " النديم " وجمع زهراته فى كتيب . وكان يرتاد مقاهى باب سويقة ليلهو بلعبة الطاولة ( الشيش بيش ) ويجلس فى مكتبه وهو دكان صغير بنهج الباشا .

2 ) آثار سعيد أبى بكر :

جل اثاره منشور ، لكنه مبعثر فى الصحف والمجلات ولا شك ان قسما منه يوجد مخطوطا عند اهله واصحابه ، وتلك هى علة جهل التونسين لسعيد أبى بكر وادبه بعد عشرين سنة من وفاته . وليس ضياع الاثار او بقاؤها مبعثرة فى الجرائد والمجلات او مخطوطة امرا خاصا بآثار سعيد أبى بكر بل هو مصيبة ادبنا التونسى فى العصر الحديث منذ مطلع ما اصطلح على تسميته عصر اليقظة او النهضة وبخاصة فى الثلث الاول لهذا القرن . فمذا نعرف عن الدوعاجى وكرباكة وسعيد أبى بكر والعريبى والبشروش ومحمد الجعايبى وسالم بن حميدة وغيرهم كثير ؟ نكاد لا نعرف عنهم شيئا . اما الشابى فقد كان فى عصره محظوظا وما زال ولن يزال لسيرورة شعره وانتشاره فى تونس وخارجها لما فى شعره من نفثات انسانية خالدة تتعدى حدود المكان والزمان . وشعر سعيد أبى بكر وبعض آثاره النثرية يمكن ان يكتب لها البقاء لما فيها من نفثات انسانية خالدة وان كان يرى الدارس ان جل اثار سعيد مقصورة على الشعب التونسى فى فترة من فترات تاريخ الحافل بالاحداث فى هذا العصر

أ - كان ينشر باستمرار مقالات فى جريدة " لسان الشعب " تحت عنوان " من النافذة " ويجد الباحث فى جريدة " لسان الشعب " بين سنتى 1927 و 1928 عدة مقالات متعلقة بخصومة شخصية اثيرت حول كتاب " الادب التونسى فى القرن الرابع عشر " للمرحوم زين العابدين السنوسى بين هذا المؤلف وأحد من ترجم لهم فى كتابه اعنى سعيدا أبا بكر . ولئن كانت تلك الخصومة شخصية اكثر منها ادبية وعاطفية لا تخلو من تطرف وحيف ، فانها تمكن الباحث من الخروج بفكرة عن مفهوم النقد المنقلب خصاما واحيانا سبابا منحرفا عن منهاج النقد الصحيح عند اديبين من ادباء تونس الناشطين فى الثلث الاول لهذا القرن : وكذلك تعينه كتابات هذه الخصومة على تصور بعض الملابسات التى حفت بتأليف كتاب " الادب التونسى فى القرن الرابع عشر ومعرفة صداه فى تونس وفي الجزائر وفى المشرق ، وقد نشرت تلك المقالات وقدمت لها فى مجلة الفكر عدد أفريل 1967

ب - وطبع سعيد أبو بكر الجزء الاول من ديوانه " السعيديات سنة 1927 ، وبصفته شاعرا قد واكب احداثا من تاريخ نضال شعبه فى الثلث الاول لهذا القرن تركت اثرا فى نفسه وسجلها فى قصائد رائعة ، فانه ابقاها للجزء الثانى من " السعيديات " الذى وعد بطبعه فى كلمته بالجزء الاول ، ولكنه لم يكتب له الظهور

ج - وجمع خواطره الشعرية المنشورة فى جريدة " النديم " فى كتيب يحمل عنوان " الزهرات " .

د - ورحل الى الجزائر والمغرب ونشر فى " لسان الشعب " بين سنتى 1927 و 1929 ارتسامات عن رحلته فى حلقات متسلسلة بعنوان " عشرون يوما فى عمالة قسنطينة " .

هـ - وزار بلاد الاندلس ونشر عقب عودته منها كتابا بعنوان " دليل الاندلس كانك تراها " ولا غرو ان يحن سعيد أبو بكر الذى كان يقاسى قساوة الغربة فى وطنه ويتالم من ذلك ويعبر عن قلقه لشعوره بهول الهوة الفاصلة بينه وبين وطنه رغم انه كان يعيش على أديمه ، قلت لا غرو ان يحن الى الفردوس المفقود هنا فى تونس وهناك فى الاندلس " فهناك لقاء مع التاريخ وهنا اصطدام بالواقع المر زمنئذ

