الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

سقوط سدوم، مسرحية فى سبعة مناظر

Share

" ... ولوطا اذ قال لقومه أتاتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين . اتكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون " قرآن ( الاعراف - 80 - 81 ) .

" ها هى الحياة - حياتنا . ما أكثر ما يدب فى ظلماتها من البشاعات والميقات ! ها هو العالم - عالمنا . ان جسمه ينخره السوس ، وهو يعبث ويلهو ! ها هي الناس الآنية الخاوية بذار الالوهة . انهم يتسابقون الى الهاوية ، وفي سباقهم يتحطمون " ميخائيل نعيمة ( سبعون ج 1 ) .

أشخاص المسرحية :

لوط : ابن أخي ابراهيم الخليل - نبى ، بشر . أسمى : ابنة لوط . أنثى حالة اليا : زوجة لوط . أنثى . ود : سدومية فتاة واقعية ! راحم : ابنة لوط الصغرى . طهارة محض  بعلزبول : نبى الفلس . لاشيئية تامة . يوؤاش : سيد سدوم ورئيس الكهنة رسولان - كهنة - صوت ابراهيم رجال - نساء - هو اتف - اصداء - أصوات سامان : (ابن يوؤاش) : مؤمن - حالم - ثائر الزمان : سنة 2000 ق - م المكان : فى دائرة الاردن

المنظر الأول

آخر عشى مختنق الانفاس من عشايا الصيف القائظ . تبدو " ساحة المعبد " مقعية أمام معبد المدينة ومنزل رئيسها " يوؤاش " هى ساحة جرداء الا من تماثيل صخرية قاسية الملامح صلدة . يظهر على قاعدة أحدها - تمثال " جلسد " ، ربة الشهوة - انسان مستلق بغط فى نوم . . هو سامان بن يؤؤاش ، قد ترك نفسه الى الحلم ، فهو فى عالم آخر ... فى ذلك العالم - الآخر - نرى المكان قد تغير ، أما الزمن فنفسه آخر عشى . هناك منزل تحيط به أشجار برتقال ، وكروم ، عن يمينه وشماله قد امتدت مزارع قمح قد وقعت الى نسائم الاصيل فى اسلام ... فى احدى غرف المنزل جلس سامان الى فتاة كعين فتنة لاتغيض ، يغمر وجهيهما الق سحرى كأحسن الحسن وأبدعه وأجمله نحوم أطياف من السحر الخاطف حولهما ، فيغرقان في دنا الصحو الخالب خيالين من أخيلة الاساطير ...

سامان

أسمى ! لكم اعيانى الجوس بحاثة دؤاوبا عن مرفا ترسو لديه آمالي مرحلة نجاء وقرار الدعة والسلام . وكنت أدنو من الشط يجذبنى نور كاذب هو نور أشعة واهنة تي لقمر رصاص محتضر .. فكنت انخدع وكنت انطلق وراء المجهول يجدبنى جذبا ويشدنى اليه شدا ، فكنت انطلق وراء المجهول الى حظه الواقع الى نفسه ، أو كعورة الجبل تقع الى العراة والقيظ والريح العصوق فتولد تناقضا وتآلفا يتمازحان ويتحدان كلا فاذا هي قائمة جلاميد رصاصا صلبا تهزا بالقيظ والعراة والريح العصوف ، يصطرع فى جوفها الملا والخلاء اصطراع العدم والوجود ، فلكم رأيتني ملأ وجودا وذاتا كلا ، أتخذ المجهول الحادى تعلة لسر بقائى وسر وجودى ! ولكم رأيتنى خلاء عدما وذاتا عددا ، أتخذ الموت والخيبة تعلة لفوضى كيانى وتيهى .. والتمست ظل الفلس اتفيأه ممتدا يشمل سدوم ، وانسانى الخيبة والموت حينا تخيلتني آبدا قاهرا تزف لى الدنيا ببشائرها وتقبل ذلولا خضوعا ، حتى تولد لدى لاسلامها كره وأصابني الضجر ومللت ظل " الفلس"

