الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

سكة فوق البحر

Share

قصة

قال أبى : « اعتن بدروسك ! » وفى دروسى كانت الكاهنة . . وسألت أبى عن الكاهنة ، فقال : «  هي امرأة عاشت فى التاريخ . .» بحثت فى التاريخ عن الكاهنة فقالت لى دروسى : « هي امرأة عاشت فى افريقية . . .  » ورجعت الى دروسى أرددها : " الكاهنة امرأة عاشت فى أفريقية . تربط شعرها علم شكل ضفيرة وتقاوم عرب الجزيرة . . . الكاهنة امرأة جاهلة . . الكاهنة . . ( لولا دروسى ولولا الكاهنة لما قال أبى : « اعتن بدروسك » ولاستطعت أن أنام باكرا الليلة كما أتفقنا أنا و « منية » . منية بنية سمراء تسكن الى جانبنا . منية أصبحت سمراء منذ جاءت الى الزهراء .

وفى وجه منية تعيش ملامح الكاهنة . منية تحمل ضفيرتين ولدت احداهم الاخرى . منية لم تكن كاهنة لان الكاهنة عاشت فى التاريخ ومنية تعيش فى الزهراء . منية تحمل ضفيرتين ولدت احداهما فى ضفيرة الكاهنة فولدت اخرى . منية ستحلم الليلة بذهابنا غدا الى القنطرة . منية لم تذهب من قبل الى القنطرة ، قالت منية : انها ستأتي غدا باكرا لنذهب الى القنطرة دون أن تعلم زوجة أبيها بذلك.

. . وقال أبى : «  اعتن بدروسك! » وفى دروسى :  «. . وقطع العرب الصحراء إلى افريقية فتصدت لهم الكاهنة . .. » ورددت فى أعماقى وكما علمني استاذ التاريخ : «  ٠٠ وقطع العرب الصحراء إلى افريقية كالكلاب الجائعة فتصدت لهم الكاهنة . . . »

. . . منية قطرة جائعة وأهزل من كل القطط الجائعة لان زوجة أبيها ترهقها . منية ستنسى غدا أنها معذبة عندما تذهب معى الى القنطرة . قالت منية انها تريد أن ترى كيف يموت الوادى فى البحر عند القنطرة فقلت لها : « يبصق كل ما فى جوفه ويصبح بحرا . . » ولم تصدق منية ذلك وقالت : « سنذهب غدا الى القنطرة!»

سألت أبي : " لماذا تصدت الكاهنة للكلاب الجائعة »  ؟ . قال أبى : « اعتن بدروسك واترك الكلاب الجائعة وشأنها ! . . » وتركت الكاهنة وتركت .. «  الكلاب الجائعة » التى قطعت الصحراء من أجل الكاهنة .

. . وقالت لي منية : « سنجوع عندما نذهب الى القنطرة ! » وكنت أعلم انها جائعة حتى قبل أن تذهب اليها وقلت لها : سأتى بما نأكله قبل أن نذهب الى القنطرة ! » وابتسمت منية كما تبتسم كل بنية سمراء وسألتنى : «  هل هى بعيدة القنطرة ؟ » قلت : «  انها هناك بعد البيوت الخشبية التى تفصل رادس عن الزهراء ... »

. . غدا سأحمل لمنية قطعة الحلوى التى ستهبنى اياها أمى . غدا سنقطع الشاطئ الى القنطرة ولن تبقى منية جائعة . سأحمل لها فطيرة تأكلها

.... وقال أبي : « اعتن بدروسك ! » وفى دروسى : « الكاهنة تربط شعرها على شكل ضفيرة . .». . . . شعر منية على شكل ضفيرة ولدت أخرى ورددت دروسي فى أعماقى : الكاهنة ستأكل فطيرة . . وستبتسم منية كما تفعل ذلك عندما أجعلها مسرورة . . . ثم سنمضى الى القنطرة . وعند القنطرة يموت النهر فى البحر . وعند القنطرة تجلس منية وأجلس الى جانبها . سأحكى لمنية عن الكاهنة . سأقول لها : « أجعلى شعرك على شكل ضفيرة واحدة وسيذكرك كل من يعتنى بدروسه!)