و - وتسوغ امتياز مجلة " العالم " وليست " العالم الادبى " لزين العابدين السنوسى ، تسوغ امتيازها لمدة ثلاث سنوات ولكنه لم يصدرها الا مدة سنة ونصف فحسب لان صاحب المجلة فسخ العقد

ز - ونشر بصفته مراسلا متجولا لجريدة " النهضة " فصولا وصفية لمؤتمر قصر هلال التاريخى المنعقد يوم 2 مارس 1934 ، ذلك المؤتمر الذى وجه الحركة الوطنية وجهة جديدة وابرز فلسفة فى الكفاح اخرجت القضية التونسية من الوحل الذى ارتطمت فيه طويلا وامضى تلك المقالات باسم مستعار هو " دستورى محايد " وسر تستره وتقيته هو خوفه اذاك - وهو من الناشطين فى الحزب الدستورى القديم - من مطاعن الرجعيين ورجال اللجنة التنفيذية الذين كانوا يضغطون على حرية الفكر ولا يعرفون اداب مناقشة الرأى ، ولا يترددون فى الصاق تهمة الالحاد بمن يجرؤ على انتقاد طرق عملهم المهلهلة داخل الحزب كما فعلوا مع الطاهر الحداد سنة 1930 اثر صدور كتابه " امرأتنا فى الشريعة والمجتمع " وقد عرضت تفاصيل الخصومة وبينت سبابها فى باب طويل من كتابى " الطاهر الحداد والبيئة التونسية فى الثلث الاول من القرن العشرين " .

ومقالاته هى بحق وثائق هامة تعين المؤرخ على تصور الظروف والملابسات التى حفت بتصدع اللجنة التنفيذية وانبعاث الحزب الحر الدستورى الجديد .

وسعيد أبو بكر مدرك اهمية مقالاته الاخبارية التى تمد المؤرخ بشهادة عيان عن ملابسات وجو مؤتمر قصر هلال كما يتجلى ذلك فى قوله : وكتبنا عن ( اى عن المؤتمر ) بدون تحامل وليست لنا غاية نسعى اليها الا تزويد المؤرخين بحوادث هذا المؤتمر وتغذية التاريخ نفسه بذكر الحوادث التى يجب ان يطلع عليها ابناؤنا واحفادنا يوم يريدون ان يدرسوا اعمالنا وقد صرنا ترابا " .

وتلك الفصول الوصفية لمؤتمر قصر هلال اعاد سعيد أبو بكر طبعها فى كتيب سنة 1936 ونشرها من جديد فى السنة الماضية السيد محمد الصياح مدير الحزب الاشتراكى الدستورى

ح - وفى سنة 1937 اصدر مجلة شهرية بعنوان " تونس المصورة " وهى مرجع اخر هام لدراسة المجتمع التونسى والادب وسعيد أبى بكر نفسه وقد احتجبت تلك المجلة بعد شهر نوفمبر 1942 بسبب الاحتلال الالمانى ثم ظهرت من جديد فى سنة 1945

3 ) سعيد أبو بكر وغربة جيل :

فى التاسع والعشرين من جانفى سنة 1948 انتقل الى الرفيق الاعلى اديب مناضل من مواليد بلدة المكنين بالساحل التونسى بعد حياة دامت ثمانى واربعين سنة وثلاثة اشهر قضى اكثرها فى جهاد باسل بلسانه وقلمه ومواقفه الحاسمة وكان زينة النوادى بمدينة سوسة والعاصمة وفخر الادباء والصحافيين الايقاظ ، ما انفك يجهر بارائه الاصلاحية فى مجتمع عصره ويحرص على انهاض الهمم فى شعبه المستعبد المستكين وعلى مقاومة الجمود الفكرى والمادى والانحلال الاخلاقى والظواهر الفاسدة للمدنية المشوهة كما يشهد بذلك العديد من مقالاته فى الصحف والمجلات ومن قصائده كالتى تحمل عناوين " المرأة والاخلاق " و " الى الدرس " و " أفق الرزايا " و " أنت روح ذللوها بالجماد " و " رفقا بالانسان " و " البدع والاسراف " وغيرها كثير