وكرهت سدوم ... وعرفت أنها لعنة القوم تنصب على سياطا لاهبة .. فأجفلت وفزعت الى الكفر " بالفلس " والزهدفى نفسى ... حتى كان يوم رأيت فيه " جلسد " طيفا يتكور لذة متعة ويشف بلورا صفاء ، والتمسته فاذا عين تدفق وكون خصيب ٠٠ لا المرمر صلبا ولا ما يدعو الى الكفر والزهد والعزلة ، فقلت : " لتكن نهاية المطاف وليقر قرار ! .... " وكنت الى " جلسد " وكانت الى أعب فلا تنفد وتمتص فلا ترتوى ، أستزيد فتجود وتطلب فأهوى لها هويا ... بعضا من دهر حتى صرت كمن فسا الضربان على وجهه ، هزال يكتسحنى اكتساحا وضعف ووهن . فعرفت أن لاقرار ولادعة ولا أمن ، واني عائم فى فراغ . وقام أمامى السر ينكشف ويتعرى جليا واضحا . . . لقد كنت خروفا شذ عن القطيع ٠٠ مما حصلت الا على ما قدرت لنفسي ! أجل ! هو " نظام الكون " قد خالفته ، فحق العقاب ولعنت " الفلس " و " جلسد " والمدينة ، وابحرت من جديد ، حتى أتيت الضفاف يهتاجني الشوق ، ووجدت القطيع ، ووجدتك مرفأ . . .

وجدتك يا أسمى ، فهب الكون كتلة من النغم والنور ، ومزنا من العطر ، وغرقت فى صحو عينيك مطلا منهما على الكون ببدائعه وبشائره ، وتولد نسيانى الزمن واللحظة ، وقام الكون يقدس اسمينا ، سرين فى ضمير الوجود الحى . فتبارك الرب يا أسمى !

اسمى

كنت فتاة حالة أخشى ان اكون القمر الآفل الذى رآه عمى ابراهيم أو نجمة تهوى . . وكنت أرى رؤى فى يقظتى ونومى ... وكانت " الرؤيا " تجسد لى كائنا حيا هو عالم أخضر يغشاه فجر ... أرنو اليه فى خشع وانبهار . كنت اليه بفكرى وقلب وما اعتقدت أنه وهم ، مؤمنة بيوم يصبح فيه الطيف جسدا حيا ... حتى وهب الرب أبى سدوم وكان يا سامان ما اعتقدت . وكان اليوم الذى آمنت أن سيصبح الطيف فيه جسدا حيا وشمسا نارا ونورا ... ذلك اليوم هو يوم لقائنا أمام سدوم ... كنت البراءة والطهارة ولا أزال ، أبحث عن عالم أخضر وفجر جديد ، ولقد لمستهما فى عينيك ، سامان ! فتبارك الرب الذى بارك أحلامنا ! ...

تظلم الدنيا فحأة اظلاما خفيفا اذ بكر على السماء سحاب أسود كقطع الليل سوط عذاب ... ويلعج برق يشق بطن

السحاب . ينفذ الى الغرفة نور وهج يقع على وجهى سامان وأسمى وقد احتواها حضنه كائنا حيا ، فهما غرقان فى صمت محبة جارفة ... حينا وينفجر السحاب رعدا راعدا كغضب السماء . تنتفض أسمى كمن غشيه فزع .

اسمى

هاتف من السماء يا سمان . إخاله نذيرويل ... يتحول الرعد صوتا نذيرا . سامان الى الرعد والعاصفة يسمع خطاب السماء ...

الهاتف

" ان صراخ سدوم قد اشتد ، وان خطاياها قد عظمت جدا . فويل للكافرين من شر يوم عصيب ! .... " .

اسمى

انها رؤياى البارحة ياسامان .. لقد رأيت ثعلبا يندس بين طيات ظلمة بعد ان نظر حواليه وقال : " هذه الظلمة ظلى " . ثم غار فى دخل حتى انتهى الى نهر وقف على ضفته كالمزهو يرقب فى عجب مجرى النهر الذى كان يحمل جثثا من بنات آوى وبنات عرس يسوقها التيار الى هاوية سحوق . . . كان منظر النهر والجثث المتدافعة الى الهاوية يثير سخرية السماء . فكانت النجوم تغامز وتهامس ، ووشوشات الليل تسرى ، وكأن ليس من نهر ولا جثث ولا هاوية . . . واذ لاحظ الثعلب لامبالاة السماء به والنجوم والليلة الغافية ، انتفض كالملسوع ، وقال : " هذه أمتى ! " وارتمي فى النهر ليحمله التيار الى  الهاوية . فعرفت أنه نبى فاقد وعيه ينتحر ...

