الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

سعيد أبو بكر

Share

بمناسبة ذكرى ميلاده

أحداث ومؤثرات :

ان الأحداث التى كان سعيد أبو بكر قد مر بها فى حياته بسيطة فى ظاهرها لا تعقيد فيها . فهو قد ولد ببلدة (المكنين) فى الثامن والعشرين من شهر اكتوبر سنة الف وثمانى مائة وتسع وتسعين ، وهو لم يتجاوز المرحلة الابتدائية من دراسته ، وقد انتقل اثر انقطاعه عن المدرسة الى سوسة حيث اشتغل بمكتب الاستاذ راجح ابراهيم المحامى ، وهو أخيرا ينكب على الاشتغال بالصحافة سواء عن طريق المشاركة او بالاشراف على مجلته (تونس المصورة) الى ان وافته المنية بتونس العاصمة فى التاسع والعشرين من جانفى سنة الف وتسعمائة وثمان واربعين .

هذه أحداث فى سطور لحياة امتدت ثمانية واربعين عاما وبضعة أشهر ، لو تأملنا خطوطها الفرعية لادركنا ان صاحبها لم يعش البساطة التى لونت ظاهرها ولعلمنا انه كان قد مر بتجارب ومؤثرات كانت لها خلفياتها فى صقل موهبته الشعرية ، وطابعها المميز فى انتاجه الادبى عامة .

أما عن هذه المؤثرات فيمكن أن نقول : ان بعضها يعود لطيب منبته كما يعود بعضها الاخر للمبادئ الدينية والقومية التى كان قد تلقاها فى المدرسة الابتدائية . فقد كان لهذين العاملين أثر كبير فى توجيهه الوجهة الدينية والقومية فى حياته الادبية والعملية .

وبعض هذه المؤثرات أيضا يعود الى العمل الذى كان قد باشره فى مكتب الاستاذ راجح ابراهيم . فهو باطلاعه على الكثير من القضايا الاجتماعية استطاع أن يتعرف على خبايا النفس الانسانية وقضايا الوجود الاجتماعى ،

مما بدا أثره واضحا جليا فى شعره خاصة منه ذلك الذى يمثل الجانب الاجتماعى .

بل ان اثر هذه الحياة العملية ليبدو واضحا حتى فى الاسلوب فقد غلبت على آثار الشاعر الصبغة التعليلية القانونية واللهجة التقريرية الخطابية ، مما سنتبينه عند الحديث عن المنهج الفنى .

ومن هذه المؤثرات أيضا اشتغاله بالعمل الصحفى فقد هيأ له هذا العمل سبل التعرف على كثير من المشاكل التى كان الشعب يعانيها سواء حينما كان يباشره من بعيد أو حينما أصدر مجلته ( تونس المصورة ) التى برز الى الوجود اول عدد منها سنة 1937 وكانت لسان الادب والفكر والاجتماع والسياسة فى ذلك الوقت .

هذا الى جانب تأثير الاحداث التى كان الشعب يمر بها فى حياته المريرة وفى نضاله ضد قوى الطغيان والشر وفى صراع قواه التقدمية مع عناصر الفساد والرجعية وما الى ذلك .

لمسات اجتماعية :

ان الاغراض التى كان الشاعر سعيد أبو بكر قد عالجها فى شعره ذات ألوان متعددة . فمنها الذاتى ومنها القومى ومنها الاجتماعى والمعروف هو أن الصيغة الاجتماعية كانت غالبة على شعره حتى لقد عده البعض - في اجتماعياته - قرينا لحافظ ابراهيم ومعروف الرصافى وان كان يمتاز عنهما بتجديده فى القوالب الشعرية .

وعلى هذا الاساس فالواجب علينا أن ننظر فى اجتماعياته أولا ، ولتكن النظرة الاولى الى موقفه من قضايا المرأة .

أ ) قضايا المرأة :

لقد أولى سعيد أبو بكر قضايا المرأة اهتماما كبيرا فى شعره حتى لقد ناهزت قصائده عنها العشر وربما تجاوزتها .

وقبل النظر فى هذه الآثار أرى الواجب يدعونا الى النظر - ولو بايجاز - فى وجود المرأة عصر سعيد وقبله :

قد يصح القول بأن هذا الوجود كان ميتا يسمم الهواء الذى تتنفسه الاجيال فتنشأ واهنة القوى مقيدة التفكير عاجزة عن الخلق والعمل غارقة فى الذل والتبعية .

أجل ، فالوجود النسوى فى حياتنا كان منذ فترة ما قبل الاحتلال وجودا بمثل الجهالة والانحطاط ، تغمره الخرافات والاوهام وتسيطر عليه المعتقدات البالية . وقد عمق مأساة المرأة فى هذا الوجود أن أخذ الاستعمار منذ احتلاله لتونس فى تمكين تلك الخرافات والاوهام والمعتقدات فى نفسها ، بل وفى نفوس الرجال ايضا .

وهكذا تظافرت مساعى الاستعمار مع وجود المرأة الميت فى توليد الاجيال المتخاذلة المستذلة . ومن أجل هذا كان حماس الشاعر سعيد فى الدفاع عن المرأة وفى الدعوة الى تعليمها وتمكينها من ممارسة حقوقها المشروعة .

