معلقة فى الهواء بدون أعمدة أو ركائز . القبب شامخة متلاحمة ، رؤوسها المسنونة تستطيل لتخترق جليد السحب الرصاصية . بيضاء ، ناصعة البياض ، بدون نوافذ ولا مصاريع . كتلة متراصة تلف في بطء فتصيبه بالدوار وهو ينظر اليها من القاع . واقف على غير قدمين وسط هوة رمادية يغمر السحاب محيطا لها تفترضه العين ولا تميزه ، فينقلب اللون قهويا حليبيا عريان يرتحف . عيناه معلقتان صوب القبب السابحة . شعر صدره وساقيه وحوضه يقشعر . أداته الجنسية متقلصة تكاد لا تبين . يحملق ، ينظر نتراخي الاجفان يغمض العينين . يشعر الآن أنه معلق من أشفاره بخيط جد رقيق يشده الى قاعدة القبب ومن تحته تلسعه شفرات الحلاقة متصاعدة نحو الحوض . يضع يديه تحت السرة ويصرخ فيما تتحرك كتلة القبب البيضاء بسرعة أكبر نحو شمال أو جنوب لا يعيه.
تقترب الطائرة من طوكيو ، لا ، من مطار هونغ - كونغ . الطائرة فعلا اقتربت ولحظة ملامسة الارض أصبحت جد وشيكة . راح يكد دماغه بحثا عن صورة يشبه بها هذه اللحظة . استقر رأيه أخيرا على صورة الطائر الفارد جناحية المنحدر نحو المياه الناعسة . . يطول الانحدار ويتقارب الجسدان دون أن يحدث التلامس . لحظة معلقة فى الابدية . أيقظته هزة العجلتين ، وهما تحطان على الارض ، من سرحانه . استدار مبتسما نحو جارته الباريسية التى جاءت تبحث فى هونغ - كونغ عن عجائب تكسر الرتابة وتشعل الخيال المتعب من وطأة الممارسة والزمن.
اذا فهم جيدا ، إذا فهمت جيدا ، سيمكنهما أن يتعاشرا فوق هذه الارض الغريبة . ولم لا ؟ أجابت ضاحكة
فى المساء فقط ، وهما يجوسان عبر شوارع المدينة المتلالئة المكتظة ، تنبه الى انه لم يحترم الوعد الذى قطعه على نفسه بأن يتحرر من كل القيود ، لينطلق وحيدا يكتشف مدينة طالما داعبت خياله ولينسج من الواقع المعاش شريطا اختزنته ذاكرته فى لحظات أحلام اليقظة والملالة المقتحمة.
كان يمني النفس بالتسكع أمام الواجهات وعبر الازقة الضيقة والواسعة ، وبجولات داخل المواخير والحانات ومحادثة العقلاء والحمقى والمعتوهين ومجالسة الافاقين والدجالين وكل من يحمل شارة أو لا يحملها . . كل من يصادفه فى طريقه . . انطلاقا وراء أسرار لا تزيدها الملامح المستديرة المتشابكة الا غموضا وانغلاقا . أول مرة عشق هذا الجزء من العالم حينما كان يشاهد شريطا سينمائيا تجرى بعض أحداثه فى هونغ - كونغ : البطل المنهك المنسوف من الداخل يتجول عبر الازقه الآهلة بالمومسات . . الوجوه المستديرة تلاحقه فى ابتسامات يتنافى أدبها مع الغرض ، وهو فى حيرته وتبدده لا يعرف ما يفعل . يتوقف عند واحدة ، يمزق قميصها وحاملة النهدين ويدعك صدرها بعنف ناظرا الى وجهها المبتسم دائما . . تستنفد الحركة جاذبيتها فيتوقف ويمد لها ورقة مالية . لاوعيه تعمره صور هذه المناطق. حتى الذين يحلمون بالصين الحمراء والفيتنام الملتهبة لا يستبعدون وقفات عند هونغ - كونغ وطوكيو إذا امكن . شىء طبيعي اذا أردنا التبرير ، وحتى بدون تبرير . لو صدق حدسه : الانسان فى هذه المناطق شكل شان ، يبهرك بحركاته ، بردود فعله ، بفلسفته وطرائق مواجهته للتحديات . " لانه يتصرف على شاكلة الطبيعة يصعب عليه أن يكون متصنعا " قال كونفوشيوس . . كم من الرجال مرت قبل ان يثبت " ماو" عكس ذلك : لاننا كبشر فاننا نذيب التصنع ونعيد للانسان حريته وتلقائيته
- لماذا هونغ - كونغ وليس بكين ؟ - لعلها محطة لازمة . . وقد تكون كل الطرق مؤدية إلى بكين ؟ عادت الى الضحك كأنما لتدفع حرجا متخيلا من سؤالها:
- سؤالي لا معنى له . . أنت تعرف جيدا أن معظم شبابنا في أوربا تحج قلوبهم ألف مرة الى بقاع الصين . أنا لست ماوتسية ، ولا يضايقني وجود الصين ما دامت حريتى مصونة . . تفهمني ؟ أنا قضيت طفولة تعسة ، لم اتمم دراستى ، منذ الثامنة عشرة أصبحت محظية لاحد الاثرياء . نفحني مالا اشتريت به منزلا وافترقنا بعد ان بلغت الثلاثين . أعمل سكرتيرة
وأتوجس خيفة من المستقبل . ريد ان أتمتع ولكن الحياة لم تعد سهلة كما كانت . شباب اليوم يخيفوننى بعشقهم للعنف فى كل المجالات.