ينزاح الظلام . وتلوح سدوم بمبانيها وهياكل الهتها بعلوها هيكل " الفلس " الى المتحدثين ، غيراء يغشاها ضباب كثيف ، اذ استحالت العاصفة الى ريح عوى كالعواء أو النحيب ...

سامان

يشير الى هيكل " الفلس " وقد امتد فى الهواء ، فبدا لهما .. ) ترين " الفلس يا أسمى ؟ انها سبب الويل وغضب الرب على سدوم ! هي التى جعلت من أبناء سدوم بنات عرس وبنات آوى يغيضون فى الهاوية ! ...

اسمى

إخال الساعة تقترب يا سامان تنتفض كمن به مس ) : انى

أسستمع عجبا ! الريح تحمل صوت عمى ابراهيم من "حبرون" ! (منصرفة الى الى الريح والعاصفة ) . يصغى سامان بدوره ، فياتيه صوت غائر غائض في الابعاد ، مع الريح ، كالحا شاحبا ، ثم ريان حازما ... هو صوت ابراهيم الخليل من حبرون .

الصوت

ربي ! أيها الاعدل الامثل ! أفتهلك البار مع الاثيم ، فى سدوم ؟ عسى ان يكون فيها من البررة خمسون ؟

هاتف

( يجيب ): لا يؤخذ البرئ بالمذنب يا ابراهيم . . ولانهلك سدوم اذا كان فيها خمسون بارا . . .

ابراهيم :

الهى ! خلقت الانسان من ماء دافق ، وكونته من تراب . . فهو التراب ينحل فى الماء ويذوب ! يذوب في ذاته ويفنى ! والسدوميون تراب يدوبون فى الماء ، ذواتهم ، الدافق من عين اثم جارية . . فعسى أن يوجد فى سدوم أربعون بارا . أفتهلك المدينة من أجل العشرة الآثمين ؟

الهاتف

لا نهلك المدينة اذا كان فيها أربعون بارا . .

ابراهيم

الهى ! خلقت الانسان من صلصال كالفخار ، يتحطم كالزحاج ولا رتق . فهو طين ووحل ، ونار ونور .. وقد تأكل النار الطين والوحل وتبتلع النور الصفاء ، فاذا الانسان من مارج من نار .. والسدوميون قد امتلؤوا بخوائهم . فهم الذئاب هزالا قد قتلهم الصوم عن التوبة . وهم الفحم احتراقا وبسا قد أكلت النار الاتون الطين والوحل منهم وابتلعت النور الصفاء فيهم . فهم من مارج من نار ولا نار ، وهم الظلام الخواء ، ولا نور ! فعسى أن يوجد فى سدوم ثلاثون بارا فقط . أفلا تشمل رحمتك المدينة من أجل الثلاثين ؟

الهاتف :

لا نهلك سدوم اذا كان فيها ثلاثون بارا ...

ابراهيم :

رب ! سدوم أرض الخطايا . ورحمتك أقرب الى أمل الانسان من عقابك . فأنت قابل التوب ، شديد العقاب . وعسى أن يوجد فى سدوم عشرون بارا . أفلا تقبل توبة هؤلاء من أجل الآخرين ؟

الهاتف :

خلقنا الانسان من نطفة . خلقناه من علق . خلقناه من صلصال كالفخار وخلقنا الشيطان من نار . خلقناه فى أحسن تقويم رجلاه فى الارض ورأسه فى السماء ، ثم أتى عليه حين من الدهر فرددناه أسفل سافلين . فهو فى الارض ولا سماء ! وهو من الارض ولا سماء ! وهو على الارض ولا سماء ! وقد حقت كلمة العذاب من ربك . ولكن الله يقبل التوبة ويغفر الذنب . فلا يهلك سدوم اذا كان فيها من البررة عشرون ، ولا يهلك سدوم اذا وجد فيها من البررة عشرة ... والله أعلم بمن فيها ٠٠٠

كانت الريح رخاء ثم تنقلب زعزعا يتلاشى معه الصوت والهاتف .