قال عنه الاستاذ راجح ابراهيم :

(( سعيد يحارب الاستبداد والبدع والمروق والمدنية الفاسقة ... يناضل عن المرأة ، ويدعو لتحريرها وتثقيفها تحت راية القرآن وفى دائرة حدود الشريعة . ))

ومن أهم القضايا التى وقف الشاعر فيها الى جانب المرأة قضية تعليمها ، فقد كان يؤمن بأن الجراح العميقة التى تثخن جسد الشعب ما كان يمكن ان تكون لو ان المرأة قد أخذت نصيبها من المعرفة والثقافة . وها هو فى قصيدته ( المرأة والعلم ) يصور أثر الجهل فى تكبيل الشعب وتأخر المجتمع واستبعاد الوطن ليقول بعد ذلك واصفا الدواء الشافى من هذه الادواء :

هلموا وحلوا فى البلاد مدارسا         ليصعد اسباب المعالى نجيبها

ولا تحرموا بنتا رضاعة ثديها            فلا شئ فى تلك الديار يعيبها

هى ابنة أيام الصبا ، ولعلها            تكون غدا أما يذاق حليبها

ستبدى رجالا تسحر الكون اذ ترى    بان العلا ما خاب قط قريبها

هى الام يكفى أن نراها تحفنا           بواجبها والله عنا يثيبها

فيشدو هزار السعد فوق رؤوسنا       وينشدنا أفراحنا عندليبها

ان الشاعر كما هو واضح من هذه الفقرة كان يرى ضرورة تعليم المرأة

للخروج بالبلاد من التخلف ، فهى التى ستنجب رجالا يدركون معنى المعالى

فيسعون اليها ويطلبون قربها ، وهى التى ستطلق صوت هزار السعد بالغناء

وعندليب الافراح بالانشاد ... وتحميل الشاعر للمرأة مسؤولية صلاح النشء يمكن تلمسها اكثر فى قصيدته ( حجور الامهات ) فهو فيها يذهب مذهب حافظ ابراهيم اذ يقول :

الام مدرسة اذا أعددتها            أعددت شعبا طيب الاعراق

بل انه يسمو بها فوق مستوى المدارس العادية ، ولذلك فهو يلح على الام حتى تتفرغ الى تكوين ابنها وتنشئته تنشئة علمية وطنية أخلاقية ، وبذلك تكون عقدا نفيسا يحلى جيد الشعب لا خنجرا مسموما يوجه الى نحره .

يقول فى هذه القصيدة مخاطبا الام ومتحدثا عنها وعن ابنها :

يا أم انكما - فاعلمى            أجل من المصلح الاكبر

وانكما قائمان معا                لدينا بدوركما المخطر

فان تصلحا كان اصلاحنا        وهيهات للغرب ان يزدرى

والا فنحن باوطاننا               على الارض موتى ولم نقبر

فلا تذبلى غصن ايامه           بحجرك غضا ألا فاحذرى

فأنت لديه كعقد نفيس         على عنق الشعب أو خنجر

وان تحمليه فآمالنا              حملت ، وحقك أن تفخرى

فزيحى عليه لثام الجها           لة يشخص الى الافق المقمر

وبثى له روح نهضتنا             ترى خير شهم وحر جرى

فما الطفل بين يدى أمه        سوى خاتم الطفل فى الخنصر

وما نفسه غير مزرعة            ومهما تشأ فوقها يبذر

وما حجرها غير مدرسة         تعالت عن التخت والدفتر

وينظر الشاعر الى السجن الكبير أو القطر التونسى - كما صرح هو بذلك فى بيت من قصيدته ( السجن الكبير ووظيفة المرأة فيه ) - فيؤمن بأن رسالة المرأة انما هى خلق رجال يحطمون أبوابه ويهدمون أركانه حتى يتم الانقاذ وتشع الحرية ...

وهو بعد أن يعرب عن نفوره من الجمال الجسدى للمرأة يتخلص الى تحديد الرسالة التى عليها أداؤها فيقول لها مخاطبا :

هاك الشبيبة لا تستعظمى عملا             فيهم ، فاصباحنا منهم بمنبلج

كونى لزهرتهم طلا يبللها                     حتى تضوع بما نرجوه من أرج

كونى لهم باعث التهذيب فى صغر           يخطو بأمتنا للنقه والفرج

قولى لهم : قوموا المعوج تكتسبوا           يوم الجزاء قضيبا غير ذى عوج

كونى على قدم ما بين مفتكر              فى حقه باذلا جهدا ومحتلج

هيا ادخلوا بسلام آمنين ، فلا             خوف ، فقوتل من يأبى ولم يلج

وشل ساعد من حتى بأنملة                 لم يخدم الشعب بين الكد والهزج

ودعوة الشاعر الى تعليم المرأة صاحبتها دعوة اخرى ملحاحة تؤكد على وجوب تمكينها من اختيار زوجها ، وهى دعوة لم تولدها الرغبة فى مسايرة التيار العام ولم تأت عن طريق التأثر العاطفى بما كان أدباء المشرق ومفكروه ينادون به آنذاك .

وفى رأيى أن بعض ملاحظاته لبعض المآسي التى نشأت عن الزواج الاجبارى ، والتى صورها فى بعض قصائده هى التى رسخت الفكرة فى ذهنه ودفعته الى الدعوة اليها . وهذا هو ما ذهب اليه الاستاذ مصطفى رجب فى كتابه ( شاعران ) اذ يقول :

(( عندما يتكلم سعيد عن الفتاة لم يكن مدفوعا بحكم العاطفة ، ولكنه كان مدفوعا بحكم الواقع فقد شاهد عدة ضحايا من جراء قهر البنت وعدم مشورتها وحريتها فى الانتخاب )) .