طعم الحانات يصبح ألذ فى مثل هذه اللقاءات . الآخر يقتحم خلوتك ، يضعك أمام أسئلة حديدة . تتنازعك الرغائب والغرائز . تقول كل شيء يمكنه أن ينتظر . لنكتشف المزيد من المعاش ولنهتضم فى آخر المطاف .
الثالثة صباحا وهما عائدان يدقان بحذائيهما افريز الازقة العافية ، أحس - و لا شك انها أحسست مثله - أن وحدتهما الطافية بعد جولة فى مدينه مسحورة ) لانهما يريدانها كذلك قيل زيارتهما ( لن يخفف من وطأتها سوى التحام الجسدين . فتح نافذة غرفته دون أن يضغط على زر النور ، والقمر المتلالىء فى طريقه الى المغيب ينير السرير . لكنه وهو ينظر اليها تنزع آخر قطعه من ثيابها ، بهت أمام بياض جسدها : جسد أبيض ، ناصع البياض . تقول جدارا حديث الطلي ، تقول سمكة منزوعة القشر والجلد . سرت قشعريرة فى حسده . تكهرب . طارت الخمرة . غمره صحو دافىء . ينظر اليها فى بلاهة وفي اندهاش . عيناه تحدقان وكأنهما خرجتا من محجريهما . مند لحظة فقط كان يقول لها : " أبتها الباريسية الجميلة ستهبيننى الليلة دفئا جديدا " هو الآن متسمر وهي متضايقة من نظراته البلهاء التى تطوف بجسدها من الرأس الى القدمين . مالك ؟ خجول ؟ لم تضاجع امرأة من قبل ؟ - بلى . ألف امرأة منذ الرابعة عشرة من عمري
- اذن ماذا ؟ - لست أدرى تقترب منه . تداعب صدغيه وعنقه . تمص حلمه صدره ، وهو لا يكاد يشعر . بعد جهد حرك يده ليمسد شعرها ثم مررها على جسدها . لسعة البياض - لعلك متعب ؟ - أبدا انا اشتهيك حتى من قبل أن أولد
حركاته لا تترجم فعليا ما يقول . شيء ما يحبس العفريت داخل القمقم ولو أن الجنس استيقظ في نهاية الامر ، ولو أن الجسد تمدد فوق الجسد ، فان شيئا ما يكيل حركاته ويعوقه عن الوصول الى الايقاع المنطلق . لحظة الشهوة حللتها غلالة بيضاء . قال فى نفسه : لقد ضاجعت الموت .
بعد سبعة أشهر كانت الطائرة تحمله الى باريس . راح يستعيد لقاءه مع ذات الجسد الابيض . وراح ذهنه يبحث عن صورة لتلامس العجلتين مع الارض فلم يجد غير صورة الطائر الفارد جناحبه المنحدر صوب المياه النائمة قال لها ضاحكا فى الهاتف:
- يظر أن الحج الى باريس أكثر جاذبية من الحج إلى بكين . - هذا يسعدنى . . متى أراك ؟
رقصا حتى مطلع الفجر . تحدثا فى كل شيء . العالم فعلا يدور . نحن لا نتغير بالقدر الكافى . نحن ، على العكس نتغير بأسرع مما تظنين . أقصد الاعماق لا السطح هل فهمت ؟ التغير عملية لا تتجزأ هل تدركين ذلك؟ نستطيب الصورة التى كونها الآخرون عنا . نتصادم عن الاستجابة للحظات الجديدة ، عن التحولات الكسل ؟ الجبن ؟ نقص فى الارادة ؟
لا احب ان تتفلسفى بهذه الطريقة . أنت تكرهين العنف ، وهذا يمنعك من ان ترى كيف يمكن أن تتخلخل الملصقات على جباهنا وأفواهنا وأجسادنا كى هذه المرة ايضا صعق لبياض جسدها . خفت الحماس والاندفاع . تقلصت الشهوة . لم يكن صعبا عليها أن تلاحظ - أنت بيضاء أكثر من اللازم - آه ، نسيت أنك افريقي . . لا يعجبك بياضي ؟ - بياضك يذهلنى ، يثلجنى . . أجده غير عادى ضحكتها لا تذيب تراجيدية اللحظة - أطلى جسدى بالسواد ؟ - آه لو تستطيعين - أنت مريض لا شك . تعال ننام
مريض انا جئت اليك يا من تحلل النفوس ، تسبر أغوارها ، تكشف الخبايا والكوامن تبدد العقد والطلاسم . . تعيد للكيان توازنه ، تحرره من حباله المستورة ، تطلق نوازعه المكبوتة . كل القرابين أحملها لو تعلم . من أين الطريق الى معبدك يا ملكا لم يتوجه صولحان ؟
- من هنا . تمدد فوق هذه الاريكة . تحلل من ربطة عنقك . ضع رجليك أينما شئت . دخن اذا أردت . تنفس بعمق ثم حدثني عن كل ما يمر بخاطرك . اقتنص أى لحظة تشاء . لا يهمك التنسيق ، لا تفرض رقابة على ما تقول . أنت الآن فى رحاب الكينونة الكثيفة ، فى رحاب الشعر الممزق لكل الحجب . اصهل أيها الجواد الذى صدىء صوته .