سامان

انها نهاية سدوم !

يطرق . ثم يتجه ببصره الى الشرق كغارق فى صلاة أو ذائب فى حرارة التأمل ... وجهه الشرق والفجر والصبح حمالا على جمال ! ثم يعود الظلام إلى المكان خفيفا ... لحظة ويغزو النور المكان ليكشف سامان عن مكانه الاول يغط فى نومه وأحلامه .. وفجأة يستيققط وينظر حواليه كالفزع أو المهتاج ٠٠

المنظر الثاني

بعد ثلاثة أيام من حلم سامان . آخر عشى من عشايا الصيف ، بنفس المكان : ساحة المعبد . شبحان يلجان الساحة الجرداء الا من التماثيل الصخرية الجامدة ، يأتيان قاعدة أحدها " جلسد " يضعان عليها جسديهما حملا ثقيلا . هما سامان وود . لكأن عين بكاء فائرة قد انفجرت فى نفس سامان . فهو الى الثورة والكفر يجنح ، تظهر ذلك حركاته الثائرة العصبية ، وتنظر اليه ود فتنكر منه ، وينظر اليها فينكرها .. هما طريقان قد افترقا ...

سامان

رأيتنى البارحة ياود وحيدا اسير فى نفق كامتداد خطاياى منبسطا ظلا أجرد قاسيا زمهريرا ... لم أر فيه نفسى انما أحسسته ثقيلة ثقيلة اذ لا نور ولا بصيص الا الظلام الاقتم يشعرنى بضآلتى ويجسم لى حقارتى جبانا جبانا أسير ظله أسير نفسه أسير الظلام ؛ وبينما كنت أسير ، ولا طريق ، مقطوع الصلة

بذاتى مجتث الاصل من الوجود الحق ، انفرج سطح النفق عن تقب انفجر منه شعاع حادا حديدا جعلني انتفض فتعود الى ذاتى وأعود الى الوجود ... ثم امتدت يد من الثقب وقذفت بتمثال صغير فى شكل كلب عليه رسم " الفلس " و " جلسد " فى صورة امرأتين تتعانقان . فالتقطته وقلت " هي أحلى هدية تكون الى أنثى سدومية ! وستكون الى ود ، أشهاهن اطلاقا ، فى عيد " الفلس و " جلسد " موسم الخصب " . ولكن التمثال استحال فى يدى رمادا ، ولم تمهلني اليد اذ اجتذيتني الى أعلى . . الى النور الالق . ودفعت بى الى الشرق ، ولا أزال سائرا حتى آستيقظت ... ( مفكرا ) : لقد استيقظت لاكتشف زيف حقيقتى ! حقيقة من كان حلما كاذيا وخبرا باطلا وزيفا زيفا !

ود

: ( منكرة منه ) : أراك تؤمن بالاحلام ؟ !

سامان

لحلمى ذاك أمس وغد . فحياتنا فى اليقظة هي حياتنا في الحلم . الحياة امتداد كل لا يتجزأ ...

ثم يثور فجأة كان ذكرى بعيدة تخزه وتحركه قسرا .

ينظر حواليه وينفجر ٠٠٠٠

لست أدرى هل يوجد جحيم آخر غير الذي يحملنا . . أرض تائهة يعانقها القحط ، عاهرة عقيم لا تخخصب أرحامها غير اللعنة ... وسماء ضائعة خلف سف من الظلمة . . . عجوز عقيم قد أنقض ظهرها الدهر . .

ود

( تتمسح به ، كأنها قطر عجوز ، متأثرة ) : لماذا تغرق فى اليم ؟ انظر حوالي زخم الحياة يزف اليك بنفسه ! وانهر غرابا ينقر من قلبك . أنت فى جنة دانية قطوفها ، يريكها الوهم جحيما .

سامان

ود ! الارض فى مناحة ، والآلهة في جنازة !

ود

بل الارض فى عرس ، ولامناحة ولاجنازة الا فى قلبك ... ألا تسمع هذا البغام يصاعد من جسد حتى ، ويرفرف حولك كأنفاس الجنة يغرى لذة ! ...