ويمكن لنا أن نستدل على استخلاص الشاعر للعبرة من الواقع ، من هذه الابيات الثلاثة التى وضع لها عنوان ( اعتبروا ) والتى جاء فيها :

زفوا الفتاة لمثر رغم رغبتها                فيمن تحب ومن أميالها سخروا

خطوا الصداق فكان الخط من ذهب    والطرس من فضة والبشر ينتشر

لكنهم بعد حين سطروا بدم              رسم الطلاق ألا يا ناس فاعتبروا

واعتبار الشاعر بالواقع واتعاظه بالاحداث يمكن أن نلمسهما أيضا فى قصيدته ( ضحية الطمع ) التى صاغها فى قالب قصصى والتى استهلها بمقدمة تمهيدية توجه بها الى الشعب يدعوه فيها الى تأمل الاحداث لاستخلاص العبرة منها كما ينهاه عن لوم الدهر ويأمره بفحص أعماله التى هى سبب ابتلائه :

لا تلوموا الدهر فى أعماله            ليس للدهر سوى تلك العبر

وافحصوا أعمالكم كى تبصروا       شؤمها يبدو عيانا للبصر

ويأخذ الشاعر اثر المقدمة فى استعراض أحداث القصة موضوع القصيدة فيتحدث عن الحب الذى جمع بين ابراهيم وبين زينب وعن تعاهدهما على الزواج ، وعن تقدم ابراهيم الى ابى زينب خاطبا ، وعن رفض هذا الاب القاسى ، وعن المصادمة التى وقعت بينه وبين زينب وعن المصير الذى انتهت اليه حياة زينت اذ أصبح الاهل ذات يوم وقد وجدوها جثة هامدة أخمد شعلة الحياة فيها طمع الاب وتقاليد المجتمع .

وعلي لسان زينب كان الشاعر قد أرسل هذه الصرخة المتمردة في حوارها مع أبيها :

((لست ارضى غير ابراهيم لى                قولها . وهو سداد فى سداد ))

(( فاتركونى انتخب زوجى ولا                تمنعونى اننى لست جماد ))

(( انه نصفى فلا يختاره                      غير نصفى تلك آراء الرشاد ))

(( ثوب قطن والهنآ أليق بى                 من نسيج الخز فى ثوب الحداد ))

ومثل هذه القصيدة فى موضوعها ومنهجها القصصى بل وحتى فى جوهر احداثها قصيدته الاخرى (ضحية التعنت) ولذلك فاننى لا أرى ضرورة للحديث عنها وسأتجاوزها للانتقال الى جانب آخر يتصل بقضية المرأة وان كان الشاعر لم يعالجه مباشرة وانما اشار اليه مجرد اشارة .

هذا الجانب هو ذلك الذى يتعلق بالتكاليف الباهضة التى تثقل كواهل الآباء فى حفلات الزواج ، والذى تعرض اليه فى قصيدته (البدع والاسراف)

ومن الحوار التالى بين الاب وبين ابنته عزيزة يمكن لنا ان نستشف المأساة التى كانت المرأة - وما زالت - تعانيها ، بل ويعانيها الآباء أيضا .

حتام لا أهدى عروسا يا أبى                يا من تقضت بالبكا ليلاته

فتنهد المسكين والعين لها                   مالت ، وقد زادت به زفراته

بنتاه رفقا لا تزيدى فى أسى                قد أحكمت فى بعضها حلقاته

بنتاه مهلا ليس لى من أصفر               للعرس تبدى فرحتينا ذاته

بنتاه ان العرس أمسى ضيغما              عن كل مكلوم الجوى وثباته

قد عاث فيه المفسدون كأنهم             قد أحجمت عن عينهم غياته

وسعيد بالرغم من تحمسه المندفع فى دعوته الى تعليم المرأة والى تمكينها من حرية اختيار زوجها كان من المعارضين لسفورها وتبرجها فى الاسواق ،

وهو وان لم يخصص لذلك القصائد المطولة كما فعل فى أغراضه الاخرى فان الروح الصريحة الساخرة التى امتازت بها تعوض عن الطول

يقول فى بيتين له وضع لهما عنوان ( احفظ شريكتك ) مخاطبا الرجل الذى يطلق العنان لزوجته ويهئ لها ان تنصب الشراك للناقمين على الروابط الزوجية :

عاينت زوجتك يا مغرور ناصبة            للناقمين على زوجاتهم شركا

فاحفظ شريكتك الحسناء آمنة            أولا فانك فيها والملا شركا

وهو كما دعا الزوج هنا حتى يحفظ زوجته ويأمن مشاركة الناس له فيها ، بقدم فى أبيات له اخرى وضع لها عنوان ( صدفة ) هذه اللوحة لامرأة خرجت تبحث عن زوجها ، ولزوج غير زوجها خرج يبحث عن زوجته يقول فيها : ان هذين الزوجين الغريبين قد تلاقيا صدفة ، فكان حديث ، وكانت مصاحبة ، وكان تواعد على لقاء الغد :

خرجت تفتش زوجها مدفوعة            بيد الخصاصة ويحها من ذى اليد

ومشى يفتش غيره عن زوجة             خرجت لمعرض خدها المتورد

فتلاقيا وتكالما وتصاحبا                  وتفارقا متواعدين الى الغد

وهكذا يكون سعيد قد نظر إلى وجود المرأة باعتباره الوجود الذى ترتبط به حياة الناشئين ومستقبل الامة ، فاهتم كثيرا بالدعوة الى تعليمها ، والى حريتها فى اختبار الزوج الذى تراه ، ولكنه مع ذلك كان قد وقف موقفا معارضا من سفورها وتبرجها فى الشوارع مما يبدو وكأنه ارتداد عن مناصرتها

والحقيقة التى لا تنكر فى نظرى أن هذه المعارضة لا تتناقض مع الموقف المناصر ولعل الشاعر قد أطلق لسانه بها لعلمه أن المرأة لم تكن قد تسلحت بعد بسلاح العلم الذى يهيئ لها الدفاع عن نفسها والذود عن حرمتها فى معترك الحياة الزاخر ...

ب ) حرب على الفقر :

الوجود التونسى فى عمومه كان وجودا يغلفه الفقر والعدم فقد كانت عموم مصادر الانتاج بايدى الاجانب : الشركات والمعامل والاراضى ... وحتى الادارات لم تكن تضم الا القليلين من التونسيين وعلى ذلك فباستثناء هؤلاء

القلة من الموظفين كان الشعب اما يعيش عيشة السخرة او يتخبط فى ظلام البطالة .