ولم يكن سعيد أبو بكر شاعر الوطنية الوحيد فى الثلث الاول لهذا القرن اذ طبع الجزء الاول من " السعيديات " لاول مرة سنة 1927 ، بيد ان شعره اشد لصوقا بشعبه من شعر جيله فى تلك الفترة الكالحة السوداء من تاريخ تونس السياسى والاجتماعى ، وادق تعبيرا عن افراحه واتراحه وامال الشباب المتيقظ واحلامه ، ويطالعك فى الجزء المطبوع من " سعيدياته " نضال مثالى فى سبيل صيانة كرامة امته المداسة واحيائها وقد خصها بقريضه فلا تكاد تعثر فى ديوانه على قصيد له فى غير الاجتماعيات والوطنيات . ويسمعك سعيد أبو بكر انغاما جديدة هى تلحين عواطف وافكار الفئة الحية من التونسيين ، ويبث فى نفسك نفثاته ، فاذا هى اناث شعب معذب فى ارضه

واصطكاك جيل متمزق تمزقا أليما أمام الهوة التى تفصله عن وطنه ، تواق إلى فجر جديد يستنشق فيه نسيم الحرية وينعم بفرحة الحياة ، مترقب منقذا جريئا يفك قيود الشعب وينهض به من كبوته ويحرك فيه ارادة الحياة وينفض عنه غبار عصور التدلى وينشط فيه القوى الحية الخلاقة الدافعة الى العمل الدائب والزحف فى سبل التقدم وملاحقة ركب الامم المتحضرة ، وقد عرف سعيد أبو بكر ذلك المنقذ الجرئ فى شخص المجاهد الأكبر وجماعته فى " صوت التونسى " و " العمل التونسى " فانضم الى رواد الحزب الحر الدستورى الجديد فور بعثه كما تشهد بذلك مقالاته التصويرية لمؤتمر قصر هلال التاريخي سنة 1934 وللجو العام الذى مهده وكان قد نشرها سعيد أبو بكر فى جريدة " النهضة " واعاد نشر قسم هام منها السيد مدير الحزب الاشتراك الدستورى فى السنة الماضية . ولم يفت سعيدا أبا بكر ملاحظة الاسلوب المبتكر الذى وجه الحركة الوطنية منذ ذلك الحين توجيها جديدا وفلسفة الكفاح التى سطرها المؤتمر لاخراج القضية التونسية من الوحل

وسعيد أبو بكر شاعر ثورى على غرار الادباء الشبان الايقاظ من جيله مثال أبى القاسم الشابى وعلى الدوعاجى والطاهر الحداد بخاصه ، ثائر بقلبه وبعقله على الاوضاع المتعفنة فى مجتمع عصره وعلى الظلم الخانق حينما كانت تونس تحت كابوس الاستعمار ، ثائر على القوالب والاغراض الشعرية المهترئة كما فى قصيده التاريخى بعنوان " ايها الشعراء الى نهضة بالشعب قبل مماته " ( السعيديات ص 94 ) حيث يجهر بالالتزام التلقائى فى الادب إذ لا يتصور ادبا وشعرا الا من نفثات النفس الحساسة والضمير المتيقظ دوما لما يجرى فى العالم الخارجى من طبيعة والمجتمع المتجاوب مع البيئة السابر لمزاياها وعيوبها . فاسمعه يقول لشعراء تونس فى الثلث الاول لهذا القرن :