سامان

ان الاوام الذى يشد اليه هذه الارض ببأسه لشديد ، وانه

الملعون ! ولكنك امرأة غير مدوزنة أوتار قلبك ، ففي أذنيك وقر وعلى عينيك غشاوة . ان فى قلبي لزعزعا يحتدم أين للرخاء الكاذب الذي يغمر قلبك ان يهون منه !

ود :

إنك لضعيف واهن يا سامان . ان الحياة خصلة من شعر تنام على كتفك . ( تضع رأسها منسدل الشعر طويله ، على كتفه ) . وهي تفاحة تهدى نفسها اليك . .

ينفر سامان من حركاتها ، ويحاول التخلص منها . ولكنك أجبن من أن تضم هذه الخصله ، وأضعف من أن تجنى هذه التفاحة !

سامان :

لعنت تفاحة تخرجنا من الجنة لنكون فى هذا الجحيم غفلا يسعى الى الهوة أزفى ! ها نحن فى عالم مجنون ، يجذبه الحيوان فيه الى حمأة التراب ! الارض فى مناحة ياود ، لانها توشك أن تودع ابنها المجنون ! والآلة فى جنازة ، لانها توشك أن تتصدع ! ...

ود :

سامان ! انك ترى الحياة بعين وهمك وخيالك . فأنا لا أسمع نواحا ولا أرى حزنا . بل أرى أرضا ممتدة ظمأى الى قطرات المطر لتخصب حبا وحياة . وهي تدعوك الى أن تغزو قلبها نمزو الفاتحين لتهبك كنوزها وتفعمك طمأنينة وسلاما ... كن انسانا ينظر الى أعلى ، يشد اليه بالحياة ، فتهبه نفسها . ولا تكن الها ينظر الى أسفل ، يحتضن الخيبة ، ويضم اليه أملا عقيما .

سامان :

أنت واهمة يخدعك سراب كاذب . رجلاك فى الوحل ، وفى قلبك نور زائف . أنت قمر آفل ، لا تررين الظلمة التى تتردين فيها . إنى أرى ما لا ترين يا ود !

ود :

( منفعلة ثائرة ) : ماذا ترى ؟

سامان :

أرى انك عورة صارخة ذلا . أراك أنفا أذن يسيل مخاطه قياحا صديدا ، ارضا واطية مؤتفكة لا يرويها ماء أجاج لا يوجد غيره فى هذه المدينة الآثمة . فلئن بزغت نجمة صبح تحب ذاتها لكان أجدى لك من أن تأفل قمرا . لئن تكوني حمامة تشد اليها بالفضاء الارحب لكان أحدى لك من أن تلوذى بالتراب قطرة شقة !

ود :

سامان ! انك لا تزال طفلا يؤمن بالطهارة ، فيالخيبتى ! يوم التقينا على الدرب ، قلت انك المنتظر الذى كنت أحلم به في يقظتى . كنت إخالك سترانى شمسا تسطع فى سمائك وتحسنى نارا تلتهب فى قلبك ، فتسابق الثوانى وتسبق الطريق لتلقانى سحرا وبهارا بين يديك . ونختفى خلف غلالات الفجر نجمين أغفلهما الليل ، لاظل لنا كنت أتخيلك تقبل على ينبوع حب ، فارفضك تمنعا وكبرياء أنثى . ثم أندس فى حضنك وقد أغرتنى فحولتك وأقول : " وهل للحياة أن ترفض ذاتها ؟ " . وأحس بك نارا تلهبنى كهذه الشمس التى كانت تبارك حبنا ، والتحم بك ليلة مقمرة البسك نهارا مشمسا ، لنصبح الدعة والفرار . والتقينا فى ظل " جلسد " التى عبدناها مخلصين . وضمتنا بعضا الى بعض ، منذ ثلاث سنين ، فقلت انه الحلم قد تحقق ، اذ اتحدثت بك فاكتملت ، وانى حزت ما تتمناه كل أنثى فى سدوم : ضممت الشمس الى جسدا حيا بديعا أباهى به الاخريات . وكانت طلبتى اليك أن نغفو عن الزمان تحرسنا " جلسد " ربتنا ، و " الفلس " . فكنت تهمهم وتقول : " ستهمو المطر ياود . وتخصب هذه الارض ، فان بها رغبة حادة الى البذل ! " . وكنت كلما التقينا تأخذ اليك بجسدى الشهى ينبوع لذة دفقا ، وشفتى كاسين من عسل مصفى . فنغرق فى الصحو ويولد النسيان فيغفلنا الزمن وننسى اللحظة . وكان الزمن اليقظ ، وكنت الغافلة . فيالسخفى ! لقد كان ظني وهما وكنت لى خدعة . كنت كصافر طول الليل مخافة أن ينام فيؤخذ ، تتدلى مصلوبا على الغصن ، وما دريت ! وانتابنا لصفيرك الغراب غرة ، وهوى لعش ! ولم أفكر بك من قبل شعرة ستبيض وتنزع من رأسى تستغرق فى بكاء ونشيج ) .