ومن هنا كانت انطلاقة سعيد ، فهو قد لاحظ الظلم الاجتماعى يمد أصابع الاخطبوط فى كيان الشعب يمتص بها دماءه فوقف مع المضطهدين يناضل عن وجودهم الانسانى ، تارة بايقاظ حمية الشعب واثارة نخوته وعواطف النيل الكامنة فيه ، وتارة اخرى بالتهجم على السلطة الاستعمارية والتنديد بأعمالها والتشهير بفظائعها .

ولعل من أبرز قصائده فى هذا المجال قصيدته ( واقعة بنزرت ) التى كان قد قالها اثر التصادم الذى وقع فى 11 سبتمبر من سنة 1924 بين القوة الاستعمارية وبين عمال الرصيف ببنزرت الذين أضربوا عن العمل تضامنا مع اخوانهم عمال رصيف تونس .

واذا كانت هذه القصيدة ذات مسحة سياسة بالنظر الى الابيات التى تصور الصدام فانها باعتبار تحليل أسبابه ونتائجه لا يمكن أن تخرج عن النطاق الاجتماعى .

وقد علقت احدى الصحف الوطنية الصادرة آنذاك على هذه القصيدة فقالت :

(( انها تمثل الفكرة الاشتراكية فى الشعر والدفاع عن حقوق العمال والاشفاق عليهم )) .

يستهل الشاعر قصيدته هذه بالاعلان عن الثورة والتمرد الى أن يتلمس التشابه بين حادثة بنزرت وواقعة الجلاز فيشير الى ذلك والى أسباب الحادثة اذ يقول :

نرى حادث الجلاز فيه مجسما            ونهر دماء الابرياء به يجرى

وقد فاتنا انا نشاهد بعده                 نظيرا ، وان الدهر أشبه بالدهر

إلى ان تعاصى القوت عن كل عامل      بأطفاله كم أنبت الجوع من ظفر

تراهم اذا حلوا المآزر هيكلا               تداعت به الاركان للوقع والخر

يمدون كفا أيبس الفأس غضها            الى الاجر ، لكن لا سبيل الى الاجر

لذا اعتصبوا والاعتصاب مطية           الى الحق لا تدرى التباطؤ فى السير

فأرعد رأس المال واشتد غيظه           وأصبح فى ثوب من العجب والكبر

وألقى لآذان الحكومة أمره             وأنى لها الاغضاء عن ذلك الامر

فألقت يد الفولاذ عنهم وسولت       لها نفسها اخضاعهم بيد الجبر

وأملت على من يحفظ الامن أمرها    بتذليلهم فاهتز من شدة البشر

وبعد ان يصور الشاعر الصراع بين قوة الامن وبين العمال المعتصبين يتخلص للحديث عن أحد الضحايا الشهداء ، كان قد خلف عشرة أطفال ضعفاء أخذوا يندبونه ويبكون حياتهم بعده وهم يرددون :

أنشكو ؟ الى من ؟ أم نمد أكفنا            بأوطاننا ذلا الى الحنظل المر ؟

ومن كدنا تبنى القصور لسادة               أوامرهم : لا تقربوا ساحة القصر

ألم يعلموا أنا نظرنا إلى الثرى                 كثيرا ، وأنا ننظر اليوم للبدر ؟

وأن الالى بالامس كانوا عبيدهم             قد انقلبوا للشهم فى صورة الحر

ألا فليكونوا كيف شاؤوا فاننا               عرفنا سبيل الشر من سبل الخير

فلا النار تشفينا ولا الجور صالح             لاخماد نار ان أضافوه للجمر

ومن روائع قصائد الشاعر الاجتماعية فى هذا المجال ايضا قصيدته (رفقا بالانسان) التى حاول بها ان يدحض ما كان الاستعماريون يدعونه من سياسة الرفق - اذ أنشأوا جمعية الرفق بالحيوان - والتى لجأ فيها الى السخرية من اصحاب هذه الجمعية والى ابراز مأساة الانسان ، عن طريق المفارقات التى اقامها بين واقع الانسان المرير وواقع الحيوانات السعيد ، بين نظرة المنتمين لهذه الجمعية المريرة للانسان ، وبين نظرتهم المتعطفة على الحيوانات :

جمعية الرفـــــــق  بالسنور والديك

ماذا عن الرفق بالانسان يلهيك ؟

يرضيك عيشهما والامن فوقهما

مرحي ، فهل عيشه فى الضنك يرضيك ؟

يلقى ابن آوى لديك المشفقين ، فهل

يلقى ابن آدم حظا فى مساعيك ؟

كفكفى دمع الكلاب       وامسحى دمع الحمير

واذا المرء اشتكى الـ          ــجوع بالدمع الغزير

فاطعمى القطة لحما ربما      لم يذق ما دونه منذ سنين

ويستمر الشاعر فى بث هذه الروح الساخرة حتى ينتهى الى المقطع الرابع فاذا به يتحول من السخرية الى الدعوة الصريحة باسعاف الانسان وانتشاله من الهوة التى يعيش فيها فيقول :

مدى الاوادم بالاسعاف واسعى الى

                         نحو الاولى فت فيهم حول ناديك

وارمى الى الرفق بالانسان حتى اذا

                        جاء الحساب انثنى يطرى مراميك

يكفى ولا تذكرى الانعام الا متى

                       أمسى ابن آدم مرسوما على فيك

فارفعي عنه الاذى              قبل شاة او بعير

واجعل الهمة في                ذلك الامر الخطير

واستريحى بعد هذا انه         حاسب للبكم ما قد تحسبين

وما دمنا بصدد الحديث عن محاربة الشاعر لظاهرة الفقر ، فلنعرج على قصيدته ( حياة اليتيم ) التى ألقاها فى احدى حفلات الجمعية الخيرية والتى يبدو فيها تأثره بالرصافى واضحا اذ كان قد انتهج منهج قصيدته ( اليتيم فى العيد ) سواء فى الاستهلال او فى الخاتمة او فى الاسلوب القصصى الذى اعتمده بل حتى فى بعض الاوصاف الجزئية التى كان قد وصف بها شخصيات القصيدة العامة وشخصية اليتيم على وجه الخصوص .