- أقول لك عن حلمي ، أروى لك أحلامى ؟ شاهدتها منذ ولدت . . هي نفسها تتكرر ينحبس الزمن في قارورتها . تتمخض كل يوم من يفك اسارها ؟
حلمت بالنعمان يختال عجبا فى قصر الخورنق وبالجوارى يسطن الاسياد الذين بفسدون في الارض دون السماء وبالليلة الخمسمائة من حكايا شهرزاد حلمت ببشار يصب الخل فى الزيت وبالمعرى يضحك مجلجلا من الشقاوة والنعمى وبالصعاليك يذبحون أجساد التجار فلا يسيل منها دم بل قار وبالقرامطة يتنادون لاكل الزيتون فوق جبل الطور حلمت بالكاهنة البربرية تضاجع ادريس الاول وبعقبة بن نافع يقبل فرسه فى اشتياق وبأحمد وموسى يقفز من القبر الى قمة الجبل حلمت بالضبع يأكل السبع فلا تسعه بطنه وبالجيش العرموم تدفنه رياح سافية حلمت بالمسيح يبعث مارلين مانرو من قبرها فتهتف له كل الحناجر حلمت بأرتال الاطفال المشردين يصوبون البنادق وبالنار تلتها الاخضر واليابس وبالساذجين يطلبون سقيا البهيمة والعباد حلمت بالازواج كل الازواج ينتحرون وبالموتى يستيقظون حلمت بالربيع قبل الشتاء وبالنهد قبل الثغر وبالجحيم يسكنه الولدان المخلدون وبالاعاصير يشربها الفنجان حلمت بالشيطان بأجسام كل المومسات وغير المومسات اللائى ضاجعتهن حلمت بالنهود التى كنت ألمسها وأنا طفل صحبة أمي فى الحمام حلمت بالساحرة تصعق نظراتها الطيور والاناسى والاسماك . حلمت بما لا يحلم أحد : سلخت جلدى تبخر جسدى عدت نطفة فى رحم بكر اه لو يصدق الحلم!!
- حاول أن تغادر عالم الاحلام الى المعاش . فى زوايا ذاكرتك المهملة لتستعيد لحظة التماس بينك وبين العالم . . على مهلك . تنفس بعمق . كل الوقت أمامنا . - كل الوقت خلفنا - أنت ترتعش . حبات العرق ترشح من جبينك . عيناك تغيمان . لا تقلق .
اقتنص ما يتراءى لك . فك حبسة لسانك . اصهل أيها الجواد الذى صدىء صوته .
- عمرى ألف عام . يخيل الى أن عمرى ألف عام . ولكن ما اراه الآن بذهلني . فى البدء ، بدئي ، كان النهد . نهد ابيض ، جسد عار ابيض . الشعر هالة سوداء تضاعف من بياضه . هذا الجسد أعرفه . لم أضاجعه . يتمدد بلا حراك . عيناه مطبقتان . كنت فى الرابعة ، فى الخامسة . . كل من في البيت الكبير ببكى رجالا ونساء بكيت بدورى . حملتني الخادمة واقتربت من الغرفة المقفلة . أردات أن تتخلص منى فتحت باب الغرفة ووضعتنى على العتبة . انقطع صراخى . خطوت نحو خشبة المغسل الذي تتمدد فوقه عمتى . كانت بلا حراك . كنت أعبدها فى ذهول اقتربت ووضعت يدى على نهدها . كان باردا وجد أبيض . امتدت يد فاختطفتني.
نصاعة صورة الجسد الابيض الميت ، الآن ، أوضح عندى من كل الذكريات يمتليء ذهنى بكل التفاصيل ، حتى نسج العنكبوت فوق الرتاج . لن أنساها الى آخر لحظة أتنفس فيها على الارض أو بين طيات الغمام.
أحبو داخل القبو فوق أجسام هلامية . الطحلب يعوق خطواتى . أتلفت الى الوراء فلا أرى نورا يشع . الظلمة الزمهريرية فى ثنايا العينين والمخ جلدى يهترىء ، ينسلخ فى بطء فتنتصب الالياف عارية صارخة.
يا أحلاما لم أحلمها بعد هل تدفنين بياضك تحت ركام الذكريات ؟