. . وتذكرت أن أبى قد قال : «  اعتن بدروسك ! وفى دروسى «  الكاهنة امرأة حازمة قادت البربر الى المعركة . . »

... سأقود منية الى القنطرة وسننظر عجلات القطار عندما يمر من فوقنا وستدور العجلات حتى تجتاز القنطرة . وستسرع السمكات الصغيرة لتضيع فى البحر وستذكر منية أمها عندما يمر القطار لان أباها قال لها : انها ركبت قطارا ما ، وانها ستعود ذات يوم . فى ذلك اليوم الذى قال فيه أبوها هذا مسحت منية دموعها فى منديل أمها الابيض الذي أصبح أحمر عندما سعلت وبصقت فيه . وسألت منية لماذا تريد أن تذهب الى القنطرة فقالت : ان أباها قال لها ان أمها ذهبت مع السكة ومرت فوق القنطرة . ومنية تريد أن ترى من أين مرت أمها عندما ذهبت .

. . وسألت أبى : « لماذا أقيمت القنطرة ؟ " فقال أبى :« اعتن بدروسك! ان القنطرة لن تعينك على امتحانك ! » فى دروسى هناك أشياء عديدة غير

الكاهنة : « . . . تكون أن مضمرة جوازا . . »ورددت دروسى ، لانى أريد أن أعتنى بها : «  الكاهنة عاشت فى افريقية مضمرة فى التاريخ . . قادت البربر الى المعركة . . . » وقالت لى أعماقى : «  الكاهنة عاشت مضمرة فى قلب شعب . . . الكاهنة قادت البربر الى القنطرة . . وعند القنطرة مدت سكة فى البحر . . .

. . وقالت زوج أبى منية : ان منية بنية سمراء لا تستطيع أن تقوم بالفعل دون شرط يقع على الكاهنة . . .

أعماقى تثرثر والساعة تثرثر . . والقاطرة تقود القطار . . وأنا أقود منية وكل منا يصل الى القنطرة . وعندما يصل قطار حمام الانف نكون أنا ومنية فى انتظاره . . سينظر الينا الركاب كما ينظرون الى أى شىء على جانب السكة . سيلوح لنا الشبان بأيديهم والشابات بمناديلهن وسأقول لمنية: « ذات يوم سنركب القطار ونمضى بعيدا ، بعيدا حتى نهاية السكة لنبحث عن أمك . . وسنعود بها فى قطارنا . . . . »

هممت أن أسال أبى : « أين تنتهى السكة ؟ » ولكنى كنت أعلم انه سيقول الى : « اعتن بدروسك ! » وتركت جوابه مضمرا فى تفكيرى وبقيت السكة فى خيالى فى امتداها الافقى بخطيها المتوازيين ترسل بريقها تحت أشعة الشمس المحرقة .

. عندما نكون فى طريق القنطرة سيبدو القطار من بعيد يرسل الدخان من فوهته السوداء فى دوران خفيف وستقول منية : «  لقد ذهب القطار قبل أن نصل » وسأطمنها بأن القطار سيعود وقد يكون ذلك من أجلنا لكى نبصر عجلاته تتمطى على السكة . . .

. . . ونظرت الى الساعة التى فوق مكتب أبى دون أن يدرك ذلك لكى لا يقول لى : « اعتن بدروسك ! ) التاسعة والنصف لا يتركنى أنام قبل العاشرة . وأنا أريد أن أنام باكرا لاذهب غدا الى القنطرة . .