استهل سعيد هذه القصيدة بقوله :

بينا ترانى أجوب الارض مبتهجا           تلقي فؤادى أليف الحزن منزعجا

حتى كأنى أرى فى عيشتى صحفا          ما بين أسطرها حرف الشقا اندرجا

لكننى بثباتى لست أحسبه               شيئا فتحسبنى جذلان مبتهجا

هذا جنانى وهذى مقلتى ، وأنا           منها اليه أجر الويل والفرجا

ثم أخذ فى الحديث عن جماعة يقول : انه شاهدهم من بعيد وان ضجيجهم كان قد دفعه اليهم فوجدهم مغرقين فى مسرتهم :

هذا يغنى وهذا من ترنمه            تلقاه يسمعك الالحان والهزجا

والزهر يبعث فيهم من تكاثره      طيبا فكنت أشم الطيب والارجا

شجعت نفسى وكانت لا تطاوعنى أبغى بأنسهم أن أطفئ الوهجا

حتى ظفرت وكاد الصدر من جدل              يرتاح من ألم فى الصدر ما خرجا

اذ دون قصد ويا لله من بصرى                 حركت كامن ما فى القلب فاختلجا

قد لاح لى شبح هيهات اذكره                  يوما وألقى لنفسى من صداه نجا

طفل صغير يكاد البؤس يقتله                   يدمى القلوب ويدمى قبلها المهجا

انها نفس المفارقات التى كان الرصافى قد اعتمدها أساسا لتجلية المأساة : جو من البهجة المثيرة يشوهه منظر الطفل البائس اليتيم .

ولم يقتصر التشابه على اقامة المفارقات بل تجاوزها الى وصف اليتيم وهزاله وملابسه وسخرية الاطفال منه ومتابعة الشاعر له ومحاولة التخفيف عنه ومواساته والتوجه بعد ذلك الى الشعب كى يمد له يد المساعدة وها هو يقول فى ختام قصيدته مخاطبا الشعب :

هذا أخوكم وهذا بعض طينتكم          مما امتزجتم به يا ناس قد مزجا

هذا يتيم فقير بائس نكد                من جوعه يشتهى لو بطنه بعجا

هذا الى الشعب فى اعماله عضد        بل خنجر للدواهى يقطع الودجا

هيا وجودوا بما فى وسعكم شغفا        بالبر حتى نرى فى الافق بدر دجى

حلوا لمسكينكم اكياسكم فلقد        آنت سعادتنا والثمر قد نضجا

لقد استطاع الشاعر حقا ان يجسم مأساة هذا اليتيم وان يساهم فى نشر الرسالة التى من اجلها أنشئت الجمعية الخيرية . ومهما كان من أمر التشابه بين هذه القصيدة وبين قصيدة الرصافى فاننا لا يمكن ان نؤاخذه على تأثره بها خاصة وكثيرون من الشعراء فى المشرق والمغرب قد تبنوا هذا المنهج فى عرضهم للكثير من المشاكل .

ولعل سعيدا كان قد قال هذه القصيدة فى مرحلته الادبية الاولى خاصة وقصيدته الثانية عن ( اليتيم ) بعيدة عن هذا المنهج وفيها من الروح الرومانسية ما لا نلمسه فى هذه . يقول فيها :

رحم الله ذلك المكلوما         حيث أضحى من الهنا محروما

باقيا مهملا كنت تباهى        ثم امسى مجندلا محطوما

خيمت وحشة الليالى لديه     واعارته ربعها المذموما

أمطرته السماء حزنا كما امــ    ــطرت الارض وابلا مسموما

والدواهى بقوتها رجمته          فاغتدى بها حائرا مرجوما

يضع الجسم فى التراب ومن جو ع ترى الجسم ناقصا مهدوما

لا لعشق ولا لبعد حبيب           لا ولا رام بالطوى ان يصوما

لا ولكن هى الكآبة كم اذ         وت غصونا ولازمتها لزوما !؟

على هذا المنوال يستمر الشاعر فى استعراض حياة اليتيم ليتوجه الى الشعب بعد ذلك بطلب انقاذه من المأساة التى يعيشها .

وما دام حديثنا عن الفقر فلنستعرض هذه اللوحة التى كان الشاعر قد صور فيها حياة بائس معدم فى ليلة شتائية قاسية البرد ثلجية الثرى رعدية الافق عاصفة الرياح ، أخذ يجوس الشوارع والطريق والمنازل عله يجد المأوى الذى يحميه حتى نال منه اليأس فاقتحم بابا وارتمى داخله دون ان يعلم عما يحويه شيئا وأخذ يغط من التعب فى نوم عميق حتى اذا أطل الصباح تنبه الى انه كان قد نام بين الحيوانات وان ليلته كانت ( ليلة اسطبل ) وها هو الشاعر يتحدث عنه فى هذه الليلة مجليا المفارقات بين عالم الاسطبل الآمن الوادع وبين عالم الانسان الملىء بالمظالم والاوبئة :

هو مسكن الحيوان والانعام لا تأوى له

الا ليلقى كل خل فى الظلام خليله

      هو المكان تطهرا

وهى الوحوش تعاظمت عن كل مكر أو جفا

الخيل ترنو للبعير بغير عين خائنه

والثور يحترم النعاج فلا نعاج كامنه

    الحب يبدو ظاهرا

ما بينها فانظر اليها والسعادة راكنه

هى ليلة ما بين انعام قضاها ينتحب

ثم انثنى من بعدها يشكو ابن آدم او يسب

       فاظهر اليه تحسرا

لو كنت تسمع ما يقول لقلت يارب استجب

صرخات قومية :

ان الظروف السياسية التى كانت البلاد التونسية تحياها فى عهد سعيد أبى بكر قد طبعت شعره بروح الثورة المتحمسة على الكيان الاستعمارى وبروح النقد والسخرية من الوجود الشعبى المتجمد .