دعونا من الاطناب فى وصف غادة   دعونا من الاطناب فى مدح سيد

وكيف بدت سلمى وكيف تكللت        بكف خضيب او بحلى وعسجد

وهذى تفوق الغصن قدا وقامة         وهذا شقيق للسها والفراقد

فتلك لعمرى حبة اثر حبة              تصيب المعالى مقذفات بصائد

ووقت ثمين ضائع وهو صالح         وحبر وأوراق ضحية فاسد

فمن ذا أراكم شاكرين تكلفا           وعهدى بغير الحر غير ممجد

جدير بهذا خادم لبلاده                 وفى غير نفع الشعب غير مكابد

خذوا تلكم الاقلام حطوا رحالكم      لديها وقوموا للهناء المخلد

وصيحوا باقوام حيارى وقوموا       فسادا ومدوا للبلاد بساعد

بذمتكم دين لها وكأنها                  تطالبكم بالدين فى كل مشهد

حرام عليكم ان تعيشوا بظلها          ولا تسمعوها وهى مغلولة اليد

وعار عليكم أن تقولوا : حياتنا         رفقة يأس : لا قيام لراقد

الى خدمة الاوطان قد ضيع العلا     بنوها وحادوا عن كمال وسؤدد

الى نهضة بالشعب قبل مماته         الى قطع اسباب الهلاك المهدد

فهذا الاديب المناضل شاهد على عصره ، وادبه قد ساعد دون شك الى جانب أدب الشباب الحى من جيله مثل الطاهر الحداد وأبى القاسم الشابى - فى احياء الضمائر وانعاش النفوس وايجاد الوعى الجماعى والشعور بضرورة تغيير الاوضاع الفاسدة . وكانت ثوريته هادفة الى فك عقال الانسان التونسى وفتح افاق الخلق الفكرى والمادى امامه ليضمن لنفسه ولامته ما يصبو اليه الانسان الفاضل من عدالة وكرامة وحق . بيد ان ادبه ليس شاهدا فحسب على نضال جيل من شباب تونس فى النصف الاول لهذا القرن بل هو ما زال ولن يزال ينبوع وحى يستمد منه التونسى ارادة الحياة فى جهاده الاكبر لبلوغ الرقى الفكرى ، والمادى ، بعد ان تحققت أمنية سعيد أبى بكر الكبرى وأمنية جيل باكمله متمثلة فى خلاص الشعب من ذل التبعية

لقد تألم سعيد أبو بكر عصرئذ - على غرار أبى القاسم الشابى والطاهر الحداد وعلى الدوعاجى فى سخريته الاليمة - من غربته فى وطنه البعيد عن رغم انه كان يعيش فوق اديمه ، وعبر عن قلق جيل كامل من التونسيين الايقاظ كانوا يتمزقون تمزقا اليما افضى بعديد منهم الى موت مبكر . ويتجلى شعور سعيد أبى بكر بالغربة فى وطنه فى قصائد تغنى فيها بطبيعة تونس الجميلة التى كان يحس بها قوى احساس لبعده عنها وكذلك يتجلى ذلك الشعور بالغربة فى هروبه اليها واستئناسه بها وبثه اياها همسات ألمه لمرأى شعب سائر نحو الرمس وهو عضو منه ووطن يتدرج به نحو الالحاق بفرنسا بواسطة التجنيس الذى قاومه سعيد أبو بكر فى قصائده ومقالاته وزهراته . فها هو الشاعر فى قصيده " الفتاة الباكية " ( السعيديات ص 26 - 27) يخرج الى الطبيعة الحية الناطقة ويتخيل انه يرى بنتا جميلة ودمعتها من عينها تتنازل فيناجيها واذا هى تونس الجميلة تدعوه الى انقاذها من خطبها بهذا الهمسات المعسولة النافذة الى اعماق النفوس

انا الزهرة التعساء فاح أريجها       وأوراقها من حزنها تتذابل

رآها رسول الموت تخشى خياله      فأصبح بالمرصاد لا يتنقل

أنا الغصن فى زهر الشباب يقصه     بقادومه الحطاب وهو مولول

انا تونس الخضراء ويك الى متى     على السير فى نهج العلا تتغافل

كأنك لا تلقى المعمرة اذ ترى          بلادك فى خطب ولا تتقليل

وتلك الشكوى المليئة بالالم المهموس من خمود الشعب التونسى فى الثلث الاول لهذا القرن اذ طبع الجزء الاول من " السعيديات " سنة 1927 بعد ان جمعت جل قصائده وزهراته من الصحف التونسية تجدها فى قصيدة عذبة التوقيع بعنوان " أنت روح ذللوها بالجماد " يستهلها بمناجاة شحرور يشاركه فى لوعته وحرقته بهذين البيتين :

غن يا شحرور لا تنحب معى      أنت تخلق معى للانتحاب

خل دمعى ساكبا من مدمعى       واحتفل للطل من دمع السحاب

وفى تلك القصيدة يسمعك تأوهات شاعر يحترق لمرأى أمة فقدت الوعى الجماعى وصمت اذانها عن نداء المستنهض فكأنها فقدت الحياة :

مهم تشكو ؟ انت فى العش تنام      فى رياض الحقل فى الفرش الوثير

آه ! لكن ما الذى تنفع آه              بين قوم لم يزالوا فى جمود

اخمدت فى ارضهم - وا أسفاه :     نارهم فاستملحوا ذاك الخمود

كلما أفهمت شخصا لا يعى           أو جموعا قابلونى بالسباب

وتحس بألم سعيد أبى بكر وقلقه وانت تسمع او تنشد قصائده حيث يسرى الحزن فى غير صخب وتتدفق العاطفة الكئيبة وينبث الالم فى رقة ذائبة ايحائية اكثر منها تعبيرية يحدثها الشاعر الفنان بطلاوة التعبير وعذوبة الكلام وحلاوة موسيقى الابيات وخفتها . ولا غرو ان يسمعنا انغاما جديدة فى مخمساته وموشحاته اذ انه عزاف على الكمنجة ماهر خبير بالالحان قد اكسبه عزفه على الكمنجة مهارة قول عذب الشعر رغم انه لم يدرس العروض والقوافى وانما كان شاعرا موهوبا يقول الشعر منذ الحداثة بالطبع ويدهش رفاقه ومعلميه بحسن تصرفه فى القريض