. . جريت اليوم وراء منية وجرت هى ورائى . أدركتها ولم تدركنى قالت : انها قد تعبت ، وقلت انى جائع . نظرت الى وعلمت أنها جائعة ولكنها لا تريد أن تقول ذلك . كانت أقدامنا تغوص فى الرمال والرمال سخنة وقالت منية : " لماذا لا نذهب بعيدا بعيدا . . . " سألتها " الى اين بعيدا ؟ قالت : " نذهب حيث تذهب السكة ! " قلت لها : ان السكة تمر فوق القنطرة ولكننا لا نستطيع أن نمر فوق السكة ، لان القطار سيدهمنا . قالت

منية : «  اذن نذهب الى القنطرة وفي المرة القادمة نحمل أكلا كثيرا ، ونذهب الى ما بعد القنطرة ! » وأضافت : «  ليتنى أدرك نهاية السكه ! ؟ ! وأتمت أعماقى: « ... انها كالوادى تاتى من بعيد ، ولكنها لا تبصق فى البحر كما يفعل الوادى بل تمضى الى بعيد فى امتدادها الافقى... »

. . . أم منية كانت تبصق فى منديلها عندما تسعل . والوادى يبصق فى البحر عندما يصبح شيخا . وسألت أبى : « من أين يأتى الوادى ؟ ؟ » قال أبي : « اعتن بدروسك واترك الوادى وشأنه ! أمازلت تفكر فى الوادى ؟ ؟ لقد قرب الامتحان! »

. . ورجعت الى دروسى فوجدت الكاهنة بضفيرتها الوحيدة :« . . . أمرت الكاهنة أن تحرق جميع أشجار البلاد لترد عنها عرب الجزيرة . . . » ورددت فى أعماقى : « عند القنطرة أمرت الكاهنة أن تمد السكة وأن يموت النهر فسعت جميع القطط الجائعة الى القنطرة حيث يبصق الوادى أسماكا صغيرة أحرقتها الكاهنة . . .»

. ستنسى منية أنها قطة جائعة عندما أطعمها من أصابعى.

. وعند الامتحان يقف الانسان أمام القنطرة . . ويبصق له الوادى دروسه التى حملها من بعيد . . وتبصق له السكة صوت العجلات الذى تردده قضبانها. ويبقى منديل أم منية أحمر يلوثه الدم الذى لفظته من فمها . ويبقى بصاق النهر أصفر ممزوجا بالطين والاسماك الصغيرة التى تسيل الى البحر . ويضيع دم النهر فى البحر . . . وتقف الكاهنة ووراءها البربر لترد « الكلاب الجائعة » عن الاشجار المحترقة . وتقف منية الى جانبى لتضحك من القطط الجائعة التى ننتفخ بطونها عند رؤية السميكات العجفاء . وتنسى أنها هى أيضا قطة جائعة وتنسى أنها حبلى بحلم اسمه القنطرة.

. . وعند الامتحان تبقى دروسى على الكراس ويجب أن لا يقول أبي : «  اعتن بدروسك ! » ويجب أن تقول أعماقى : « اعتن بالقطة الجائعة » . . . وأعود الى دروسي . وفى دروسى : " الفاعل يقوم بالفعل " وأجد منية تقوم بالطبخ والغسل . منية يقع عليها الفعل . منية يقع عليها الضرب لان منية لم تعتن بدروسها . دروس منية غسل ملعقة دواء زوج أبيها . منية لم تكن فاعلا منية وقع عليها الفعل فنسيت وجودها وتركت الفعل لغيرها . آمنت بخرافة الكاهنة التى قامت بالفعل فراحت تضع الاحلام من فعل ماض ناقص قال عنه الآخرون : انه « كان »

. . عقارب الساعة نسيت وجودها . لم تتحرك كأنها لا تقوم بالفعل . وأبى نسى أن يقول : « اعتن بدروسك ! » أبى لم يرنى عندما رفعت رأسى الانظر الى الساعة . صوت القطار يبدو بعيدا بعيدا يعيش فى الزمن ، يعيش على السكة . صوت الساعة أبعد منه ، لان الساعة هى الزمن نفسه . فى فصل الشتاء يعود أبى الى المنزل فى القطار الموالى لهذا الذى يمر الآن ، والذي تكون عرباته مضيئة كانها سكة تتحرك . الآن أبى لا يعود فى قطار العاشرة بل بجلس هنا ليقول لى : « اعتن بدروسك ! » . وفى دروسى كان الفاعل والمفعول به ووقع فعل الفاعل على المفعول به . . . ووقعت قارورة الدواء الصفراء من يد منية . . . غدا ساقود منية الى المياه الصفراء.