وقد كان لالمامه ببعض القوانين وممارسته للذود عن حقوق الانسان خلال اشتغاله بمكتب الاستاذ راجح ابراهيم المحامى ثم لاشتغاله بالصحافة بعد ذلك وتعرفه على القوانين العامة وخاصة منها الدولية اثر بالغ فى توجيهه الوجهة القومية فى شعره .

قال عنه الاستاذ احمد خالد :

(( كان زينة النوادى بمدينة سوسة والعاصمة وفخر الادباء والصحافيين الايقاظ ، ما انفك يجهر بآرائه الاصلاحية فى مجتمع عصره ويحرص على انهاض الهمم فى شعبه المستبد المستكين وعلى مقاومة الجمود الفكرى والمادى والانحلال الاخلاقى والظواهر الفاسدة للمدنية المشوهة . ))

وقال ايضا :

(( سعيد أبو بكر شاعر ثورى ... ثائر بقلبه وبعقله على الاوضاع المتعفنة فى مجتمع عصره وعلى الظلم الخانق حينما كانت تونس تحت كابوس الاستعمار ))

ومن اقواله ايضا :

(( ... فهذا الاديب المناضل شاهد على عصره وأدبه قد ساعد ... فى احياء الضمائر وانعاش النفوس وايجاد الوعى الجماعى والشعور بضرورة تغير الاوضاع الفاسدة ))

من كل ما تقدم من هذه الاقوال يتضح للدارس ان الوعى الشعبى لم يكن قد نضج نضجا كاملا ، وان محنة الشاعر كانت مرتبطة بجمود الشعب وتمكن الاوبئة منه . ومن هنا كان تنديد الشاعر بالشعب او ببعض طبقاته صريحا فى بعض آثاره .

وها هو فى قصيدته ( خطوة اولى ) يصور ركود الشعب وخموله وفقدان الاحساس فيه باعمق ما تدل عليه هذه الكلمات من معان فهو يلاقى العناء دون ان يدرى وهو يعتبر الادواء التى تمكنت منه والعلل والخطوب التى تفشت بينه خطوة اولى .

ويح هذا الشعب كم يلقى العنا   وهو لا يبدى

يخدم الانسان فيه الوطنا          دونما يجدى

قلت عاث الشر فى ارضكم طولا                 فأجابوا ان ذا خطوة أولي

بثت الاوباء فى الشعب ، وهل                                أنت تخفيها ؟

والتقت فيه خطوب وعلل                                   لست أحصيها

قلت سيف الموت فى الشعب سلولا              فأجابوا ان ذا خطوة أولى

هل حقا هى خطوة أولى ؟ والى أين ؟ الى المعالى أم الى القبر ؟ انها روح الشاعر الساخرة تترك السبيل الى المعنى ايحائيا أو غامضا ، وهى سخرية متعمدة فى غموضها ، لعل الشاعر أرادها طريقا الى الاثارة وايقاظ الهمم .

ومثل هذه السخرية بل مثل هذا التنديد بالشعب نلمسه فى العديد من قصائد الشاعر من مثل ( الامر استوى ) و ( أيها الليل ) و ( أفق الرزايا ) وغيرها ...

على أن للشاعر قصائد أخرى وقف فيها موقف المؤيد للشعب من أهمها تلك التى ناصره بها فى مطالبته بالدستور . ومن أبرز هذه قصيدته ( فى سبيل الدستور ) التى جاء فيها قوله :

ولا غرو ان صحنا وقلنا حقوقنا         يؤيدها الدستور فهو كفيل

طلبنا ضمانات الحياة ولم يكن           على المرء صعبا نيلها والحصول

هو الدوحة الكبرى فاما ثمارها           فشهد ، وأما ظلها فظليل

وبند ترى الاصلاح فى خفقانه          وتحظى اذا مستك منه ذيول

وللشاعر زهرتان كان قد نشرهما بمجلة النديم ردا على الحملة التى شنتها الصحافة الفرنسية قصد الحاق تونس بفرنسا قال فى الاولى وعنوانها ( ليس بالسهل ) متوجها بالخطاب الى أصحاب تلك الحملة :

أيها القائمون بالعمل الممقوت           هلا فحصتموه مليا

ليس بالسهل هضم تونس حقا          عندما قام شعبها وتهيا

مزقوها اذا استطعتم ولكن              دون الحاقها لحوق الثريا

ويقول فى ثانيتهما وعنوانها ( لا كان ) :

يراد بنا مسخ ما خطه             يراع وجادت به محبره

فلا كان يوم نعيش به             وتونس آلت لمستعمره

ويعبر الشاعر فى زهرة أخرى عن تعلقه بالدستور وعن تفانيه فى الاخلاص له فى ( أنشودة الدستورى ) اذ يقول :

أنزل الاوصاب يا أفق الاذى        ان ما انزلته لم يكفنى

واجعلى يا ارض ما اقتاته            منك سما اننى لا انثنى

أنا دستورى وما لاقيته               من ضروب العسف لا يرجعنى

ولم تقتصر قومية سعيد على الوجود الاقليمى بل تجاوزته الى الوجود العربى الاسلامى عامة . ويمكن الاحساس بقوميته هذه فى اكثر من قصيدة خاصة تلك التى يتوجه فيها بالخطاب الى ابناء الشرق داعيا اياهم الى النهضة والسعى الى مجد الحياة .