سامان :

لعتمة جسدك أن تنكر وميض قلبى . ولكن ليس لقلبى أن يغرق ثانية فى الوحل . فقد استحال الصحو الذى كانت تغزله عيناك بقلب غيمة لاهثة وسحابة أجهضت فلا وبل . واذا قلبى كهذه الارض الضائعة الضابعة الشهباء ، من ظما ، واذا جسمى كالبعير الضالع لا يقوى على حمل سقامه . فصرخت مغلوبا: " أريد خصبا ولا عقم ! أريد ريا ولا سراب ! أريد برءا ولا سقام ! " . ودفنت الذئب الجائع الذي كنته . وأصابنى الاهمال والزهد من نفسي . وجسست الثوب الذي ألستنيه سدوم

فاذا هو سائس يهبو ، واذا أنا فيه دودة حشفة أذى ، كالمرأة الوحى عزوف ، او كسحابة انتجفتها الريح فلا رغبة ولا شهوة ! ولعنت ضياعى ، والتمستك عصا أعتضد بها فى طريقى الجديدة ، فوجدتك دقيقة رخوة يذيبك المس ، رغوة الموج يفتها الصخر . وحاولت ، وحاولت " جلسد " ، فلم يقو الشبق الصارخ فى عينيك وعينيها على أن يعيدنى الى الحياة ذئبا . فعرفت أنها نهاية ما بيني وبينك ، وخاتمة ما بينى وبين " جلسد " والمدينة ، ورغبت عنك الى صحو أزلى يا ود ، فلا محيد ! ...

ود :

ان فى قلبك سحابا خلبا وانك لعلى أرض تيه ، سروب كحاطب فى الليل ياكلك الوهم ، فتخال الكفر " بالفلس " و " جلسد " ايمانا منك ومنة . أعرفك تكره آفتراش جناح أملك نهبا للبل والمتاهة والسراب يخدعك ، وقد قصر خطوك وامتد ظلك ، ولكنك أجتزت نهاية الطريق بحثا عن اللعنة والظل الابد . فأنت الآن حشيشة طفيلية فى وادى سدوم ، تتطاول برأسها لتلعنها " الفلس " فتيبس ... فحذار من لعنة آلهتك ، وغضب سدوم ، سامان .

سامان :

انه يأس الانثى تحلم بعش ورد يضمها وحبيبها فى كوكب بعيد ... بعيد .. ثم تستيقظ وفي يديها قبضة من خيبة .. أتطلبين الى أن أكون كدابة فى مملكة " الفلس " ربتكم ، أكترش لاساق الى المذبح بركة " للفلس " ولعنة لنفسى ؟ كلا ياود ! انى أرفض أن أكون نخلة سحوقا تهوى لاول زعزع . ( لحظة تأمل ) . انها لمباركة تلك البارقة التى بددت ما جمعنا من حب آثم ومزقت ما تبقى من الثوب الذي ألبسنيه سدوم ! كيف يمكن لك أن تعرفى أنك خابطة فى تيه ، ضالة ، غائرة فى هوة ، غائضة ؟ ضائعة يحدوك وهمك الى سراب خدعة ، ثم لا ترتدى عن ضياعك كفرا به واعراضا عنه ؟ لقد كنت ذلك الضايع التائة ياود ، ولقد عرفت .

ود :

( ساخرة ) : ولقد سرقت من النار قبسا طهرك من الطين ونقاك فانت سارق النار ! الآه . أوت حدسا هبة اللآلهة لعبادها الصالحين ! فما هذه البوارق الهاجسة فى خاطرك !