. . . وأصبحت أرضية الغرفة صفراء كأنها نهر لا يتحرك . . وقع الدواء على أرضية الغرفة . وقع الضرب على منية . وقامت منية بالغسل وقامت زوج ابيها بالضرب وقام الفاعل ووقع الفعل وكان ذلك امتحان منية .

وعند الامتحان تضيع السكة فى طريقها لانها تمضى بعيدا ... وعند الامتحان تطل دروسى من كراريسى وأجد فى دروسى :«. . . . وكانت الكاهنة امرأة حازمة . . . » وأجد فى أعماقى وتطل الظنون من رأسى تلومني . . . وتشد الحروف جفوني . . " . . وكانت المياه صفراء كقارور الدواء . وكانت ظنوني تسأل القنطرة . وكانت القنطرة قد خرست منذ مات النهر عندها . و " كان فعل ماض ناقص قال عنه أبي : «  اعتن بدروسك ! » و « كان » فى دروسى ودروسي كانت أثناء السنة الدراسية . ودروسى أصبحت عند بداية العطلة ودروسي ما زالت متواصلة طوال العطلة . . ودروسى ستبقى الى أن أصل القنطرة . . " بقى " لم تكن من أخوات « كان » . « كان سحبت اخواتها قبل أن يلفظهن الوادى وتسللن الى البحر . والبحر لا يبصق دمه في الوادى ، لأنه لا يأتي من بعيد بل يمضي الى بعيد . البحر لا ينتهى عند الوادى بل يمضي كما تمضى السكة . وفي البعيد كان بحر وكانت سكة . . وفي البعيد كانت كاهنة وكانت كلاب جائعة . وكانت اساطير عن ضفيرة واحدة تقود البربر ويمسك البربر الضفيرة - عندما كان البربر وتجذب الكاهنة ضفيرتها - عندما كانت الكاهنة - فينجذب البربر وتسير الكاهنة الى القنطرة وتقف «  الكلاب الجائعة  »عند القنطرة . . وتتسلل الكاهنة الى البحر تجر ضفيرتها وتسحب الكاهنة اخوتها من البربر الى البحر وتبقى الكلاب الجائعة تنظر الاشجار التى أحرقتها الكاهنة . . . وبصق النهر الكاهنة الى البحر . . . والبحر كان يمضي بعيدا ..

. وتمضى الكاهنة حيث يمضى البحر...

. .. «  يا جارة الوادى ». . . ومذياعنا يغلقه أبى لكى أعتنى بدروسي. وجارة الوادى بنية سمراء تدعي منية تسكن الزهراء . وجارة الوادى دروسى التى تمضى الى نهاية العطلة . وجارة الوادى كانت تعيش فى افريقية تدعى منية . ومنية ستذهب الى الوادى . . . ودروسى ستذهب معى الى نهاية العطلة . ولكنها لن تقف عند القنطرة . . . ووقفت أمام القنطرة و «  كان » فى أعماقى . وكانت « كان » قنطرة من يمد سكة فوق البحر ليربط البعيد بالنهر . . . وقالت دروسى : « فى المرة القادمة سنحمل زاد كثيرا نجتاز به القنطرة . . وقالت جارتى ، كاهنت ، منيتى : " سنحمل أكلا كثيرا لكى لا نجوع عند القنطرة » . . . وكان الجوع فى أعماقنا حلما ورثناه جاء مع السكة وبقى معنا . .