وقد قال الاستاذ مصطفى رجب متحدثا عن هذه النزعة القومية او الشرقية كما شاء هو ان يسميها :

(( من قرأ شعر سعيد أو اطلع على طرف من شعره يجد النزعة شرقية بينة ، واذا قدمت مجموعة من هذا الاثر الشعرى غير مشفوعة بذكر صاحبها اعتقد أن صاحب هذه الاشعار مواطن فى القاهرة او فى سورية او لبنان او ما قارب ذلك من البلدان لان الروح الشرقية تملا جوانب هذه الاشعار . فسعيد يتكلم على لسان الشرق ويندب حظه ويذكره بأيامه الخضر ويصيح فى وجهه مناديا لايقاظه من نومه ورفعه من كبوته . وهو ينادى الشرقى بحرارة فى يأس طورا وفى استهزاء طورا ، وفى اثارة كوامن شعوره طورا آخر . ))

كانت القوى الاستعمارية قد سيطرت على جل الشعوب العربية اذا لم نقل كلها . وفى مستهل هذا القرن وحين قامت الحرب العالمية الاولى واندلع اوارها وعدت هذه القوى شعوبنا العربية المستعبدة ، بالحرية ان هى وقفت الى جانبها وجندت من شبابها من ينضم الى صفوفها .

وكان ان انخدع العرب او الشرقيون بهذه الوعود واندفعوا الى مناصرة محتليهم .

وحين ثم لهم الانتصار أخلفوا الوعد الذى قطعوه وذلك ما صوره سعيد فى قصيدته ( الشرق والسماء ) التى قالها على لسان الشرق يبتهل بها الى السماء ويقول :

خذ بيدى ، ويلاه قد ملات صدرى         خطوب أتت من حيث أدرى ولا أدرى

دخلت غمار الحرب والحق واضح           وغادرتها والحق قد صار فى القبر

مددت يدى نحو السلام فاصبحت          تحط الدواهى كل يوم على ظهرى

انا الشرق يكفى ان يكون بجانبى             من الله نصر للرجوع مع النصر

أنا الغر لما أن أديرت رحي الوغى            أنا الغر لا بل لست والله بالغر

فما هو ذنبى يا سماء ؟ وما الذى            أتيت لاغدو أكلة الرخ والنسر ؟

وفى قصيدته ( صوت الشرق ) يجعل الشرق يتوجه الى الغرب بهذا اللوم والتهديد فيقول :

مكانك يا غرب فسوف تحاسب           لدى عادل يدرى الخفايا ويحسب

ولا تجرحن يا غرب للشرق خاطرا          ففى كل يوم للزمان تقلب

خدمناك فى تلك الوغى وتسربلت          ثياب البرايا من دم وهو ساكب

وما عندنا فيها - كما هى - ناقة         ولا جمل نسعى له وهو هارب

ولكننا جئناك لما وعدتنا                    وقلنا معاذ الله ان كنت تكذب

ولكن الغرب مع الاسف كان كاذبا مخادعا وذلك ما دفع بالشاعر الى ان يتوجه للشرق منبها ومحرضا على الثورة وداعيا الى الانتفاضة اذ يقول :

ألا أيها الشرقى هل من تاثر           يحرك ذاك القلب ؟ يكفى من الذعر

وهل لك من هذى الرزايا منبه        وهل لك عند المدلهمات من عدو

إلى القبة الزرقاء سعبا الى السما       الى مجلس ما بين انجمها الزهر

تعلق باسباب المعالى فانما             اليك العلا تبدى الرضى لا الى الغير

وقطع بدا أمست تقطع بالمدى       فؤادك ياالله من ذلك الامر

هى الغفلة العظمى تفاقم خطبها      فنابك فيها الخسر أعظم بذا الخسر

هى الدهشة الكبرى فاما زوالها        واما زوال الشرق فى غصنه الزهرى

ثورة وتجديد :

(( لو تصفحت الديوان لوجدت الشاعر لم يهرب عن مشاكل عصره ... هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فقد ساهم فى تجديد الشعر التونسى الذى

كان يرسف فى قيود التقليد والبهرج الاجوف فكان مجددا شكلا ومضمونا . وانت لا تجده يتبع طرائق الشعر القديم من ناحية الشكل بل يلجأ الى الاوزان الجديدة التى احدثها ادباء المهجر والتى تستوعب مشاكل العصر الجديد . ))

هذه هى الشهادة التى سجلها الاستاذ على العريبى والتى حاول بها أن يحل الشاعر المكانه المجلاة بين شعراء عصره . وانها لشهادة ذات جوانب ، يتصل بعضها بمعالجة الشاعر لمشاكل عصره ، وبعضها بمساهمته فى تجديد الشعر التونسى من حيث الشكل وبعضها فى تجديده من حيث المضمون والذى يهمنا منها هو ما كان متصلا بالتجديد فى الشكل ، فقد نظرنا من قبل فى الاغراض التى تناولها وكلها تخرج عن الابواب التى عرفها الشعر التقليدى.

واذا كانت هذه الشهادة عامة فى حكمها فان شهادة الاستاذ راجح ابراهيم نبرز بصورة اوضح مذهب الشاعر التجديدى فى الشكل اذ يقول :

(( وهو من القائلين بحل قيود الشعر وادخال أوزان جديدة عليه . وهو أول شاعر تونسى تجاسر ونظم من الاوزان الجديدة التى ابتكرها لنفسه وأصبح له فضل ابتداعها عند محبذى طريقته غير مبال بالانتقاد الذى كان يوجهه اليه أناس كثيرون فى بادىء الامر . ولكن ما لبث ان اقتدى به بعض الشعراء العصريين واصبحنا نرى من حين لآخر على صفحات جرائدنا قصيدة من الشعر الجديد ))

وبمثل هاتين الشهادتين أدلى الاستاذ زين العابدين السنوسى والاستاذ مصطفى رجب وآخرون ونحن مع كل هؤلاء فى ان سعيدا كان قد رفع علم الريادة فى الاوزان بتونس ولكننا مع ذلك نود أن نشير الى انه لم يسلم من الوقوع فى الاخطاء اللغوية والتعبيرية والضعف التركيب والابتذال التعبيرى .