وفى قصيد اخر تصويرى جميل لواقع الشاعر وجيله الملتاع فى تلك الفترة الكالحة السوداء المتناقضة من تاريخ تونس فى العصر الحديث زمن معركة الزلاج ومخلفاتها والحرب العالمية الاولى والاضرابات والحوادث الدامية فى سنتى 1924 و 1925 بعد رجوع محمد على وتزعمه حركة عمالية ذات اهداف اجتماعية وسياسية وغيرها من الاحداث ، يناجى سعيد أبو بكر زهرة جندلت وبكاها القضيب ويراها زينة نعش فيرجوها الا تفوح ويهيب بها الا تكون زينة صدور الجامدين ويهمس اليها ان تقص فى الخلود مأساة شبابه المعذب المقيد الغريب فى وطنه بين شعب راكد لم يكن يجتاحه الوعى الثورى وان كان ينتفض بعضه من حين لاخر فى غير نفس طويل . وهاك نفثات من قصيده زهرة فوق نعش " ( السعيديات ص 49 ) فاسمعها تعرب لك عن حيرته وحيرة جيل كامل ، والحيرة ان لم تفض الى اليأس والسكون منعشه مبشرة بالخير القريب والنجاة :

يا زهرة الروض ما لى      أراك فوق اللحود

وطالما عفت قبلا            حتى رياض الخدود

يا زهرة جندلوها           حتى بكاها القضيب

يا ليتهم صدروها             حيث المقام يطيب

لا تبعثى الطيب انى          أراك زينة نعش

لديك جسم ولكن        به الى القبر نمشى

فلا تكونى جمالا        على صدور الرقود

وان أردت انتقالا       الى نعيم الخلود

فحدثى عن شبابى       وعن يدى فى القيود

ولعل اهم ابيات معبرة عن حرقة سعيد أبى بكر وتمزق جيل كامل من شباب تونس عصرئذ امام هول الهوة الفاصلة بين المواطن التونسى ووطنه تتجلى فى قصيد للشاعر بعنوان " بعد موتى " ( السعيديات ص 63 ) حيث وصف جنازته وهو يحمل على الالواح الى الرمس وصور نفسه المعذبة فى الحياة وبعد الممات لانه عاش فى غربة وهو على اديم وطنه ومات وهو كأنه فى دار هجرة لم يعد له وطنه الجميل

وههنا يركن الشاعر الى الطبيعة التى يحس بها قوى احساس لانها بعيدة عنه مغتصبة منه وان كان يعيش بين احضانها ، فيبث فيها ألمه ويدعو نفسه الشاردة بعد مفارقتها جسده ان تندبه وتفرخ من روعه بزهرات تلقيها فوق رمسه لتستريح رفاته من الامها . فالتمزق - كما ترى - يلاحق نفس الشاعر بعد الممات لان الشوق الى فرحة الحياة لم يزل عنها ، وفيى ذلك اشد العذاب

فاقرأ معى قصيده بعنوان " بعد موتى " :

غالطى الناس يا حياتى اذا ما      اخبر الناس بعضهم بمماتى

واسكتى يوم يرفعون على الألــ     ـواح جسمى وكفكفى العبرات

وانظرينة على الاكف وحولى        أهل ودى كأنهم فى الصلاة

بعد حين سيجعلون فراشى           من تراب ومسندى من حصاة

ثم يلقون بى هناك وحيدا             وحياتى هناك نعمت حياتى

فارقي النزل فى الصباح الى البسـ     ستان كى تبصرى جمال النبات

واجلسي تحت دوحة واذكرينى         واندينى هناك فى الخلوات

واسمعى نغمة الكنارى وقولى          كان يزهو بهذه النغمات

علميه البكاء بعدى ليسليــ              ك اذا ما ركنت للزفرات

وانظرى الجدول الجميل وقولى        كان يرنو لذاته ولذاتى

سوديه اذا استطعت ليغدو              شكله موجبا الى الحسرات

واقطفى الزهر ان أردت ولكن         حاذرى ان تبعثرى زهراتى

واجمعيها بكل لطف وضميها           لصدر معذب فى الحياة

واذا أقبل الظلام وأمست               كل عين نخافها فى سبات

فاسرعى نحو مضجعى وضعيها       فوق قبرى لتستريح رفاتى

اشترك في نشرتنا البريدية