سامان :

لست ابن آلهة ، فأنا أشد الناس كفرا بآلهتكم والصالحين

المقربين اليها ... ولكن ، أتعرفين كيف يولد القرف فى القلب البتول ؟ كان قلبى صفحة السماء صافية ، لا غيم يغشاها ولادخان . ثم عرفتك وساقنى أبى الى آلهته فعرفتها . وكنت فى دعة ألقاك دافعا الى الحياة يغرينى بنفسه . وأخلو الى الفلس فيبعث اللقاء فى قلبى ما ينبعث في قلب متطلع للنجم ، تائه . فقلت : " انها الطريق قد اكتشفتها ، وانه سر البقاء قد حزته ! ". وسرت تحدونى أشواقى اللافحة أحملك " والفلس " و " جلسد " والمدينة كلها فى قلبى ، درعا يقينى نابل الوهم والقرف ، وما قدرت أن تنقسم ذاتى اليك و "الفلس" و " جلسد " والمدينة ، ذواتا فروعا ناتئة عن اصلها حائدة وشعرت بها كتفا من شعث السحاب الخلب يغشى صفحة سمائى . فهى الاسن والعفن ، ولن تتمركز ذاتى ! وتولد الضجر فى قلبى ، وأخصب السأم ، وطلبت مخرجا فأعيانى الجوس والجهد الخائب ، حتى حدثت المعجزة ...

ود :

حقا لكأنك النبى الذى قيل انه ظهر فى " أور " مدينة الكلدان ألم أقل انك مختار الآلهة وصفيها الى سدوم ... أوتيت علما وحكمة . . والا فمن أين لك بالمعجزات ؟ ومن أين لك بالالهام ؟

سامان :

لست ابراهيم . ولكنها خاطرة ومضت فى قلبي الذي أردته نقيا طهورا . فأمس قد أعتليت جبل سدوم والبحن يمتد عن شمالى صفحة زرقاء غارقة فى الصحو والصاء ، ذكرتنى بعهد طهارتى ، والصحراء عن يميني ضابعة لهفى كجسدك الشبق ، أفقا عالقا بفم السراب . فذكرتنى بزمان الشوق والحنين الاكبر . وقامت أمامى بدائع الكون فاذا ايماني بك و " الفلس " و " جلسد " والمدينة الخبر الحداد ، واذا دعتى وأمنى باطلة الاباطيل ! انهار بناء فى خلجة جفن طارف ، وانهدت زاوية من كيانى اذ قام " النظام " أمامى بديعا فى أستقامته مدا وجزرا . لقد قام أمامى نظام الكون " يشف وضوحا فتنة تغرى . وقذفت بك و " الفلس " و " جلسد " من قلبى ، وأفعم صدرى حنين لاهف الى الخلاص ، وتلفع ذاتى احساس بكونها . . ولسوف تتولد فى قلبى الطهارة المحض ، ولسوف تتمركز ذاتى ، وينتفي القرف والضياع !

ود :

( منهارة ) انك تنتحر ...

سامان :

بلى ! أليس أنحرافا عن النظام أن آتيك من خلف وقد خلقت أمرأة تستقبل ؟ اليس انحرافا عن النظام أن يستدبر أبى " آحاب " الوسيم وبعض كهنته على فراشه ؟ بلى ! ولذلك انتحرت وكفرت بك و " الفلس " و " جلسد " والمدينة وانى لتاركك وتاركها .

يقوم ويتركها لوحدتها حديث خيبتها وأملها المنهار .

ود          :

(ملتاعة ، صارخة ) الى أين ؟

سامان :

الى وضح الطريق المهيع . ان الفجر آت يا ود الى سدوم . ولكنه سيرحل عنها ليتركها أنقاضا نهاية شؤما . . . لقد حق على سدوم وأهلها اللعنة وعقاب " النظام " . تلك رؤياى . . . وانى لمستقبل الفجر . ( ينصرف ، ثابت الخطوة ) .

ود      :

( جدارا عتيقا يتداعى ، وقطارا هرما تتوقف دواليبه ) : دعى يأتفك . . . اذهب انك لمنته الى الهاوية كغيرك من الخائبين . .

_ يتبع _

اشترك في نشرتنا البريدية