... القنطرة أمام دروسي . وعند القنطرة يقف أبى ليقول : « اعتن دروسك ! » وفى دروسى وجدت :«  . . . وأعتصمت الكاهنة بالجبال لتأمن شر عرب الجزيرة » ورددت دروسى فى أعماقى اليوم الذى أقف فيه أمام القنطرة : " . . . واعتصمت منية بدرجة السلم لتأمن شر المكنسة . . وكانت منية بنية سمراء لا تشبه السمكة التى تلمع تحت أشعة الشمس . . ونامت منية ذات مساء على السلم والمكنسة تحت خدها . . . ونامت الكاهنة فى أعلى الجبل . . . ورأت منية نورا فى الجبل ظنته نور الكاهنة . وكانت الكاهنة ضفيرة يتيمة فى خيال منية يلجأ اليها من يؤمن «  بكان » . . أرادت منية أن تمسك بضفيرة الكاهنة . ورأت أن تصعد الجبل . . والجبل عند رأسها والجبل يشرف على الزهراء . وتحرك الجبل الذي عند رأس منية . ووقع عليها الضرب لانها تقم بالكنس . وكان الجبل لا يزال يشرف على الزهراء . يحمل فوق صلعته نهدى الكاهنة تبتهل بهما الى السماء . تشرف بهما على السكة والوادى والقنطرة وعلى زوج أبى منية التى وقفت عند رأسها عندما كانت نائمة .

. . قلت لمنية بكل صرامة بعد أن حكت لى كيف تخيلت زوج أبيها جبل الزهراء قبل أن تهوى عليها بالفعل : « لماذا لا تعتنين بالكنس ؟ » كانت ملامحى صارمة لان ملامح أبى تكون صارمة عندما يكلمني . وقالت منية فى مذلة : " لقد تعبت قدماى فنمت على السلم . . . » وسألتها : «  اذن كيف ستذهبين غدا الى القنطرة ؟ انفرجت أساريرها وقالت : «  كانت » « سندرالا » تركب المكنسة ».

. . كانت دروسى قد بدأت منذ بداية العطلة . . . ولن تنتهى الليلة وستبقى حتى بعد القنطرة . دروسى كالسكة تذهب الى بعيد حيث كان قد ذهب البحر . . . .

. . وقال أبى : « اعتن بدروسك !ّ  » وتمتمت شفتاى بضع كلمات لكى يرى أبى أنى أعتنى بدروسى : " الكاهنة امرأة تركب الجبل الذى يطل على الزهراء وتجمع تحت ضفيرتها قبائل البربر . . . الكاهنة لا تشرب الدواء الذى فى القارورة الصفراء . . الكاهنة تخشى أن تقع منها القارورة فتسقط على سكان الزهراء وتصبح الزهراء مدينة صفراء . . الكاهنة تشرب من مياه النهر الصفراء التى يبصقها فى البحر فتشرب مع المياه الطين والاسماك الصغيرة وتبقى الكلاب جائعة وأشد جوعا من أى وقت مضى . . . منية لن تكون كاهنة لأن احدى ضفيرتيها قد ولدت الاخرى . منية لن تشرب الدواء لأنها قد كسرت القارورة . منية لن تبقى جائعة لأنى سأهبها الفطيرة التى ستعطيني اياها أمى .

. . . غدا سنكون عند القنطرة !. . .

. . . أما دروسي فسأكتبها عند القنطرة . سأكتبها الى جانب « ممنوع المرور على السكة » ساأكتب أيضا : " اعتن بدروسك ! اعتن بنفسك ! اعتن بمكنستك ! اعتن بقارورتك ! . . . لانك عند القنطرة ! ... )

. . . وستطل الكاهنة من فوق سرجها الذي وضع على صلعة الجبل . وسيبدو سرجها كقطعة من سكة لم تأت من بعيد ولن تذهب الى بعيد . او كفلذة من واد هجرته دماؤه . سأسأل الكاهنة : «  أين تنتهى السكة لنذهب الى نهايتها أنا ومنية ؟ » .