ان ضعف الادوات اللغوية والتعبيرية هو الذى اضطر الشاعر الى اعتماد كلمة يفرضها عليه الوزن ما كان لها أن تحل فى الموضع الذى احلها فيه لولا الضرورة ، وهو الذى اضطره الى الوقوع فى الكثير من الزحافات الثقيلة وهو الذى أوقعه فى الكثير من التعابير المبتذلة التى كان من الواجب ان يتسامى عنها .

هذه حروف جر مثلا يحل بعضها مكان بعض فاذا المعنى يختل او ينعكس ، وهذه حروف يقتل النغم اصواتها فلا نكاد نتبين معانى كلماتها الا بالمعاينة الخطية ، وهذه كلمات لولا انتظام البحر لها لعددناها من الكلام العامى الذى

يدور على السنة الناس فى الاسواق ، وهذه ... وهذه مما لا يتلاءم مع التعبير الفنى لشاعر مجدد .

وفى رأيى أن هذا الضعف يعود أساسا الى أسباب ثلاثة :

1 ) محدودية ثقافة الشاعر فهو لم يتجاوز المرحلة الابتدائية فى دراسته . ومعنى ذلك أن ملكته التعبيرية واللغوية عامة لم تستكمل تفتحها .

2 ) اشتغاله فى مكاتب المحامين ثم بالصحافة ، فقد عوده هذا الاشتغال عل التعليل والتقرير وتقديم الحيثيات ، وعلى اقحام الكثير من الكلمات السوقية

3 ) وهو سبب نفسى لا يقل اهمية عن السببين الاولين ان لم يكن اهمهما ، ويتمثل فى اطمئنانه الى سلامة آثاره وجودتها منذ أن كان يتلقى كلمات الاستحسان والاعجاب والتشجيع من بعض معلميه فى المدارس الابتدائية . فهو كما قال الاستاذ راجح ابراهيم والاستاذ زين العابدين السنوسى كان قد قال الشعر وهو فى الحادية عشرة من عمره ويذكر الاستاذ راجح انه كان يحرر بعض مواضيعه الانشائية شعرا . فيقول :

(( ان معلما كان مغرما بالتنقيح والتشطيب والزيادة والنقص فى مواضيع الانشاء التى كان يعطيها للتلاميذ ليحرروها . وقد كان سعيد يجهد نفسه فى كتابة الموضوع بصورة كان يتحققها تقنع المعلم ولا تحوجه لا لتنقيح ولا لتشطيب ولكن بدون جدوى واخيرا توصل سعيد الى ان اجبر معلمه على عدم مس كتابته بطريقة شيطانية لم تكلفه الا كتابة الموضوع قصيدة شعرية لم يجد المعلم الى نفسه حقا فى مسها خوفا من اختلال الوزن او القافية . ))

وقبيل هذا النص كان الاستاذ راجح قد اشار الى انه وقف على نموذج من شعره وهو تلميذ فى (( احدى كراساته المدرسية التى ما زال محافظا عليها كتذكار نفيس لايام دراسته وصباه )) اما هذا النموذج فيمثل ابياتا من قصيدة طويلة حرر بها موضوعا انشائيا عنوانه ( وصف حديقة ) :

حديقة زانها فى الكون ان بها        من النسيم نسيم الطيب يرعاها

فنرجس شاخص يقول ناظره        سبحان من رفع السما وعلاها

والدوح زاهية والطير خاطبة         على منابر ذاك الدوح مرساها

وزادني عجبا من حسنها مطر       القى على سطها ماء فارواها

تجرى المياه ، وصب الماء يكثرها    وبين مجرى أراج الطيب مجراها

أما الاستاذ السنوسى فقد اورد له نموذجا آخر ضمن خبر مفاده أن أحد متفقدى التعليم كان قد زار المدرسة التى بها الشاعر واراد ان يستكتب التلاميذ شيئا فأملى عليهم :

الشعر صعب وطويل سلمه           اذا رقى فيه الذى لا يعلمه

زلت به الى الحضيض قدمه           وليس يقدر عليه قلمه

فكتب الشاعر البيتين واضاف اليهما من صياغته قوله :

لكنه سهل قصير السلم           اذا رقى فيه امرؤ تعلمه

يخطو به الى العلا بقدم            عندئذ وكل عبد يكرمه

لعل هذه هى البداية فى اطمئنان الشاعر الى سلامة آثاره وربما تعمق هذا الاحساس بالاطمئنان حينما أخذت جريدة النديم تنشر ( زهراته ) فقد زرع فيه هذا الاستحسان وهذا النشر المبكر بذور الغرور فى نفسه فاذا به لا يسعى جاهدا الى استكمال شخصيته الفنية واذا به لا يتناول آثاره بالتحوير والتنقيح واذا به مع كل ذلك يرفض كل توجيه ولا يعترف باى خطأ يقع فيه ولعل ذلك ما يمكن ان نستشفه من قول الاستاذ السنوسى :

(( ... انه يهتم بالمعنى وينقطع فى الاهتمام اليه حتى اذا ذاكرته فى الامر اكتفى بالابتسام الا انه فى المرة الآتية يأتيك بنفس العلة التى كشفت له عليها ))

ان هذا القول يؤكد لنا على قوة اعتزاز الشاعر بآثاره الى حد الغرور ويزيد المسألة تأكيدا ما نقله الاستاذ احمد خالد عن جريدة ( لسان الشعب ) عن تلك المعركة الكلامية الحامية التى دارت بين الشاعر وبين الاستاذ السنوسى والتي كان الشاعر مصدر شرارتها الاولى اذ لاحظ بعض التحوير فى اربع ابيات من قصائده التى نشرها له الاستاذ السنوسى فى كتابه عن ( الادب التونسى فى القرن الرابع عشر ) .

وعلى كل ومهما كانت المآخذ التى يمكن تسجيلها على شعر سعيد فانه يبقى أحد الرواد العصاميين الذين انطلقوا بالشعر من مهاوى الافلاس الفكرى والعاطفى إلى مستوى الأبداع والخلق والتجارب الثورية الحية .

اشترك في نشرتنا البريدية