... وقال أبى : «  اعتن بدروسك ! » وكان ابى يفرك عينيه - قد أكون أنا الذى فركت عينى - وكانت دروسى كثيرة دامت طوال العطلة . وأبى لا يسمح لى بالنوم قبل العاشرة حتى ولو كنت سأذهب غدا الى القنطرة. وكانت دروسي كأسماك النهر الصغيرة تخرج من كراريسى لتصعد الى عينى. وعيناى قد ملتا دروسى . ولم تكن بين عينى وكراسي سكة تنزلق عليها الحروف . وكانت بين عيني ودروسى قنطرة هي النوم ...

... وعند القنطرة يصبح النهر شيخا . . وعند القنطرة يصبح الامتحان من أخوات « حان » وعند القنطرة تصبح منية كاهنة والكاهنة جارة الوادى وتولد الضفيرة من الأخرى . وتكبر الفطيرة فى يد منية وتذهب جميع الكلاب الجائعة مع الصحراء . وتولد السكة فوق البحر . ويكتب على جانب السكة : « حان جمعت أخواتها وقالت : البحر وراءكم والقنطرة هى الامتحان!»

. . واعتنتي بدروسي وأبى مازال يقول : « اعتن بدروسك ! » وأبى لم يقف أمام القنطرة . وأبى لم يجد كاهنة في دروسه . وأبى لم يجد منيته عند القنطرة . أبى لم يعتن بنفسه !

. . عندما يمر قطار أبى من فوق القنطرة سيقرأ : « اعتن بنفسك! » وسعلم أبى أنه كان يجب عليه أن يبحث عن منية له . . .

. . . دروسى جاءت مع الوادى وستذهب مع البحر . والبحر كان قد ذهب بعيدا حيث ذهبت الكاهنة وحيث ذهبت السكة التى حملت قطار أم منية . ودروسي ستذهب معى الى نهاية السكة . سأقود منية معى . . سنركب المكنسة . . سترشدنا الكاهنة . . وعندها فستموت القطط الجائعة على جوانب السكة . . وعادت الكلاب الجائعة مع الصحراء . . وعادت دروسى فى قول أبى : «  اعتن بدروسك ! » وكان أبى يعرف متى يقول ذلك . . وفى دروسى وجدت :«  ... واقتفى عرب الجزيرة أثر الكاهنه . . » ورددت فى أعماقي كما علمني أستاذ التاريخ : " وعادت الكلاب الجائعة الى افريقية . . .» . . واقتفت عينا أبى شفتى ليعرف هل يجب أن يقول : «  اعتن بدروسك ! » واقتفت عيناى الاحرف لكنها كالأسماك الصغيرة تنفلت من النهر لتضيع فى البحر . . . وبدت الاحرف صفراء كانها تسبح فى الدواء الذي سال من قارورة زوج أبى منية .

. . . قالت أعماقى ان منية قد مسحت أرضية الغرفة بكراريسى . وقالت ايضا ان كراريسى قد ذهبت الى القنطرة ونزلت الى المياه الصفراء لتصعد الى السكة . . وقالت . .

. . «  العاشرة ! . . احترام الجار ! . . العاشرة . . احترام النائم . . العاشرة قنطرة فى الزمن ! . . العاشرة ! . . قاطرة فوق سكة . .» وكان مذياعنا لايزال مضمرا كلامه فى جوفه . . " العاشرة ! . . وكانت أعماقى تردد : « الكاهنة . . ركبت الجبل ومدت عليه سكة . .» وامتدت سكة الكاهنة الى البحر . . وامتد البحر الى الافق . . وكانت قنطرة عند العاشرة . . وكانت . . وكانت سكة فوق البحر!..»

9 - 9 - 1968

اشترك في نشرتنا البريدية